الاقتصاد المصري: بين نظرة الرضا....والحذر 

مقال رأي مقدم من إسراء أحمد، المحللة الاقتصادية بزاوية عربي

  
صورة لرجل يرتدي قناع واقي من كورونا يخرج من مسجد الإمام الشافعي بالقاهرة، 20 نوفمبر 2020، رويترز

صورة لرجل يرتدي قناع واقي من كورونا يخرج من مسجد الإمام الشافعي بالقاهرة، 20 نوفمبر 2020، رويترز

REUTERS/Amr Abdallah Dalsh

في 19 نوفمبر، أصدر صندوق النقد الدولي بيان صحفي مختصرعن رؤيته لأداء الاقتصاد المصري في ظل التحديات الأخيرة، وذلك في إطار متابعات اتفاق الاستعداد الائتماني Stand-by Agreement ذي الـ 5 مليار دولار، والذي حصلت عليه مصر في يونيو من العام الجاري. وعادة تسبق تلك البيانات المختصرة تقرير مفصل عن أداء الاقتصاد في جوانبه المختلفة. وبرغم أن التقرير المفصل لم يصدر بعد، إلا أن البيان الصحفي به من النقاط ما يكفينا لتحليل بعض الجوانب المختلفة التي تدعو للتفاؤل، أو دعونا نقول للرضا على الأقل، في مقابل بعض النقاط التي نراها لا تزال تشكل تحدي مزمن، وخاصة في ظل الظروف الحالية. 

صندوق النقد ليس الوحيد الذي يرى أن الاقتصاد المصري يبلي بلاء حسنا في ظل أزمة كورونا، إنما مؤسسات أخرى مثل مؤسسات التصنيف الائتماني موديز، وفيتش، وستاندرد آند بورز، جميعها أبقت على تصنيف مصر الائتماني بنظرة مستقبلية مستقرة في توقيت صعب بالنسبة لاقتصادات العالم. 

ما هي أهم النقاط التي تراها المؤسسات تدعو للرضا..؟ 

  • بشكل عام، ساهم برنامج الإصلاح الاقتصادي – والذي نفضل تسميته برنامج الضبط المالي – الذي أطلقته مصر في نوفمبر 2016 في تحسين مؤشرات الاقتصاد فيما يخص معدلات النمو، الاحتياطي النقدي الأجنبي، عجز الموازنة وعجز الحساب الجاري بميزان المدفوعات. ذلك التحسن العام في توازنات الاقتصاد بالذات على جانب المالية العامة وتعافي مستويات التضخم خلال فترة ما قبل الجائحة أعطى الاقتصاد المصري مساحة لتحمل تبعات الجائحة بشيء من التماسك. 
  • ساعدت حزمة الإجراءات التي اتخذتها المؤسسات الحكومية (ومنها البنك المركزي) على مواجهة الأزمة بضرر أقل نسبيا، تلك الإجراءات التي قال صندوق النقد أنها (سريعة ومتوازنة). وقد شملت باختصار 100 مليار جنيه كمخصص لمواجهة أثار الأزمة، خفض في أسعار الفائدة بإجمالي 4% (3% في مارس، ثم 0.5% في سبتمبر ثم 0.5% في نوفمبر الحالي) وذلك لتشجيع الاستهلاك والاستثمار، تأجيل كافة الاستحقاقات الائتمانية للمؤسسات والأفراد، منحة للعمالة غير المنتظمة، تيسير استخدام وسائل الدفع الإلكتروني لتجنب الازدحام في البنوك، دعم قطاع السياحة بالإحلال والتجديد وتأجيل المستحقات، وغيرها من الإجراءات. 
  • سجلت مصر معدل نمو اقتصادي حوالي 3.6% في العام المالي 20/2019 (يوليو 2019 – يونيو 2020) وهو العام الذي شهد الربع الرابع منه تصاعد أثر الأزمة اقتصادياً. ومع ذلك، تعتبر مصر واحدة من 15% فقط من دول العالم التي سجلت نمو إيجابي في تلك الأوقات العصيبة. 
  • مؤخراً، ووفقاً لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، عاد معدل البطالة لمستويات الـ 7% مرة أخرى خلال فترة (يوليو – سبتمبر 2020)، بعد أن شهد ارتفاعا لـ 9.6% في الربع (أبريل – يونيو) من نفس العام، حيث استعادت معظم القطاعات المتضررة ما فقدته من عمالة وعدد مشتغلين. 

هل عبرنا الأزمة إذن...؟  

لا، ليس بعد، فهناك ما يدعو للحذر الشديد. 

  • المشكلة الأولى أن الأمر لا يقتصر فقط على المؤشرات والإحصاءات الرسمية. فالاقتصاد غير الرسمي في مصر كبير، وحجم العمالة غير الرسمية ضخم، فبين المقاهي والورش ومحلات البقالة وخدمات المساعدة المنزلية وغيرها هناك ناس متضررين وبالطبع سيؤثر ذلك على القوة الاستهلاكية في الاقتصاد. 
  • لا زالت بعض القطاعات الرئيسية في مصر في مرمى نيران كورونا، منها قطاع السياحة شديد الأهمية للاقتصاد المصري، من ناحيتي التشغيل وتدفقات العملة الأجنبية. 
  • هل ستحتفظ تحويلات المصريين بالخارج بالزخم المطلوب؟ فرغم ارتفاعها خلال العام المالي الأخير 20/2019 لتسجل 27.8 مليار دولار، إلا أن صعوبة الوضع الاقتصادي خارجيا وتحديدا في دول الخليج، التي تمثل المصدر الرئيسي لتحويلات العاملين المصريين بالخارج، قد يشكل ضغط على التحويلات في المستقبل القريب. 
  • يشكل كورونا تهديد من ناحية أخرى أيضا، وهي الصادرات ومدى قوة الطلب الخارجي. فمع أهمية السوق الأوربية للصادرات المصرية، يشكل التراجع الاقتصادي الذي تشهده القارة العجوز حالياً تهديد للطلب الخارجي على السلع المصرية. 
  • قد يجد الاقتصاد المصري تمويل خارجي بسهولة، وبشروط ميسرة، إلا أنها تظل استدانة، فمع الضغط على التدفقات المختلفة لميزان المدفوعات قد تلجأ السلطات لمزيد من القروض لضمان استمرار عجلة الاقتصاد وتفادي أية أزمة في النقد الأجنبي، وليس صندوق النقد هو الجهة الوحيدة بالطبع. فقد تؤدي الأزمة لارتفاع عبء الديون الخارجية على الاقتصاد المصري. وهنا نستحضر مقولة أحد الاقتصاديين الكبار: "الجميع سيعبر الأزمة لكن بديون أكبر". 

واختصاراً، نقول أن الاقتصاد المصري نجح في عبور الفترة السابقة من هذا العام العاصف بقدر معقول من الخسائر، إلا أننا كذلك نؤكد أن الحرب لم تنته بعد، وأن الخطر ما زال يطل برأسه من تابوته في إصرار ملوح بسلاح الموجة الثانية والثالثة، التي ولا شك لازالت تشكل تهديد للدول النامية والمتقدمة على مختلف المستويات. 

لقراة مقالات سابقة لإسراء:

أداء متباين للقطاع الخاص في السعودية والإمارات، المخاوف واحدة.. 

كورونا والاستثمارات الأجنبية

(إعداد: إسراء أحمد، وعملت إسراء سابقا كاقتصادي أول بشركة شعاع لتداول الأوراق المالية - مصر، وكذلك شركة مباشر لتداول الأوراق المالية، بالإضافة لعملها كباحث اقتصادي في عدة وزارات مصرية)

(للتواصل: yasmine.saleh@refinitiv.com)

تغطي زاوية عربي أخبار وتحليلات اقتصادية عن الشرق الأوسط والخليج العربي وتستخدم لغة عربية بسيطة.

© Opinion 2020

المقال يعبر فقط عن عن أراء الكاتب الشخصية
إخلاء المسؤوليّة حول المحتوى المشترك ومحتوى الطرف الثالث:
يتم توفير المقالات لأغراض إعلامية حصراً؛ ولا يقدم المحتوى أي استشارات بخصوص جوانب قانونية أو استثمارية أو ضريبية أو أي نصائح أو أراء بشأن ملاءمة أو قيمة أو ربحية استراتيجية أستثمارية معيّنة.

المزيد من الآراء