تلقى قمة تكتل بريكس المقامة في جنوب إفريقيا اهتمام إعلامي غير مسبوق، ليس لأي سبب سوى أنها باتت تمثل مرحلة من مراحل انقسام العالم إلى شرق وغرب سياسيا واقتصاديا.
 
وبالفعل. فإن بريكس هو تجمع غير رسمي لخمس دول ناشئة كبرى يمثل سكانها 40% من سكان العالم وتمثل اقتصاداتها مجتمعة نحو ربع اقتصاد العالم.
 
واكتسب هذا التجمع شهرة خلال الأعوام القليلة الماضية بسبب الحرب التجارية بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين منذ عام 2018 أولا، ثم النزاع المسلح بين روسيا وأوكرانيا في عام 2022. 

وبالتالي، فالتجمع هو أقرب إلى كونه "حلف مؤقت بين شركاء وغرماء (كالهند والصين اللتان يشوب علاقتهما التوترات)" من "منظمة حاضنة لدول ذات مصير مشترك". 

والفارق بين هذا وذاك كبير في التعريف والتبعات كما هو مفصل أدناه:  

أولا، بريكس ليس منظمة رسمية ذات عقد تأسيسي وسكرتارية ومقر دائم حتى هذه اللحظة، بل هو مجرد تجمع سنوي لتبادل الآراء بين البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب إفريقيا.
 
فمنظمة الآسيان (ASEAN)، على سبيل المقارنة، تضم عشر دول أعضاء ولها مقر دائم في جاكرتا بإندونيسيا ولها عقد تأسيس تم إقراره من قبل السلطات التنفيذية والتشريعية في الدول الأعضاء في عام 2008. وكذلك الحال بالنسبة لمجلس التعاون الخليجي والذي تم إقرار عقد تأسيسه في 1981 ويقع مقر السكرتارية الدائمة له في الرياض بالسعودية. 

وبالتالي، فإن استخدام كلمة "منظمة" لوصف "تجمع" دول بريكس غير صحيح وسابق لأوانه.
 
ثانيا، هناك انقسام بين الدول الخمس المكونة للتجمع على طبيعة علاقتها بالولايات المتحدة.
 
فبينما تمضي الصين وروسيا قدما في التعامل التجاري باستخدام اليوان والروبل للقضاء على هيمنة الدولار وهو ما أكده الرئيس الروسي خلال كلمته لأعضاء قمة التجمع الأخيرة بجنوب إفريقيا، تبقى الهند والبرازيل وجنوب إفريقيا على الحياد نظرا لعلاقتها الاقتصادية والسياسية القوية مع الولايات المتحدة وأوروبا. 

فالولايات المتحدة تمثل للهند -التي هي ثاني أكبر اقتصاد في التجمع بعد الصين وعلى أعتاب احتلال عرش خامس أكبر اقتصاد في العالم- الشريك التجاري الأول بلا منازع بنسبة تقارب الـ 20%.
 
ولا يختلف الأمر كثيرا بالنسبة للبرازيل وجنوب إفريقيا، إذ إن الولايات المتحدة هي ثاني أكبر شريك تجاري بالنسبة للدولتين بعد الصين. 

لذا، فإن الإجماع على كسر هيمنة الغرب على الاقتصاد العالمي وإنهاء سيطرة الدولار هو أمر مشكوك فيه على أقصى تقدير.
 
ثالثا، فإن الحديث عن عملة موحدة "عملة بريكس" هو درب من الخيال في الأمدين القريب والبعيد على حد سواء.
 
فعادة ما تمر الدول الراغبة في الوحدة النقدية بمراحل تمهيدية تبدأ بمنطقة تجارة حرة، ثم التطور إلى منطقة جمركية موحدة، ثم تزال القيود على حرية حركة العمالة ورؤوس الأموال، إلى أن يتم الالتزام بشروط الوحدة النقدية، كما حدث في الاتحاد الأوروبي ومنطقة اليورو منذ الستينيات إلى أن تم إصدار عملة اليورو إلكترونيا في 1999 ثم ورقيا في عام 2002. 

وكل خطوة من هذه الخطوات عادة ما تمتد لعقود حتى تصل كل الدول الأعضاء -أو يصل بعضها فقط - إلى قرار التخلي عن عملتها المحلية وسلطاتها النقدية وتبني عملة موحدة. 

وكما ذكرنا سابقا، فبريكس لم يتخذ بعد شكل منظمة حتى تبدأ خطوات الاندماج الاقتصادي. 

إضافة إلى ما سبق، وهو كاف لنفي فكرة العملة الموحدة، فإن أعضاء تجمع بريكس والدول الناشئة الراغبة في الانضمام يعلمون علم اليقين خطورة إزالة كل القيود الجمركية وحرية حركة العمالة ورؤوس الأموال في تجمع اقتصادي يضم المارد الصيني. 

فهذا الأمر يعني بالضرورة انتهاء الصناعة المحلية وتفاقم العجز التجاري مع الصين. فبرغم من اشتعال الحرب التجارية بين الصين والولايات المتحدة منذ 2018، فإن عجز الميزان التجاري السلعي بين القطبين بلغ 382 مليار دولار العام الماضي لصالح الصين. 

فما بال الدول الناشئة ذات الصناعات الخفيفة والجودة المتوسطة والأسعار غير التنافسية إذا ما اضطرت لإزالة قيود التجارة مع الصين؟ 

رابعا وأخيرا، فإن إنهاء سيطرة الدولار من قبل أي عملة وليكن اليوان الصيني لا يعني مطلقا إنتهاء أزمات ميزان المدفوعات في الدول الناشئة.
 
فالعديد من الدول الإفريقية والآسيوية تستدين فعليا باليوان الصيني سواء عن طريق ديون تقليدية أو صفقات تبادل عملات (swap agreements)، ولم تقضي هذه الديون على أزمات هذه الدول. فقروض دولة زامبيا الخارجية تقارب الـ 20 مليار دولار منها قرابة الثلث لمقرضين صينين. وبالرغم من ذلك، اقتربت زامبيا خلال الأشهر القليلة الماضية من التعثر عن السداد لولا إبرام صفقة إعادة هيكلة. 

وبالإضافة لما سبق، فإن فكرة التعامل بالعملة المحلية لن تصلح من العجز التجاري في الدول الأقل حجما من الاقتصادات الأكبر مثل الصين والهند. فصفقة المقايضة سوف تعتمد على توافر سلع وخدمات للتصدير أولا، وسيتم تقييمها (ضمنيا) بالدولار ثانيا حتى يتأكد كل من المستورد والمصدر أنهما يحصلان على أفضل صفقة. 

ولكل ما سبق، فإن تجمع بريكس هو بالفعل تحالف استراتيجي قصير الأجل ويجب النظر إليه من هذا المنطلق، وليس على أنه يسير على خطى الاتحاد الأوروبي أو منطقة اليورو لأنها ستكون مبالغة لا جدوى منها.

 

(إعداد: هاني جنينة، محلل اقتصادي و محاضر بكلية إدارة الأعمال بالجامعة الأمريكية بالقاهرة) 

( للتواصل zawya.arabic@lseg.com)