نحو 83 مليار دولار تعهد بها قادة العالم ومؤسساته التنموية والبنكية خلال قمة المناخ "كوب 28" التي استضافتها الإمارات هذا العام.

ومن المتوقع أن يذهب عدد لا بأس به من هذه الأموال - إن تم ضخها فعلا - إلى دول من القارة الإفريقية، الأكثر فقرا و تضررا من أزمة المناخ.

 وبين تعهدات كوب 28 التي قد يذهب البعض منها إلى إفريقيا التالي:

- 3.5 مليار دولار تعهد بها القادة في كوب 28 لصندوق المناخ الأخضر، الذي أُنشئ عام 2010 في إطار اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ لتوفير المساعدة للدول النامية في مشروعات التكيف مع التغيرات المناخية.

- تعهدات بـ 129.3 مليون دولار لصندوق البلدان الأقل نموا، الذي تأسس خلال قمة المناخ التي انعقدت عام 2001 لتلبية احتياجات أقل البلدان نموا في التكيف مع تغير المناخ.

- 200 مليون دولار وعدت بها الإمارات في صورة حقوق سحب خاصة للصندوق الاستئماني للصلابة والاستدامة التابع لصندوق النقد الدولي بهدف تعزيز المرونة المناخية في البلدان النامية.

يأتي هذا فيما حظت إفريقيا هذا العام باهتمام خاص فيما يخص أزمة المناخ، حيث انعقدت أول قمة إفريقية في سبتمبر بنيروبي واستطاعت جمع تعهدات بقيمة 23 مليار دولار لدعم المشروعات الخضراء وحلول الأزمات التي يتسبب فيها المناخ من حكومات، مستثمرين، بنوك تنموية ومؤسسات خيرية، منهم 4.5 مليار دولار من الإمارات، الدولة المضيفة لكوب هذا العام.

وخلال كوب 28، أعلنت الإمارات أنها خصصت 2.6 مليار دولار -  من حزمة الـ 4.5 مليار دولار - لمشروعات خضراء في 8 دول إفريقية.

التاريخ والحاضر

تاريخيا، كانت إفريقيا مهد لعدة حضارات منها الفرعونية في مصر ومملكة نوميديا الأمازيغية ( من 202 إلى46 قبل الميلاد) والتي ضمت أجزاء من الجزائر، تونس، المغرب  وليبيا. ولكن انحدر وضع القارة خلال العصر الحديث، الذي  تنقلت خلاله من استبداد قوات أجنبية محتلة إلى أزمات من صنع حكامها المحليين أدت إلى فقر، فساد وصراع مسلح على السلطة.

وجاء الغزو الروسي لأوكرانيا، والذي بدأ في فبراير 2022 وأدى إلى ارتفاع حاد في أسعار السلع، ليزيد من الطين بلة ولكن لسوء الحظ لم يقف الأمر عند هذا الحد.

فقد ضرب المغرب هذا العام زلزال أعتبر الأقوى في تاريخ البلاد منذ قرن، أسفر عن مقتل نحو 3 آلاف شخص وإصابة أكثر من 5.6 ألف، فيما قتل أكثر من 2,000 شخص في ليبيا إثر اجتياح إعصار وسيول عارمة البلاد، مبرزين الأزمة المناخية وتداعياتها بأبشع الصور.

ويأتي هذا في ظل اضطرابات سياسية، تشمل انقلابات وصراعات مسلحة وعدم استقرار داخلي، ألقت بظلالها أيضا على الأوضاع الاقتصادية في عدد من البلدان منها السودان، النيجر، بوركينا فاسو، غينيا، مالي وتشاد.  

وتقلصت منذ العام الماضي فرص حصول الدول الإفريقية على التمويل الخارجي بسبب عدة عوامل، منها ارتفاع التضخم خلال عام 2022، مما أدى إلى تشديد السياسة النقدية عالميا وبالتالي الضغط على معدل النمو في 2023.

 كما ارتفعت أسعار الفائدة المحلية، وزادت فروق أسعار الفائدة على السندات السيادية، مع استمرار الضغوط على أسعار الصرف، وارتفاع مستويات الدين. ووصف صندوق النقد الدولي زيادة صعوبة حصول الدول الإفريقية على التمويل الخارجي بأنها "تشكل صدمة أخرى للقارة التي لا تزال في طور الخروج من جائحة كوفيد-19".

القطاع الخاص

هو أحد حلول فجوة التمويل في إفريقيا، لكنه ليس الحل الوحيد، بحسب سامح شنودة، الرئيس التنفيذي لشؤون الاستثمار في مؤسسة التمويل الإفريقية، وهي مؤسسة متعددة الأطراف، متحدثا  لزاوية عربي من الإمارات خلال كوب 28.

وبحسب شنودة، فإن مشكلة إفريقيا الأولى هي "عدم وجود مشروعات قابلة للتمويل"، موضحا أن الجزء الأول من المشروع بداية من الفكرة مرورا بالدراسات وشراء الأرض هو "أكبر مخاطرة وماحدش (لا أحد) بيحب يدخل فيها".

وقال إن التصنيف الائتماني للدول هو عامل مهم جدا في عملية التمويل، مضيفا أنه كلما ضعف تصنيف الدولة - كما هو الحال في إفريقيا -  يكون الاقتراض أصعب وأكثر كلفة عليها وبالتالي يُصعب تمويل مشروعات الدولة وسداد ذلك التمويل.

كما أن انخفاض التصنيف الائتماني للدول يمثل تحدي للمؤسسات المالية هي الأخرى، إذ قال شنودة: "التصنيف الائتماني له دور كبير جدا في تقييم المؤسسات المالية في أنها هتسعّر إزاي القروض بتاعتها".

الوضع السياسي

ومن ضمن التحديات أيضا أمام التمويل في إفريقيا، وفق شنودة، "التغييرات السياسية"،  مضيفا أن الاستقرار السياسي "مهم جدا"، حيث أنه لن يتم توجيه تمويل على سبيل المثال إلى بلد شهد انقلاب منذ شهرين.

تحدي آخر أشار إليه شنودة هو القوانين وتطبيقها. "في بلاد كتيرة (كثيرة) عندها قانون مابيسمحش (لا يسمح) مثلا للقطاع الخاص أنه يستثمر في أجزاء معينة في البنية التحتية".

وخلال جلسة نقاشية عن الاستثمار في إفريقيا عقدت خلال  كوب 28، تحدث الحضور عن أبرز العقبات أمام التمويل في إفريقيا، وكان أهمها الفجوة بين الممولين والدول، وغياب المشروعات القابلة للتمويل، فضلا عن المخاطر وغيرها من التحديات.

"إذا تحدثت إلى المستثمرين سيقولون أين المشروعات وإذا تحدثت إلى الدول ستقول أين الأموال،" بحسب بابلو فييرا المدير العالمي لوحدة الدعم في NDC Partnership المعنية بتسهيل التعاون بين حكومات الدول النامية والمتقدمة والمؤسسات الدولية لتسريع العمل المناخي.

واعتبر موسى مابسا المسؤول التنفيذي الرئيسي لصندوق تقاعد موظفي الحكومة في جنوب إفريقيا - وهو أحد أكبر صناديق التقاعد في العالم - خلال نفس الجلسة أن الأمر الأكثر أهمية من منظور الشركات الراغبة في الاستثمار قد يكون نهوض الدول بالبنية التحتية خاصة الخضراء منها، وحجم الإنفاق الحكومي عليها.

"يتعين على الدول الإفريقية أن تتخذ خطوات جدية وشاملة نحو الحوكمة الرشيدة والإصلاحات السياسية وتنفيذ القواعد والانظمة لتشجيع وتحفيز رؤوس الأموال الأجنبية على الاستثمار في قطاع الطاقة في إفريقيا،" بحسب نزار العكره، المدير الإقليمي لشركة ICC Group وهي شركة مقاولات لها فروع في لبنان والمغرب والعراق وقطر والجزائر وتنفذ مشاريع في قطاعات من بينها الكهرباء.

وأضاف: "إفريقيا هي العمود الفقري لكوكبنا وهي القارة الوحيدة التي يمكنها تزويد العالم بكل شي: الكهرباء والطاقة والأمن الغذائي، هي أرض خصبة فيها الكثير من الموارد الطبيعية والمعادن... ويجب على الدول الإفريقية أن تعتمد على أنفسها لا على الغرب لأن لا أحد يعرف مصلحة الدول الإفريقية أكثر منها".

وبحسب المحلل الإيطالي المختص بقطاع الطاقة فرانشيسكو ساسي لزاوية عربي، فإن التوصل لاتفاق بشأن صندوق الخسائر والأضرار "بمثابة حجر زاوية للدبلوماسية الإفريقية". وقد تم اعتماد صندوق الخسائر والأضرار خلال كوب 28 وهو معني بتقديم المساعدات المالية للدول الأكثر تضررا من أزمة المناخ. ونجح خلال القمة في جمع تعهدات بنحو 800 مليون دولار.

ولكن بحسب ساسي الوضع الجيوسياسي سيقلل من منافع كوب.

"من المرجح أن تؤدي التوترات الجيوسياسية المتعلقة بالحرب الإسرائيلية ضد حماس، أو الغزو الروسي المستمر لأوكرانيا، إلى تفاقم الخلافات بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والدول الإفريقية.. وأن ظلت الحرب بين إسرائيل وحماس لوقت طويل، سيكون لهذا تأثير على الاقتصادات الإقليمية حيث ستتحول الاستثمارات من قطاع انتقال الطاقة إلى القطاعات الأمنية".

 

(إعداد: مريم عبد الغني وشيماء حفظي وريم شمس الدين، للتواصل: zawya.arabic@lseg.com)

#تحليلمطول

لقراءة الموضوع على أيكون، أضغط هنا

للاشتراك في تقريرنا اليومي الذي يتضمن تطورات الأخبار الاقتصادية والسياسية، سجل هنا