نستعرض في هذا التقرير أداء البورصات العربية مع تفصيل التأثيرات العالمية عليها خلال النصف الثاني من 2025.

لقراءة الجزء الأول الذي يتضمن أداء النصف الأول من العام اضغط هنا.

الأسواق الإقليمية - تفاصيل كل ربع

الربع الثالث: تصاعد جيوسياسي ثم تعافٍ صيفي

حققت الأسواق العربية أداء إيجابي خلال فصول الصيف وخصوصا يوليو تماشيا مع تحسن المعنويات العالمية ووضوح بيئة الإقبال على المخاطر.

وقد تلاقت عدة عوامل داعمة: إذ خفض التقدم في مفاوضات التجارة الدولية مستوى عدم اليقين؛ تراجعت حدة التوتر الجيوسياسي مقارنة بيونيو؛ كما ساعدت الديناميكيات القطاعية المحلية، ولاسيما في العقارات ونشاط السياحة والموضوعات الانتقائية المرتبطة بالبنية التحتية، على رفع الثقة في أجزاء من المنطقة.

كما كان لأرباح الشركات دور مهم، إذ دعمت النتائج القوية في المصارف والمرافق وبعض الصناعات الانتقائية المؤشرات الأوسع، حتى مع تعرض بعض أسهم الطاقة والبتروكيماويات لضغوط على الأرباح. وقد ساهم ثبات موقف الاحتياطي الفيدرالي، إلى جانب تلميحات بتيسير محتمل لاحقا، في تقليص مخاوف عودة التشديد. وهكذا، أغلق يوليو على أداء أقوى، مدعوم بتحسن التدفقات وارتفاع أحجام التداول.

ولكن واجه هذا الزخم انتكاسة في أغسطس، حين عادت المعنويات العالمية إلى الحذر مجددا وتركزت الأسواق على الإشارات الاقتصادية الكلية وتوجيهات البنوك المركزية، ولاسيما حول ندوة جاكسون هول.

وقد رفعت تلميحات رئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول المائلة للتيسير احتمالية خفض الفائدة في سبتمبر، إلا أن عدم اليقين بشأن النمو والتوظيف ظل مرتفع.

إقليميا، تراجعت الأسواق العربية، حيث انخفض مؤشر MSCI لدول مجلس التعاون الخليجي بنحو 2.3% متنازل عن المكاسب التي تحققت خلال الشهرين السابقين.

وكانت المحركات مألوفة: فقد تراجعت أسعار النفط بنحو 6% وسط مخاوف فائض المعروض وغموض الطلب، فيما أدت التوترات الجيوسياسية وضيق السيولة إلى تقليص شهية المخاطر. وفي عدة أسواق، أثرت تكاليف التمويل الأعلى والضبط المالي/النقدي الأكثر تشددا على النشاط، وهو ما ظهر في انخفاض أحجام التداول وفتور المعنويات.

في سبتمبر، تبدلت الظروف بصورة حاسمة. فقد نفذ مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي أول خفض بمقدار 25 نقطة أساس خلال العام، في إقرار بتباطؤ النمو وليونة سوق العمل. وبالنسبة للمنطقة العربية، وخصوصا دول مجلس التعاون الخليجي، كان ذلك محفز مهم.

حاكت عدة بنوك مركزية خليجية هذه الخطوة، ما خفف ضغط السيولة وحسّن معنويات الأسواق. وقد شاركت المنطقة على نطاق واسع في موجة الصعود، وسجلت دول مجلس التعاون الخليجي أقوى مكاسب شهرية لها منذ فترة طويلة، بقيادة ملحوظة للأداء السعودي.

وإلى جانب التيسير النقدي، ساعدت الإصلاحات وتخفيف القيود على مشاركة المستثمرين الأجانب في بعض الأسواق  في دعم التدفقات، رغم بقاء الأداء متفاوت بين الأسواق. وقد تميز سبتمبر بوصفه شهر ارتياحي، مدفوع بإعادة تسعير الفائدة، وتحسن شهية المخاطر العالمية، وتجدد جاذبية الأسهم مع انخفاض معدلات الخصم.

آخر ربع: تباين، قوة في أكتوبر، تصحيح في نوفمبر، واستقرار في ديسمبر

في أكتوبر، امتد الزخم الإيجابي للشهر الثاني على التوالي، مدعوم بالخفض الثاني للفيدرالي الأمريكي بمقدار 25 نقطة أساس وبالتيسير المتوازي عبر البنوك المركزية في دول مجلس التعاون الخليجي.

وتحسنت شهية المخاطر مع إحراز تقدم في مفاوضات الرسوم الجمركية وارتفاع الأسواق العالمية، بقيادة قطاع التكنولوجيا وقطاعات الاستهلاك. وبالنسبة للأسهم العربية، كانت البيئة داعمة: تحسنت أوضاع السيولة، وتعززت ثقة المستثمرين، ودفع ذلك عدة أسواق نحو مستويات قياسية بحلول نهاية الشهر. وبقيت أسعار النفط ضمن نطاقات محدودة، ما خفض مصدر رئيسي للتقلبات، فيما ساعد التيسير النقدي في تخفيف الضغوط المالية.

وقد عزز أكتوبر الرؤية القائلة إن الأسواق الإقليمية قادرة على تحقيق أداء قوي عندما تتحسن السيولة العالمية ويستقر النفط، حتى وإن ظلت المخاوف البنيوية طويلة الأجل قائمة.

لكن ذلك التفاؤل تعرض لاختبار في نوفمبر، حين تراجعت الأسواق العربية على نطاق واسع وشهدت أسواق الخليج أكبر هبوط لها منذ سنوات. وعكس التصحيح تزامن عدة ضغوط: تجدد ضعف أسعار النفط، وإعادة ضبط توقعات خفض الفائدة الأمريكية بعدما خففت تعليقات الفيدرالي احتمالية خفض في ديسمبر، إلى جانب تراجع اتجاهات ربحية القطاع المصرفي، وهو أمر مهم نظراً للوزن الكبير للأسهم المالية في مؤشرات دول مجلس التعاون الخليجي.

كما لعبت عمليات جني الأرباح دور بعد موجات الصعود في الأشهر السابقة. وكانت الأسواق العالمية حذرة أيضا، مع ارتفاع عوائد سندات الخزانة وبقاء مؤشرات التضخم مرتفعة نسبيا، ما دفع التدفقات نحو الأصول الأكثر أمانا.

وأخيرا، حمل ديسمبر تحسن في المعنويات مع تنفيذ الفيدرالي الأمريكي خفضه الثالث بمقدار 25 نقطة أساس، ليهبط نطاق سعر الفائدة إلى 3.50%–3.75% ويعزز توقعات تحول تدريجي في السياسة خلال 2026.

وعلى المستوى العالمي، ساعد تراجع العوائد وضعف الدولار الأمريكي في دعم تدفقات الأسواق الناشئة.

إقليميا، تحسن النشاط بعد ضغوط نوفمبر، واستفادت أسواق الخليج من تحسن أوضاع السيولة وتجدد الاهتمام الأجنبي، وإن كانت ليونة أسعار النفط قد حدت من بعض المكاسب. وعادة ما تتراجع السيولة في أواخر الشهر مع إقفال المؤسسات لدفاترها، لكن النبرة العامة كانت أكثر استقرار، ما أتاح للأسواق العربية دخول 2026 على أرضية أكثر صلابة مما أوحى به تقلب نوفمبر.

الخلاصة

بصورة عامة، أبرز 2025 واقع مزدوج لأسواق رأس المال العربية: فهي تبقى شديدة الاستجابة لدورات السياسات العالمية ودورات المخاطر، خصوصا عبر أسعار الفائدة المرتبطة بالدولار والنفط، لكنها في الوقت ذاته تُظهر تباين داخلي واضح تقوده الإصلاحات المحلية وتركيبة القطاعات وعمق السيولة المحلية.

ولم يكن مسار العام خطي؛ إذ انتقل بين تفاؤل مبكر، وصدمة تجنب مخاطر مدفوعة بالرسوم الجمركية، وتصاعد جيوسياسي عوضه ارتفاع النفط، وتعافٍ صيفي.

ثم تبع هذا تراجع في أواخر الصيف، فموجة صعود ارتياحية مع خفض الفائدة، وأخيرا تباين في الربع الرابع حيث حسن التيسير الأوضاع.

 لكن ضعف النفط وتبدل توقعات الفيدرالي أعادا إطلاق تصحيحات حادة. ويمكن القول إن أسواق المنطقة في 2025 كانت دراسة حالة في الصمود تحت الضغوط، لكنها أيضا تذكير بأن قدرة المنطقة على مجاراة موجات الصعود العالمية كثير ما تتوقف على اتجاه النفط وعلى اتساق مسار التيسير النقدي العالمي.

(إعداد: فادي قانصو، الأمين العام المساعد ومدير الأبحاث في اتحاد أسواق المال العربية، خبير اقتصادي وأستاذ جامعي، تحرير: ياسمين صالح، مراجعة قبل النشر: شيماء حفظي)

#تحليلسريع

للاشتراك في تقريرنا الأسبوعي الذي يتضمن تطورات الأخبار الاقتصادية والسياسية، سجل هنا