PHOTO
الوضع العالمي
في العام الماضي، واصلت أسواق رأس المال العالمية مسارها الصاعد للعام الثالث على التوالي، متحديةً العديد من الرياح المعاكسة على المستويين الاقتصادي الكلي والجيوسياسي.
وقد تميز العام بمزيج نادر جمع بين التيسير النقدي والتطورات التجارية وعودة غير مسبوقة لموجة صعود السلع الأساسية، وكل ذلك في ظل حالة من الفورة التكنولوجية تقودها تقنيات الذكاء الاصطناعي.
على الرغم من فترات التقلب المتقطعة التي أثارتها إجراءات الرسوم الجمركية الأمريكية واستمرار النزاعات العالمية، حافظ المستثمرون على ثقتهم بقدرة الاقتصاد العالمي على الصمود، بدعم من أرباح قوية، تراجع في أسعار الفائدة وتسارع التحول الرقمي.
الأسهم العالمية
حققت أسواق الأسهم العالمية عام جديد من العوائد القوية، إذ قفز مؤشر MSCI العالمي لجميع الدول بنسبة 20.6%، مسجلاً أفضل أداء سنوي له منذ ست سنوات.
وقد جاءت هذه الموجة مدفوعة بزخم مستمر في الأسواق الأمريكية، الأوروبية والآسيوية، حيث ارتفعت الأسهم المرتبطة بالذكاء الاصطناعي بنسبة 35% وواصلت الهيمنة على تخصيصات المحافظ لدى المستثمرين المؤسسيين والأفراد على حد سواء.
وفي الوقت نفسه، تفوقت الأسواق الناشئة على نظيراتها المتقدمة، إذ ارتفع مؤشر MSCI للأسواق الناشئة بنسبة 30.6%، مدعوم بمكاسب كبيرة في كوريا الجنوبية (+75.6%) والبرازيل (+30%)، إلى جانب تعاف قوي في الصين (+18.4%) والهند (+9.1%).
وعلى مدار العام، قيمت الأسواق أثر إجراءات الرسوم الجمركية الأمريكية التي أُدخلت في أبريل 2025، والتي أدت في البداية إلى تصحيح منتصف العام عبر المؤشرات العالمية. غير أن التعديل اللاحق لهذه الرسوم وتوقيع اتفاقيات تجارية ثنائية جديدة ساهما في استعادة معنويات المستثمرين وإحياء تدفقات التجارة العالمية.
والأهم من هذا أن الأثر التضخمي لهذه الرسوم جاء أقل حدةً مما كان متوقع، إذ عمدت دول كثيرة إلى شحن البضائع مبكرا لتفادي ارتفاع التكاليف، كما ساعدت سلاسل الإمداد الأكثر سلاسة على إبقاء الأسعار تحت السيطرة.
وبالتوازي، لعبت السياسة النقدية دور محوري مرة أخرى في تشكيل المشهد الاستثماري العالمي.
فقد خفض مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي أسعار الفائدة ثلاث مرات خلال العام، ليهبط نطاق سعر الفائدة إلى 3.5%–3.75%، مشيرا إلى بوادر تراجع في متانة سوق العمل ورغبته في دعم النمو وسط حالة عدم اليقين الخارجي.
كما عزز التيسير المتزامن بين البنوك المركزية الكبرى شهية المخاطر والسيولة، ممهدا الطريق لاستمرار تدفقات الاستثمار نحو الأسهم وخطط توسّع الشركات.
السلع
شهدت أسواق السلع طفرة لافتة، ولاسيما في المعادن النفيسة، مع بحث المستثمرين عن ملاذات آمنة في ظل استمرار التوترات الجيوسياسية.
وقد سجل كلا من الذهب والفضة أفضل أداء لهما منذ العام 1979، بارتفاعات قاربت نسبها 65% و160% على التوالي في العام 2025، بدفع من التحوط من التضخم وعمليات شراء البنوك المركزية، في حين تحركت أسعار النفط في الاتجاه المعاكس، مسجلة تراجع سنوي بنسبة 15% خلال العام.
ويعد هذا التحرك لأسعار النفط هو الأشد منذ 2020، لتُنهي العام قرب 61 دولار للبرميل. وقد أبرز التباين بين أداء الطاقة والمعادن تحول في تفضيلات المستثمرين نحو أصول توفر الاستقرار إلى جانب التنويع الاستراتيجي.
خلاصة الأداء العالمي
تمكنت الأسواق من إغلاق العام قرب مستويات قياسية رغم حالة التذبذب حول أسهم قطاع التكنولوجيا، مؤكدةً مرة أخرى قدرة تدفقات رأس المال العالمية على التكيف والصمود.
دخل المستثمرون عام 2026 بتفاؤل حذر، مع التركيز على مدى استدامة التوسع المدفوع بالذكاء الاصطناعي، تطور بؤر التوتر الجيوسياسية، ومسار التضخم في ظل نظام تجاري عالمي آخذ في التحول.
الأسواق العربية
مقدمة
على الصعيد الإقليمي، تخلفت الأسواق العربية مرة أخرى عن موجة الصعود العالمية، مقيدةً بتراجع أسعار النفط وارتفاع حدة عدم الاستقرار الإقليمي.
وارتفع مؤشر MSCI لدول مجلس التعاون الخليجي بنسبة متواضعة بلغت 1.6% خلال 2025، وهو من بين أضعف الأداءات السنوية عالمياً.
وأظهرت عدة بورصات قدر من الصمود؛ إذ حققت بورصة مسقط مكاسب قوية بلغت نسبتها 28.2%، تلتها بورصة الكويت (+21.0%) وسوق دبي المالي (+17.2%)، بدعم من أرباح جيدة للشركات.
وفي المقابل، سجلت السوق السعودية تداول تراجع بنسبة 12.8%، ما يعكس حذر المستثمرين في ظل انخفاض الإيرادات النفطية والضغوط الجيوسياسية الإقليمية.
وعلى مستوى القطاعات، اتسم الأداء بدرجة عالية من الاستقطاب؛ إذ حققت قطاعات الاتصالات، المصارف والخدمات المالية المتنوعة نمو مزدوج الرقم، مدعومةً بالرقمنة واستقرار اتجاهات الائتمان، بينما سجلت قطاعات التأمين، المرافق والسلع الاستهلاكية المعمرة خسائر حادة، ولاسيما في الأسواق السعودية.
الأسواق الإقليمية - تفاصيل كل ربع
يناير – مارس: بداية قوية، ثم صدمة التحول إلى تجنب المخاطر
استُهل العام بنبرة بناءة في يناير، حيث استفادت الأسواق العربية على نطاق واسع من موجة الإقبال على المخاطر عالمياً في بداية العام، والتي رفعت الأسهم العالمية الكبرى وقدمت دعم للسندات.
وتعزز التفاؤل بتوقعات بأن الإدارة الأمريكية الجديدة لن تُصعد فورا إجراءات الرسوم الجمركية، في حين ارتفعت أسعار النفط بنحو 7% خلال الشهر، ما وفر دفعة داعمة لاقتصادات الدول المصدرة للنفط.
إقليميا، ساعد هذا المزيج في الحفاظ على مزاج إيجابي في مستهل العام، خصوصا في الأسواق التي ترتبط فيها القطاعات المتصلة بالطاقة وتوقعات الإنفاق الحكومي ارتباط وثيق بالإيرادات النفطية.
غير أن شهية المخاطر، حتى في شهر عالمي قوي، لم تخل من التجاذب: إذ أعادت المخاوف المتجددة حول قطاع التكنولوجيا الأمريكي، التي أثارها ظهور شركة الذكاء الاصطناعي الصينية DeepSeek وتراجع سهم Nvidia، تذكير المستثمرين بأن 2025 سيظل رهين حساسية العناوين وإعادة التسعير السريعة.
تلاشى ذلك التفاؤل المبكر بصورة حادة في فبراير، عندما دخلت الأسواق العربية مرحلة أكثر تقلب مع تحول المزاج العالمي إلى موقف دفاعي.
وأصبح المحرك المهيمن هو تهديدات الرسوم الجمركية وتنامي مخاوف مواجهة تجارية واسعة، وهو ما انعكس سريعاً على التموضع الإقليمي عبر قناتين رئيسيتين:
- أدت زيادة النفور من المخاطر إلى تراجع الشهية للتعرض للأسواق الناشئة، وهو ما يؤثر عادةً في التدفقات الأجنبية إلى الأسواق العربية.
- غذت مخاوف الحرب التجارية توقعات الطلب على الطاقة، ما أسهم في تراجع أسعار النفط بنسبة 4% خلال الشهر، وبالتالي إضعاف آفاق الأرباح والوضع المالي في الاقتصادات المعتمدة على النفط.
والنتيجة =
ضغوط هبوطية على الأسهم العربية، ارتفاعات في التقلبات، وتحول واضح نحو الأصول الأكثر أماناً.
واستمر اتجاه تجنب المخاطر في مارس، مع تحول حالة عدم اليقين إلى واقع أكثر ملموسية مع اشتداد في التقلبات، عالميا وإقليميا.
ومع اتساع نطاق الرسوم الجمركية الأمريكية وتزايد المخاوف بشأن تباطؤ النمو في الولايات المتحدة، ظلت المعنويات هشة. أما بالنسبة للأسواق العربية، فقد كانت آلية انتقال أثر العوامل الكلية مرة أخرى هي النفط: إذ تراجع الخام إلى متوسط يقارب 71 دولار للبرميل في مارس، مقابل 75 دولار للبرميل في فبراير، وبدأت السوق بتسعير هبوط أشد تحقق فعلا وصولا إلى أدنى المستويات في منتصف أبريل.
كما أُضيف قرار تحالف أوبك+ رفع الإنتاج بمقدار 138 ألف برميل يوميا اعتبارا من أبريل إلى مخاوف فائض المعروض.
وكان لذلك أهمية إقليمية لا تقتصر على تسعير قطاع الطاقة، لأن النفط يشير أيضا إلى الزخم المالي الأوسع وثقة المستثمرين في اقتصادات الخليج. ومع ذلك، شهد مارس أيضا موجات تكتيكية قصيرة من "الشراء عند الانخفاض"، خصوصاً في الأسهم التي تعرضت لضغوط كبيرة، ما أشار إلى أن السيولة المحلية وعمليات اقتناص الفرص الانتقائية ظلت حاضرة حتى في ظل الضغوط العامة.
(أبريل – يونيو): تقلبات الرسوم الجمركية ووهن النفط مقابل سياسة الترقب والانتظار
في أبريل، واجهت الأسواق واحدة من أكثر صدمات العام حسما: إذ أدت إعلانات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المفاجئة والواسعة بشأن الرسوم الجمركية إلى موجة بيع حادة عالمياً، تلاها استقرار جزئي بحلول نهاية الشهر.
وفي المنطقة العربية، تفاقمت الخسائر بفعل تراجع متجدد في أسعار النفط، بنحو 7% خلال أبريل، مدفوعا بمخاوف الطلب المرتبطة باضطراب التجارة وبزيادة إنتاج أوبك+ بوتيرة أسرع من المتوقع.
تجدر الإشارة إلى أنه بينما تمكنت عدة أسواق أسهم عالمية من الارتداد والتصحيح بشكل أكثر وضوحا في أواخر الشهر، تعافت الأسواق العربية عموما بوتيرة أبطأ، مع استمرار الضغط على المعنويات بسبب تعرض المنطقة لتوقعات أسعار النفط وارتفاع علاوة المخاطر الجيوسياسية.
وقد تراجعت حدة الخسائر في النصف الثاني من أبريل، إلا أن الشهر عزز نمط تكرر في 2025: إذ مالت الأسهم العربية إلى التخلف عن الارتدادات العالمية عندما كانت أسعار النفط تضعف وحالة عدم اليقين الكلي مرتفعة.
في مايو، تحول المشهد من صدمة الرسوم الجمركية إلى توتر السياسات وعدم اليقين المالي.
إذ أبقى مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي أسعار الفائدة دون تغيير في مطلع مايو، مؤكدا نهج حذر قائم على البيانات وسط إشارات متعارضة: الرسوم الجمركية من جهة، ومتانة المؤشرات الاقتصادية من جهة أخرى.
كما أضاف الضغط العلني المحيط بالسياسة النقدية الأمريكية، بما في ذلك التفاعل البارز بين ترامب وباول، مزيد من التقلبات المرتبطة بالعناوين على المستوى العالمي.
وفي المنطقة العربية، ظل هذا المناخ صعب، مع أداء دون المتوسط للسوق السعودية بينما قيم المستثمرون عدة مصادر خارجية لعدم اليقين: تداعيات المسار المالي الأمريكي، أثر خفض التصنيف من وكالة موديز، ومرة أخرى ليونة أسعار النفط، حيث تراجع الخام بنحو 4% في مايو.
وفي أسواق الخليج المرتبطة بالدولار الأمريكي، لا تؤثر مناقشة الفائدة المرتفعة لفترة أطول مقابل خفض وشيك على التقييمات فحسب، بل أيضا على ظروف السيولة وشهية المخاطر وجاذبية الأسهم مقارنة بأدوات الدخل الثابت. لذلك بقي مايو شهرا اتسمت فيه المعنويات بالحذر والانتقائية أكثر من كونه شهر داعم على نطاق واسع.
في يونيو، واجهت الأسواق الإقليمية صدمة جيوسياسية مباشرة: إذ أثار تصاعد النزاع بين إيران وإسرائيل على مدى 12 يوم مخاوف فورية من اتساع نطاق عدم الاستقرار.
وجاءت ردة الفعل الأولية دفاعية بشكل متوقع، لاسيما في القطاعات الحساسة للثقة وظروف الائتمان، مثل القطاع المصرفي والعقاري، حيث يمكن لعلاوات المخاطر أن تتسع سريعا مع عناوين الصراع.
ومع ذلك، أظهرت المنطقة قدرة على الصمود، وبرز عامل استقرار أساسي: إذ قفزت أسعار النفط بأكثر من 8% في يونيو، مدفوعةً بمخاوف تعطل الإمدادات. وقد شكّل هذا الارتفاع في النفط قوة موازِنة، إذ دعم الأسهم المرتبطة بالطاقة وحسن المعنويات عبر أسواق الدول المصدرة للنفط.
في المقابل، كانت الأسواق غير الخليجية، ولاسيما في مصر والأردن ولبنان، أكثر تعرض لمخاطر القرب الجغرافي وحساسية تدفقات رؤوس الأموال، ما انعكس في تقلبات أكبر وضغوط أعلى.
ومع ذلك، كان لافت أن معظم الأسواق العربية تجنبت موجات بيع.
وقد ساعدت اتصالات الحكومات والبنوك المركزية، ولعب المستثمرون المحليون دور واضح في الحفاظ على السيولة مع ازدياد حذر المشاركة الأجنبية. وبحلول نهاية الشهر، أنهت المنطقة إلى حد كبير على مكاسب، بما يوضح أن الأوضاع الجيوسياسية قد تصدم المعنويات، لكن هوامش الأمان لدى الدول المصدرة للنفط ومصداقية السياسات يمكن أن تظل عامل ارتكاز للأسواق.
تفاصيل الأداء في النصف الثاني + أرقام وتحليل أحجام وقيم التداول في تقارير لاحقة تنشر الأسبوع القادم
(إعداد: فادي قانصو، الأمين العام المساعد ومدير الأبحاث في اتحاد أسواق المال العربية، خبير اقتصادي وأستاذ جامعي، تحرير: ياسمين صالح، مراجعة قبل النشر: شيماء حفظي)
#تحليلسريع
للاشتراك في تقريرنا الأسبوعي الذي يتضمن تطورات الأخبار الاقتصادية والسياسية، سجل هنا








