لبنان في زمن التسويات الكبرى أوالحروب الكبرى

مقال رأي مقدم من محمد طربيه أستاذ محاضر ورئيس قسم العلوم المالية والاقتصادية في جامعة رفيق الحريري بلبنان

  
صورة لبيروت بعد انفجار المرفأ

صورة لبيروت بعد انفجار المرفأ

REUTERS/Mohamed Azakir

مقدمة سريعة   

وكأنه لم يكن ينقص بيروت الا انفجار المرفأ حتى تكتمل العاصفة. 

فالعاصمة التي واجهت في السنوات الأخيرة أزمات سياسية، مالية، اقتصادية، بيئية، نقدية وصحية تكاد تنقطع عن العالم بلا مرفأ. 

كان المرفأ هو المتنفس الوحيد للعاصمة، فجنوبا تكمن إسرائيل بينما تقع سوريا على الحدود الشمالية والشرقية.

أتى الانفجار ليضيق الخناق غربا وكأنه يوجه ضربة الموت الأخيرة للعاصمة الصامدة. ولكن كما يكون الليل أكثر سوادا قبل لحظة الفجر الأولى، كذلك الانفجار الذي اعاد لبنان الى خارطة الاهتمام العالمية وفتح ثغرة في حائط العقوبات ووضع لبنان على مفترق طرق ببن التسويات أو الحروب أو كلاهما.   

قد تكون نيترات الامونيوم هي السبب الفيزيائي للانفجار ولكن ما انفجر حقا في بيروت كان حجم الفساد وسوء الإدارة المتفشي منذ عقود في مؤسسات الدولة والتي هوت بلبنان الى الركود التضخمي والفقر والمجاعة والعوز. يمكن للعرب والغرب المساعدة ولكن الاصلاحات الداخلية يجب ان تسبق. قالها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال زيارته الأولى لبيروت، كما قال صندوق النقد سابقا ساعدوا انفسكم حتى نتمكن من مساعدتكم.   

إلى اين نذهب من هنا؟  

السيناريوهات تختلف   

السيناريو الكارثي هو ما تنطوي أحداثه حاليا. 

تستمر السلطة القائمة في معالجة الأزمة بقصر نظر عن طريق تشكيل حكومة محاصصة بأفكار متضاربة تغيب عنها الاصلاحات الحقيقية، ولا تلقى دعم دولي وتؤدي الى المزيد من الانهيار والفشل وخاصة على المستوى المالي والاقتصادي. 

خلفية سريعة على الوضع الاقتصادي في لبنان: 

يعاني النظام المالي اللبناني حاليا من خسائر تقدر بحوالي 83 مليار دولار وتوقفت المفاوضات مع صندوق النقد نتيجة غياب التوافق بين الطبقة السياسية والمصارف حول توزيع الخسائر وغياب الاصلاحات المطلوبة. وفي ظل شح الدولار والركود الاقتصادي الذي زاد سوءا بفعل كورونا وارتفاع نسبة الفقر الى ما بين 55%-60% واندثار الطبقة الوسطى، وساهم الطبع المسرف لليرة الى انهيار سعر الصرف وتفاقم التضخم الى حوالي 350%، واتى الانفجار ليزيد كلفة الاعمار مبدئيا بحوالي 15 مليار دولار. 

وعندما يبدأ العجز المتوقع في دعم المواد الأساسية من قمح وطحين ودواء في الحدوث وهو متوقع قريبا، تبدأ حينها المرحلة الأصعب من الانهيار حيث تتفاقم الأمور الى المزيد من الانهيار في سعر الصرف وانفلات الأسعار وافلاس العديد من المؤسسات والشركات الصغيرة والمتوسطة الغير قادره على الصمود ثم تنتشر أزمات الشح في أسواق المحروقات والخبز والدواء وتستفحل حالات الاحتكار والاستغلال نتيجة جشع وطمع التجار. 

وتشير التقديرات الأولية الى ارتفاع ثمن الخبز من 2,000 ليرة الى 5,000 والبنزين إلى ما يقارب 75,000 ليرة من حوالي 25,000 حاليا.   

كل ذلك يعنى مجاعة وانهيار. 

الأمل في الكفة الأخرى يكمن في التحرك الفرنسي، الذي يفاوض الجميع على ورقة اصلاحية مع توافق سياسي قابل للتنفيذ. ومع الزيارة الثانية للرئيس الفرنسي اليوم يتجدد هذا الأمل.  

يمكن للمبادرة إذا ما كتب لها النجاح ان تلعب دور دولي للإنقاذ يشبه الى حد كبير الدور الذي لعبه الاتحاد الأوروبي مع اليونان، حين قدم الاتحاد مع صندوق النقد 240 مليار يورو لليونان مقابل اجراءات واصلاحات تقشفية. 

شكلت القروض حزمة انقاذ مكنت اليونان من ان تدفع الفوائد المترتبة على ديونها واعادة رسملة البنوك لإبقاء القطاع المصرفي على قيد الحياة. 

كذلك في لبنان يمكن لحكومة انقاذ بدعم عربي وغربي ان تبدأ اصلاحات جدية خاصة في القطاع العام والكهرباء ان تعيد إطلاق المفاوضات مع صندوق النقد والافراج عن أموال مؤتمر سيدر ما قد يساهم بردم الهوة المالية في النظام المالي واعادة رسملة البنوك وإنعاش الاحتياطي الاجنبي لمصرف لبنان بحيث يتمكن من استيراد المواد الاساسية للسوق حتى ولو لم تكن مدعومة. 

كذلك يمكن لأموال مؤتمر سيدر ان تبدأ مشاريع بنية تحتية أساسية لإعادة تفعيل الاقتصاد وتخفيف وطأة الفقر والبطالة. 

وترتكز الورقة الإصلاحية الفرنسية على عنوانين عدة أبرزها:   

  • تدقيق جنائي كامل بمصرف لبنان   
  • إقرار مجلس النواب مشروع قانون الكابتل كونترول (ضبط حرية حركة الأموال)  
  • اصلاح قطاع الكهرباء المسؤول عن حوالي ثلث الدين العام   
  • تعيين هيئة مكافحة الفساد وتقديم ما يلزم لها للقيام بعملها   
  • وضع تفاصيل بجلسات العمل بين صندوق النقد والحكومة والإسراع في بدء المناقشات   

الخلاصة   

لا حل للأزمة في لبنان الا بمساعدة خارجية في حين ان كل الخارج يشترط الاصلاحات أولا. المبادرة اليوم في يد اللبنانيين، حيث لا بديل عن الإصلاح. 

لم يعد هناك خيارات جيده للبنان. باتت كل الحلول مفاضلة بين مجموعة خيارات سيئة ويبقى الأمل في انقاذ الوطن بان نختار الأقل سوءًا ووطأة على اللبنانيين في زمن يتراوح لبنان بين التسوية الانقاذية او الحرب الاهلية والانفجار الاجتماعي لوحدهما أو معا. 

لقراءة مقالات سابقة للكاتب 

سلطنة عمان : أحلام كبيرة تصطدم بالواقع الصعب؟ 

لبنان : المصائب لا تأتي فرادى  

كورونا والكويت، كيف يبدو الوضع؟   

قرار الطرح العام أو الاستمرار كشركة خاصة.. هل هو اختيار بين جنة ونار؟ 

(تم التواصل مع الكاتب عبر موقع WriteCaliber)  

(للتواصل: Yasmine.saleh@refinitiv.com) 

© Opinion 2020

المقال يعبر فقط عن عن أراء الكاتب الشخصية
إخلاء المسؤوليّة حول المحتوى المشترك ومحتوى الطرف الثالث:
يتم توفير المقالات لأغراض إعلامية حصراً؛ ولا يقدم المحتوى أي استشارات بخصوص جوانب قانونية أو استثمارية أو ضريبية أو أي نصائح أو أراء بشأن ملاءمة أو قيمة أو ربحية استراتيجية أستثمارية معيّنة.

المزيد من الشام