PHOTO
استعرضنا في جزء سابق من التقرير أداء المعدن خلال الربع الأول من العام ونحلل هنا الديناميكيات والمراكز التي أدت إلى هذا الأداء. للاطلاع اضغط هنا.
الشراء
ما زالت البنوك المركزية تمثل الدعامة لعمليات الشراء الأكثر صلابة في السوق.
بيانات مجلس الذهب العالمي تظهر أن مشتريات البنوك المركزية ظلت قوية في 2025 عند863 طن، وهي أقل من مستويات الألف طن المسجلة في الأعوام الثلاثة السابقة، لكنها لا تزال أعلى بكثير من المتوسط البالغ473 طن والذي تحقق في 2010–2021 وهي الفترة التي أعقبت الأزمة المالية وتميزت بأسعار فائدة متدنية.
كما أظهر مسح المجلس أن 95% من البنوك المركزية المُستطلعة تتوقع ارتفاع الاحتياطيات الرسمية العالمية من الذهب خلال الاثني عشر شهر التالية، وأن 43% منها تخطط لزيادة حيازاتها الخاصة، من دون أن يتوقع أي منها خفضها.
هذا يعكس أن الذهب بالنسبة للمؤسسات الرسمية ليس صفقة قصيرة الأجل، بل أداة سيادية لإدارة المخاطر وتنويع الاحتياطيات.
أما في 2026، فقد بدأت السنة بوتيرة شراء رسمية أكثر هدوءا؛ إذ أشار مجلس الذهب العالمي إلى أن صافي مشتريات البنوك المركزية في يناير بلغ 5 أطنان فقط، وهو أقل من متوسط الاثني عشر شهر السابقة البالغ 27 طن.
غير أن هذا التباطؤ لم يكن إشارة إلى انقلاب في الاتجاه، بل إلى حذر تكتيكي في ظل الأسعار القياسية + قد يشير إلى نقص في المعروض.
وجاءت بيانات الصين لتؤكد استمرار القصة الكبرى: بنك الشعب الصيني واصل شراء الذهب للشهر السابع عشر على التوالي حتى نهاية مارس، لترتفع حيازاته إلى74.38 مليون أونصة من74.22 مليون في الشهر السابق.
إلى جانب الصين، كانت هناك أيضا مؤشرات مسبقة في بداية العام على استمرار اهتمام دول أخرى والذي قد يعود بعد انتهاء الحرب بشكل كامل.
فقد نقلت رويترز في يناير أن البنك المركزي البولندي، الذي أنهى 2025 بحيازة 550 طن، يستهدف رفع احتياطياته إلى700 طن، في استمرار واضح لتوجه بعض البنوك المركزية، خصوصا في الأسواق الناشئة، نحو ما يمكن وصفه بإعادة تموضع استراتيجي في الاحتياطيات.
البيع
جاء من جهتين رئيسيتين:
الجهة الأولى هي المستثمرون الغربيون عبر الصناديق المتداولة المدعومة بالذهب، والجهة الثانية هي بعض الجهات الرسمية التي استخدمت الذهب لغايات السيولة والدفاع عن العملة.
مجلس الذهب العالمي أفاد بأن الصناديق المدعومة بالذهب سجلت في مارس تدفقات خارجة قياسية بقيمة 12 مليار دولار. وهذا أدى إلى خفض صافي تدفقات الربع الأول إلى النصف تقريبا، لتبقى عند12 مليار دولار فقط بعد أن كانت أعلى بكثير قبل موجة البيع.
والأهم أن التقرير أوضح أن أمريكا الشمالية قادت موجة البيع، في حين ساعدت التدفقات الآسيوية المستمرة على موازنة جزء من هذه الخسائر. هذه نقطة بالغة الأهمية: السوق لم تشهد بيع عالمي متناظر، بل انقسام جغرافي في السلوك؛ الغرب باع تحت ضغط إعادة تسعير الفائدة والسيولة، وآسيا واصلت الشراء بدافع استراتيجي وتحوطي.
أما الجهة الثانية في البيع، فهي الحالة التركية التي أصبحت إحدى أبرز قصص الذهب في مارس.
فقد ذكرت رويترز أن البنك المركزي التركي شهد أكبر تراجع أسبوعي في احتياطياته الذهبية منذ سبع سنوات، مع هبوط يقارب 50 طن إلى772 طن. وقد قدر مصرفيون أن نحو22 طن بيعت في أسبوع واحد، فيما دخلت31 طن في عمليات مبادلة (swaps) مرتبطة بالليرة والعملات الأجنبية.
والحديث عن عمليات المبادلة مهم هنا، لأن كثيرين يربطون الذهب فقط بالشراء أو البيع المباشر.
في الواقع، يمكن للجهات الرسمية استخدام الذهب أيضا عبر صفقات مبادلة أو تمويل قصير الأجل، بما يسمح بالحصول على سيولة أو دعم مراكز العملة من دون التخارج الكامل والدائم من الأصل.
لكن أثر هذه العمليات في السوق لا يختلف كثيرا عن أثر البيع من حيث الإشارات النفسية والضغط قصير الأجل على الأسعار، لأن المتعاملين يرون فيها تعبئةً للذهب واستخدامه كأداة سيولة لا كأصل ساكن في الخزائن. وهذا ما ظهر بوضوح في الحالة التركية خلال مارس، حين أصبح الذهب جزء من إدارة الأزمة النقدية، لا مجرد احتياطي بعيد عن التداول.
يبقى السؤال الأهم بالنسبة للمستثمر الفرد أو صاحب الثروة: ماذا يفعل من يملك الذهب الآن؟
الجواب المهني ليس اشترِ دائما ولا بِع فورا، بل يبدأ أولا بتحديد نوع الحيازة وهدفها.
من يحمل الذهب بوصفه تأمين استراتيجي ضد المخاطر الكبرى، أو كجزء من تنويع الثروة على المدى الطويل، لا ينبغي أن يتعامل مع هبوط شهر مارس بوصفه سبب كافي للخروج الكامل.
فالاتجاه البنيوي الذي يدعم الذهب لم يختفِ: البنوك المركزية ما زالت مهتمة، توقعات المؤسسات الكبرى ما زالت مرتفعة، والاضطراب الجيوسياسي والنقدي لم يُحسم. حتى بعد التصحيح، ما زال عدد من بيوت الأبحاث يرى أن الأسعار قد تعود للصعود؛ فـغولدمان ساكس أبقت هدف5,400 دولار بنهاية 2026، بينما رفع كومرتس بنك هدفه إلى5,000 دولار في نهاية العام.
أما من يملك الذهب بهدف المضاربة أو لحجز أرباح حققها منذ بداية السنة، فالصورة مختلفة.
هذا المستثمر يجب أن يسأل نفسه: هل ما أملكه الآن هو مركز استثماري طويل الأجل، أم ربح دفتري أحتاج إلى حمايته؟ إذا كان الذهب قد ارتفع لديه كثيرا، وكان يمثل وزن مبالغ فيه ضمن المحفظة، فقد يكون البيع الجزئي أو إعادة التوازن خيار أكثر حكمة من التمسك الكامل أو التخارج الكامل.
الأسواق التي تصعد بقوة ثم تتعرض لتصحيح عنيف غالبا ما تبقى متقلبة لفترة، لاسيما عندما يصبح مسارها رهنا بعوامل متعارضة: جهة تدعمها مشتريات رسمية، وجهة أخرى تضغط عليها توقعات الفائدة والسيولة.
هل الأفضل البيع الآن أم لاحقاً؟
لا توجد إجابة واحدة تصلح للجميع، لكن يمكن صياغة المسألة على النحو التالي.
فبحسب محللين، البيع الآن قد يكون منطقيا لمن يحتاج إلى سيولة، أو لمن يرى أن الذهب تجاوز الوزن المناسب في محفظته، أو لمن يخشى استمرار ارتفاع الفائدة الحقيقية.
أما تأجيل البيع فقد يكون أنسب لمن يعتقد أن موجة مارس كانت بالأساس تصفية مراكز وسيولة عابرة، لا بداية انهيار هيكلي، خصوصا في ظل استمرار الشراء الرسمي الصيني، بقاء التوقعات المؤسسية مرتفعة، وعدم انطفاء المخاطر الجيوسياسية.
بكلمات أوضح: من يبيع الآن يراهن على أن ضغط الفائدة والتسييل لم ينته بعد؛ ومن ينتظر يراهن على أن الطلب الرسمي والآسيوي سيستعيد زمام المبادرة. والاثنان رهانان مشروعان.
وفي هذا السياق، تبدو الاستراتيجية الأكثر اتزانا لكثير من المستثمرين هي التحرك المتدرج لا الحاسم.
من يريد التخفيف يمكنه البيع على دفعات، ومن يريد الاحتفاظ يمكنه تثبيت جزء من الأرباح أو التحوط جزئيا، بدلا من تبني موقف إما كل شيء أو لا شيء. ذلك أن الذهب، كما أثبت الربع الأول من 2026، قادر على الانتقال سريعا من قمم تاريخية إلى تصحيحات مؤلمة، ومن سردية الملاذ الآمن إلى سردية ضحية الفائدة المرتفعة.
لذا فإن إدارته تحتاج إلى انضباط في الوزن النسبي، لا إلى يقين مفرط باتجاه واحد.
خلاصة القول إن الذهب خرج من الربع الأول بصورة مزدوجة: قويا استراتيجيا، ومتقلبا تكتيكيا.
المشترون الحقيقيون لا يزالون موجودين، وفي مقدمتهم البنوك المركزية وبعض المستثمرين الآسيويين.
والبائعون أيضا كانوا واضحين، سواء عبر صناديق غربية سارعت إلى التخارج، أو عبر جهات رسمية احتاجت إلى الذهب كأداة سيولة ومبادلة. ومن يملك الذهب اليوم لا ينبغي أن يسأل فقط: إلى أين سيذهب السعر؟ بل أيضا: لماذا أملك الذهب أصلا؟ لأن الإجابة عن هذا السؤال هي التي تحدد ما إذا كان القرار الصحيح هو الاحتفاظ، أو البيع الجزئي، أو التخارج الكامل.
وفي بيئة عالمية لم تستعد توازنها بعد، يبقى الذهب أصل لا يُقرأ فقط من شاشة السعر، بل من طبيعة النظام المالي الذي يتحرك داخله.
(إعداد: فادي قانصو، الأمين العام المساعد ومدير الأبحاث في اتحاد أسواق المال العربية، خبير اقتصادي وأستاذ جامعي، تحرير: ياسمين صالح، مراجعة قبل النشر: شيماء حفظي)
#تحليلسريع
للاشتراك في تقريرنا الأسبوعي الذي يتضمن تطورات الأخبار الاقتصادية والسياسية، سجل هنا








