سلطنة عمان : أحلام كبيرة تصطدم بالواقع الصعب؟

مقال رأي مقدم من محمد طربيه أستاذ محاضر ورئيس قسم العلوم المالية والاقتصادية في جامعة رفيق الحريري بلبنان

  

زاوية عربي 

نبذة سريعة

على مدار السنوات الماضية وكما أغلب دول الخليج المحيطة بها تعتمد عمان اقتصاديا على النفط والغاز. ولكن بإختلاف مهم وهو: عمان لم تكن محظية من ناحية الكمية المتوافرة من النفط كما جيرانها.  

فعمدت السلطنة مؤخرا الى صياغة رؤية 2040 والتي تعد المحاولة الأكبر لتحديث الاقتصاد العماني منذ عام 1970. هدفت الرؤية من خلال اجراء اصلاحات حكومية واقتصادية لإعادة هيكلة الاقتصاد بعيدا عن النفط والغاز نحو اقتصاد منافس يقوم على الابتكار والتنمية الشاملة والمستدامة. 

رؤية 2040: الأحلام الكبيرة 

تقوم رؤية 2040 في الشق الاقتصادي منها على أربعة ركائز أساسية: 

1- تهدف الركيزة الأولى إلى مواصلة سياسة بناء اقتصاد متنوع وديناميكي وتفاعلي وتنافسي عالمي يفي بالاحتياجات الحالية والمستقبلية للمواطنين، حيث يلعب القطاع الخاص فيه دور بارز. وتركز هذه الركيزة على تحقيق التنويع الاقتصادي بطريقة تضمن استمرار النمو الاقتصادي في المرحلة المقبلة، مع انخفاض الطلب على النفط باعتباره أكبر مصدر للطاقة في المستقبل. 

2- تهدف الركيزة الثانية إلى الاستمرار في الإستثمار في البنية التحتية كشبكة السكك الحديدية وتكنولوجيا المعلومات وشبكات الإتصالات، مما يمكن السلطنة من الحفاظ على قدرتها التنافسية كمركز لوجستي ومركز للاتصال بين الدول المجاورة. وتعتبر البنية التحتية عامل أساسي لتحقيق النمو الاقتصادي كونها دافع كبير وجاذب للاستثمارات الدولية والمحلية. 

3- اما الثالثة فتسعى هذه الركيزة إلى تطوير رؤية متكاملة لتحقيق تنمية متوازنة ومستدامة للمحافظات، وتخفيف الاختلافات الاقتصادية والاجتماعية بين المحافظات المختلفة، والاستفادة المثلى من الموارد الطبيعية لتحقيق تنمية إقليمية متوازنة تؤدي إلى تنمية مستدامة وشاملة. 

4- تستهدف الركيزة الرابعة ضمان حماية الموارد الطبيعية واستخدامها بطريقة آمنة وسليمة، وتوليد الفرص الاقتصادية منها.

الواقع الصعبارتفاع الدين  وصعوبات المالية  العامة 

يعتبر صندوق النقد الدولي ان السلطنة بحاجة الى سعر نفط 78 دولار للبرميل لتفادي أي عجز في الموازنة العامة. وفي عام 2019 بلغ العجز 7% من الناتج المحلي ومن المتوقع بالتالي ان يرتفع العجز في 2020 بعد الصدمة المزدوجة من كورونا والنفط. 

ويأتي ما يقرب من 60% من إجمالي الإيرادات المالية من النفط ، في حين ان 80% من إجمالي الإنفاق العام يذهب إلى الإنفاق الاستهلاكي، بما في ذلك الرواتب العامة، ودفع الفوائد والإعانات الحكومية. 

وكانت الحكومة قد أرجأت مرة أخرى إدخال ضريبة القيمة المضافة المخطط لها بنسبة 5 % حتى عام 2021. وبالرغم من أن هذا يمكن اعتباره امر إيجابي لمبيعات التجزئة، إلا أن عدم وجود زيادة كبيرة في الإيرادات غير النفطية قد يؤثر على المدفوعات التي تدفعها الحكومة لقطاعات أخرى وخاصة قطاع البناء.

علاوة على ذلك،  فإن أي تخفيضات في المشاريع الاستثمارية ستؤثر حتما بشكل سلبي على قطاع الأعمال. 

عام الأزمات: 2020 

من المتوقع أن ينكمش الاقتصاد بشكل حاد في العام الحالي بسبب جائحة فيروس كورونا وتراجع أسعار النفط. وساهمت تدابير الاحتواء لإبطاء انتشار الفيروس في الانخفاض الشهري في التوظيف في القطاع الخاص في كل من أبريل ومايو، ولا سيما بين العمال الأجانب.

وزاد التراجع الأخير في أسعار النفط في تفاقم الأمور وأجبر الحكومة على خفض ميزانيتها السنوية بنسبة 5% أخرى في مايو، بالإضافة إلى خفض 10% المعلن عنه في أبريل. 

وعلى الرغم من المساحة المحدودة للمناورة المالية، علقت الحكومة العديد من ضرائب الأعمال وأجلت سداد قروض الأعمال المدعومة من الحكومة لمساعدة الشركات المتعثرة. 

علاوة على ذلك، تم تخفيف تدابير الاحتواء تدريجيًا على مدار الأسابيع العديدة الماضية، والتي يجب أن تدعم عودة النشاط الاقتصادي.

ولكن مع تزايد مخاطر تمويل عجز الميزانية، فإن تدهور الرغبة في المخاطرة العالمية وعدم وجود أجندة إصلاح هيكلي واضحة قد يقلل من شهية المستثمرين، مما سيزيد من تكاليف الاقتراض الحكومية الثقيلة، الأمر الذي يؤدي إلى مزاحمة الحكومة للقطاع الخاص في الحصول على التمويل. ففي حين بلغت وتيرة نمو القروض للقطاع الخاص أقل من 2% على أساس سنوي حتى منتصف عام 2019 من المتوقع ان تنخفض حاليا بشكل كبير. 

ويبلغ الدين الخارجي لسلطنة عمان بالفعل مستوى عالي ويقدر أن يصل إلى ما يقرب من 110% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2020. 

واعتبارًا من عام 2018 ، بلغ الاستثمار الأجنبي المباشر إلى عمان 5% من الناتج المحلي الإجمالي. وتشير التقديرات إلى أن إجمالي الاحتياطيات لدى البنك المركزي يبلغ 16 مليار دولار أمريكي، ويغطي كمية من الواردات تكفي لحوالي خمسة شهور في العام 2020.

ماذا اتوقع للسلطنة هذا العام؟

 سيستمر وزن رصيد الدين الحكومي في الناتج المحلي الإجمالي في النمو.

وسيستمر ضعف أسعار النفط في إبقاء ميزان الحساب الجاري العماني تحت الضغط. حيث تمول عمان عجز حسابها الجاري بمزيج من الاستثمارات الأجنبية المباشرة والاحتياطيات والديون.

خلاصة : هل تنكسر الأحلام على صخرة 2020؟ 

يبدو ان حسابات 2020 الواقعية لم تتطابق مع أحلام العمانيين الكبيرة، فجائحة كورونا والصدمة النفطية قد التقيا معا والقيا ثقل كبير وصعوبات عديدة في مواجهة الأحلام العمانية. فهل تنتصر الإرادة الصلبة وعزيمة التنمية والبناء أم ان الواقع المرير سيفرض نفسه؟

لقراءة مقالات سابقة لنفس الكاتب: 

لبنان : المصائب لا تأتي فرادى 

كورونا والكويت، كيف يبدو الوضع؟  

قرار الطرح العام أو الاستمرار كشركة خاصة.. هل هو اختيار بين جنة ونار؟

(تم التواصل مع الكاتب عبر موقع WriteCaliber) 

(للتواصل: Yasmine.saleh@refinitiv.com) 

© Opinion 2020

المقال يعبر فقط عن عن أراء الكاتب الشخصية
إخلاء المسؤوليّة حول المحتوى المشترك ومحتوى الطرف الثالث:
يتم توفير المقالات لأغراض إعلامية حصراً؛ ولا يقدم المحتوى أي استشارات بخصوص جوانب قانونية أو استثمارية أو ضريبية أو أي نصائح أو أراء بشأن ملاءمة أو قيمة أو ربحية استراتيجية أستثمارية معيّنة.