عملة لبنان الرقمية.. هل هي الحل؟

مقال رأي مقدم من محمد طربيه أستاذ محاضر ورئيس قسم العلوم المالية والاقتصادية في جامعة رفيق الحريري بلبنان

  
صورة تعبر عن عملة البيتكوين

صورة تعبر عن عملة البيتكوين

Gettyimages

اثار الصعود الهائل الذي شهدته العملات الرقمية في الأسواق المالية العالمية شهية الدول والبنوك المركزية حول العالم.

ولمواكبة هذا التطور بدأت بعض الدول الإقليمية خطوات لإصدار عملة رقمية خاصة بها مثل السعودية والامارات وتركيا والكويت ولبنان. 

ما الفرق بين العملات الرقمية الرسمية والبيتكوين؟ 

تختلف العملات الرقمية الصادرة عن البنوك المركزية عن العملات الرقمية المتداولة عالميا كالبيتكوين على سبيل المثال. 

ففي حين ما زالت العديد من الحكومات تنظر الى البيتكوين كسلعة للتداول لا كعملة، فان العملات الرقمية الصادرة عن البنوك المركزية

ترتبط باقتصاد البلد وتستمد قوتها من قوة الاقتصاد وقدرة المصرف المركزي في الدفاع عنها. 

عملة لبنان 

كانت لبنان قد بدأت التحضير لعملة رقمية مدعومة من البنك المركزي منذ العام 2018.

كان البنك المركزي حينئذ ينظر الى الليرة الرقمية كأداة لتطوير الاقتصاد وجسر عبور نحو الاقتصاد الرقمي القائم على تكنولوجيا المعلومات، على ان يكون استعمالها محليا

لتسهيل أنظمة المدفوعات وتوفير الكلفة على المستهلك وتطوير التكنولوجيا المالية. 

اما الآن وقد دخل لبنان في عمق الأزمة الاقتصادية وتراجعت الثقة بالليرة نتيجة الأزمتين النقدية والمالية بدأت الليرة الرقمية تأخذ ابعاد تختلف عن التجارب الرسمية  مع العملة الرقمية في دول أخرى.

وبالرغم من ان المركزي لم يعلن بعد عن استراتيجيته ورؤيته حولها، الا ان الليرة الرقمية قد تحولت الى محط اهتمام اقتصادي

وسياسي نتيجة الدور الذي من الممكن ان تقدمه للحل في لبنان. تظهر الليرة الرقمية اليوم كمحاولة من المركزي للسيطرة على المخاطر الاقتصادية القائمة وتخفيف عوارض الأزمة المتمثلة بالتضخم والسيولة.  

كان من مخلفات الأزمة في لبنان تعثر القطاع المصرفي وانعدام الثقة فيه بعد ان احتجزت ودائع تقدر بحوالي مئة مليار دولار بفعل شح السيولة النقدية بالدولار الأميركي. 

ماذا يمكن ان تقدم العملة الرقمية للبنان؟ 

من المتوقع ان تكون عملية اذابة هذه الكتلة النقدية الهدف الرئيسي للمركزي، ويتوقع ان تشكل الليرة الرقمية في ظل العجز عن توفير الدولار النقدي الحقيقي، وسيلة لتحرير الودائع المحتجزة في المصارف

وإعادة صرفها في الاستهلاك المحلي.  

كذلك عمد المواطنين الى تخزين الدولار في المنازل والذي قدرته مصادر البنك المركزي بما يقارب الـ10 مليار دولار. ويهدف مشروع الليرة الرقمية التخفيف من تخفيض تضخم الكتلة النقدية

سواء بالدولار الموجود في المنازل أم بالليرة اللبنانية التي يطبعها المركزي. 

كما يأمل المركزي إلى تخفيف التهريب الذي يستنفذ ما تبقي من دولارات نقدية في السوق اللبنانية، او الطلب على الدولار في السوق السوداء، الأمر الذي ساهم في تصاعد التضخم

نتيجة انخفاض سعر الصرف في السوق وارتفاع الكتلة النقدية المتداولة بالليرة اللبنانية. 

وهنا، تبرز العملة النقدية كحل لكلفة الطباعة المترتبة على المركزي وكحل لإدارة السيولة المتضخمة في الأسواق، حيث من المتوقع أن تشهد المرحلة المقبلة مزيد 

من طبع العملة ومعها ارتفاع التضخم في ظل استمرار مصرف لبنان بتمويل 

عجز الموازنة في الدولة. 

العوائق 

بالرغم من الإيجابيات العديدة والفرص الجيدة التي تطرحها الليرة الرقمية، الا انه لا يزال هناك عوائق عديدة لتحقيق امكانيتها وتأثيرها في الاقتصاد.

فكيف للبنك المركزي الذي فقد السيطرة على سعر الصرف وفقد الثقة للتعامل بالليرة النقدية وفقد احتياطه الأجنبي في ظل أزمة اقتصادية ومالية ونقدية خانقة ان يفرض التعامل او يقنع

المواطنين بعملة رقمية لم تتضح معالمها بعد؟

وهل يستطيع الدفاع عنها وعن قيمتها كوسيلة للتعاملات وحفظ الثروة؟ 

في غياب القدرة على استعادة الثقة فان الليرة الرقمية اللبنانية سيكون مصيرها كمصير الليرة النقدية. فمن دون استعادة الثقة استحداث عملة جديدة في دولة  تعاني من الانهيار

ومن تعدد أسعار الصرف بين الرسمي عند 1500 ليرة والسعر في السوق السوداء الذي يتحرك عند 8000 ليرة للدولار الواحد من الممكن ان يفضي الى إضافة أداة جديدة للتلاعب وسعر صرف جديد في الأسواق اللبنانية. 

تبقى الخطوة ناقصة ما لم تستكمل بمجموعة من الحلول والإجراءات ضمن حل جذري للنهوض الاقتصادي يترافق مع إصلاحات هيكلية ومساعدات دولية تعمل على إعادة الثقة في القطاع المصرفي

وضبط الأسواق وتحريك الاقتصاد اللبناني. 

 لقراءة مقالات أخرى لنفس الكاتب

هل يطلق كورونا عصر العملات المشفرة؟

لبنان في زمن التسويات الكبرى أوالحروب الكبرى

سلطنة عمان : أحلام كبيرة تصطدم بالواقع الصعب؟ 

لبنان : المصائب لا تأتي فرادى  

كورونا والكويت، كيف يبدو الوضع؟   

قرار الطرح العام أو الاستمرار كشركة خاصة.. هل هو اختيار بين جنة ونار؟ 

العراق الجريح: بلد الفرص الضائعة

لبنان إلى  أين ؟  

السودان: الصفقة والفرصة التي لا تفوت  

الكويت: الوضع الصعب

© Opinion 2020

المقال يعبر فقط عن عن أراء الكاتب الشخصية
إخلاء المسؤوليّة حول المحتوى المشترك ومحتوى الطرف الثالث:
يتم توفير المقالات لأغراض إعلامية حصراً؛ ولا يقدم المحتوى أي استشارات بخصوص جوانب قانونية أو استثمارية أو ضريبية أو أي نصائح أو أراء بشأن ملاءمة أو قيمة أو ربحية استراتيجية أستثمارية معيّنة.

المزيد من الآراء