تحدثنا في تقرير سابق عن أداء بورصة الكويت خلال الربع الأول من العام وسنتطرق في هذا التقرير عن الأداء خلال الربع الثاني. التقرير هو الأخير في مجموعة تقارير  عن السوق الكويتي.

أبريل

كان نقطة التحول الأبرز في أداء بورصة الكويت خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام ولماذا ستأتي لاحقا.

قفز مؤشر السوق العام بنسبة 5.3%، لتصبح بورصة الكويت ثاني أفضل سوق خليجي أداءً خلال الشهر. وجاءت المكاسب مدفوعة بشكل أساسي بأسهم الشركات الصغيرة والمتوسطة، إضافةً إلى تحسن شهية المستثمرين مع توقعات قوية لنتائج الربع الأول، لاسيما في قطاع البنوك الكويتية.

هذا فيما سجل مؤشر السوق الرئيسي 50 ارتفاع كبير بنسبة 17.2%، وهو أعلى مستوى له منذ إنشائه، فيما ارتفع مؤشر السوق الرئيسي بنسبة 11.5%، مقابل ارتفاع أكثر اعتدالاً في مؤشر السوق الأول بنسبة 4.1%.

هذا التحول في أبريل يستحق قراءة أعمق.

فبعد ثلاثة أشهر من الحذر والتراجع النسبي، انتقلت السوق من مرحلة الدفاع إلى مرحلة إعادة بناء المراكز. لكن اللافت أن الزخم لم يقتصر على الأسهم القيادية، بل شمل شريحة أوسع من الأسهم المتوسطة والصغيرة.

وهذا عكس تحسن في شهية المخاطر، وقد يشير إلى بحث المستثمرين عن فرص تقييمية في شركات تأثرت سابقاً بضعف السيولة أو عمليات البيع، ثم عادت للاستفادة من تحسن المعنويات العامة.

كما أن النشاط التداولي في أبريل أكد قوة الارتداد. فقد ارتفعت أحجام التداول بنسبة 158.9% لتصل إلى 9 مليارات سهم، مقارنة بنحو 3.5 مليارات سهم في مارس، بينما ارتفعت قيمة التداول الإجمالية بنسبة 85.4% إلى نحو 7 مليارات دولار.

قطاعات أبريل

على المستوى القطاعي، تصدّر قطاع التكنولوجيا مكاسب أبريل بارتفاع استثنائي بلغ 150.9%، مدفوعاً بسهم الشركة الوحيدة المكونة للمؤشر، وهي شركة الأنظمة الآلية.

كما سجل القطاع العقاري ارتفاع بنسبة 12.7%، وقطاع السلع الاستهلاكية الأساسية بنسبة 12.2%، فيما حقق قطاع البنوك مكاسب بنسبة 3.1% بدعم من نتائج الربع الأول القوية.

ورغم أن الارتفاع الكبير في قطاع التكنولوجيا عكس أثر مركز لسهم واحد، إلا أن اتساع المكاسب في العقار والسلع الأساسية والخدمات المالية والطاقة والاتصالات أكد أن تعافي أبريل كان أوسع من مجرد حركة فنية في عدد محدود من الأسهم.

مايو

عكس شهر التهدئة  على المستوى الجيوسياسي مناخ التهدئة هذا على البورصة.

فبعد أن استفاد السوق الكويتي من عودة السيولة وتحسن شهية المخاطر في بداية الربع الثاني، بدت تحركات مايو أكثر انتقائية، مع ميل المستثمرين إلى تثبيت جزء من المكاسب وإعادة توزيع المراكز بين الأسهم القيادية والمتوسطة.

وقد أنهى مؤشر السوق العام الشهر عند مستوى 8,815.1 نقطة، ليبقى دون مستواه في نهاية 2025 ، وهو ما يشير إلى أن تعافي أبريل لم يكن كافي لإعادة السوق العام بالكامل إلى المنطقة الإيجابية منذ بداية العام.

زاوية السيولة

يكتسب مايو أهميته من زاوية السيولة أكثر من زاوية الأداء السعري وحده.

 فقد بلغت قيمة التداول في بورصة الكويت خلال الشهر نحو 6.05 مليارات دولار، وهو مستوى مرتفع مقارنة بمتوسطات الربع الأول، وإن كان أقل من الذروة المسجلة في أبريل.

كما بلغ حجم التداول نحو 8.2 مليارات سهم، مع أكثر من 452 ألف صفقة، ما يدل على استمرار المشاركة النشطة في السوق، رغم تراجع الزخم السعري. وبذلك، لم يكن مايو شهر انعكاس سلبي، بل شهر تثبيت للمكاسب واختبار لقدرة السوق على الحفاظ على مستويات السيولة بعد الارتفاع الحاد في أبريل.

كما أظهر أداء المؤشرات الفرعية في مايو استمرار التباين بين مكونات السوق.

ففي حين بقي السوق العام تحت ضغط نسبي، أظهر السوق الرئيسي قدرة أكبر على المحافظة على الزخم، إذ أنهى الشهر عند مستوى 8,666.0 نقطة، بما يعكس استمرار اهتمام المستثمرين بشريحة من الأسهم المتوسطة والصغيرة التي كانت قد قادت جزء من التعافي في أبريل.

وعزز هذا التباين فكرة أن السوق لم يعد يتحرك ككتلة واحدة، بل باتت السيولة تتجه بصورة أكثر انتقائية نحو الأسهم التي تجمع بين جاذبية التقييم، وتحسن النشاط، وإمكانية تحقيق عوائد أعلى بعد فترات من الضغط.

يونيو

تراجع مؤشر السوق العام بنسبة 1.2% خلال الشهر، ليغلق عند 8,706.3 نقطة، وبتراجع نسبته 2.3% منذ بداية العام.

وجاء هذا التراجع في سياق إقليمي ودولي لا يزال يتسم بالحذر، مع استمرار تأثير العوامل الجيوسياسية، وتقلبات أسعار النفط، وعدم وضوح مسار السياسة النقدية العالمية.

غير أن قراءة يونيو لا ينبغي أن تقتصر على تراجع المؤشر العام، إذ إن المؤشرات الداخلية للسوق عكست صورة أكثر توازناً، خصوصاً مع استمرار تحسن أداء السوق الرئيسي.

فقد ارتفع مؤشر السوق الرئيسي بنسبة 4.6%، ليصل إلى 9,061.4 نقطة، مسجلًا مكاسب بنحو 9.1% منذ بداية العام.

فرص تقييمية

عكس هذا الأداء استمرار انتقال جزء من السيولة إلى أسهم خارج نطاق القياديات الكبرى، بحثاً عن فرص تقييمية ونمو سعري بعد فترة من التراجع أو ضعف النشاط.

ومن هنا، يمكن القول إن يونيو لم يكن شهر ضعف شامل، بل شهر تباين واضح بين ضغط نسبي على المؤشر العام والسوق الأول من جهة، واستمرار الزخم في السوق الرئيسي من جهة أخرى. وهذا التباين مهم لأنه يوضح أن المستثمرين أصبحوا أكثر انتقائية في قراءة السوق، وأكثر استعداداً للتمييز بين الأسهم بحسب الأساسيات والسيولة والفرص السعرية.

وعلى صعيد النشاط، سجلت بورصة الكويت في يونيو قيمة تداول بلغت نحو 6.93 مليارات دولار، مرتفعة بنحو 14.6% مقارنة بمايو، فيما بلغ حجم التداول نحو 8.37 مليارات سهم، وعدد الصفقات نحو 529 ألف صفقة.

وتعد هذه الأرقام مهمة لأنها تظهر أن التراجع السعري في المؤشر العام لم يترافق مع انكماش في النشاط، بل جاء في ظل استمرار مستويات تداول مرتفعة. وهذا يعني أن السوق ظل نشط من حيث السيولة، لكن اتجاه هذه السيولة كان أكثر انتقائية، بين جني أرباح في بعض الأسهم القيادية وبناء مراكز في أسهم أخرى، خصوصاً ضمن السوق الرئيسي.

ومن زاوية القيمة السوقية، بلغت القيمة السوقية لبورصة الكويت في نهاية يونيو نحو 169.4 مليار دولار، مقابل نحو 172.1 مليار دولار بنهاية مايو، بانخفاض شهري يقارب 1.6%، وبما يعادل تراجع بنحو 1.9% منذ بداية العام.

وعلى الرغم من هذا الانخفاض، حافظت بورصة الكويت على موقعها كإحدى الأسواق الرئيسية في المنطقة، مستحوذةً على نحو 3.9% من إجمالي القيمة السوقية للأسواق العربية. ويؤكد ذلك أن التراجع في يونيو لم يغير من موقع السوق ضمن الخريطة الإقليمية، بل عكس بصورة أكبر ضغوطاً سعرية وانتقائية في المراكز بعد موجة تعافٍ قوية في بداية الربع الثاني.

 

خلاصة النصف الأول في ست نقاط

  • أداء بورصة الكويت خلال النصف الأول من العام اتخذ مسار من مرحلتين واضحتين. فقد كان الربع الأول دفاعياً بامتياز، اتسم بالحذر، وجني الأرباح، وتأثير التوترات الجيوسياسية، لينهي السوق العام الفترة على تراجع بنحو 5.5%.

 

  • حمل الربع الثاني صورة مختلفة، إذ بدأ بارتداد قوي في أبريل، ثم دخل في مايو مرحلة تثبيت للمكاسب، قبل أن يشهد يونيو تباين واضح بين المؤشرات، مع استمرار الضغط على السوق العام في مقابل قوة لافتة في السوق الرئيسي.

 

  • تظهر أرقام السيولة بوضوح الفرق بين الربعين. فقد بلغت قيمة التداول خلال الربع الأول نحو 9.25 مليارات دولار، موزعة بين 2.17 مليار دولار في يناير، 3.36 مليارات دولار في فبراير، و 3.72 مليارات دولار في مارس.

 

  •  أما في الربع الثاني، فقد ارتفعت قيمة التداول إلى نحو 19.9 مليار دولار، موزعة بين 6.89 مليارات دولار في أبريل، 6.05 مليارات دولار في مايو، و6.93 مليارات دولار في يونيو. وهذا يعني أن الربع الثاني لم يكن مجرد ارتداد سعري، بل شهد نقلة واضحة في مستوى النشاط والسيولة، حتى وإن بقي الأداء السعري العام متفاوت بين المؤشرات.

 

  • وبالنظر إلى موقع بورصة الكويت إقليمياً، فقد ظلت السوق جزء أساسي من خريطة السيولة الخليجية والعربية، وحافظت على حضور واضح من حيث نشاط التداول والقيمة السوقية ضمن المنطقة. غير أن القراءة الأعمق لأداء بورصة الكويت في النصف الأول لا تكمن فقط في كون السوق العام أنهى يونيو على تراجع منذ بداية العام، بل في أن السوق أظهر قدرة متزايدة على امتصاص الصدمات وإعادة توجيه السيولة. فقد انتقلت السوق من مرحلة ضغط وحذر في الربع الأول إلى مرحلة أكثر نشاطاً وانتقائية في الربع الثاني، كما أن تفوق السوق الرئيسي على السوق العام يعكس اتساع دائرة البحث عن الفرص، وعدم اقتصار حركة المستثمرين على الأسهم القيادية وحدها.

 

  • وبينما ستبقى التطورات الجيوسياسية، أسعار النفط ومسار الفائدة العالمية عوامل مؤثرة في أداء بورصة الكويت خلال ما تبقى من العام، فإن تجربة النصف الأول تؤكد أن السوق بات أكثر نضجاً في تفاعله مع الأزمات. فالمستثمرون لم يعودوا ينظرون إلى السوق فقط من زاوية المضاربة اليومية، بل من زاوية جودة الشركات، استدامة الأرباح، عمق السيولة، والقدرة على توليد فرص استثمارية ضمن اقتصاد خليجي يسعى إلى تنويع مصادر النمو وتعزيز دور أسواق المال في تمويل التنمية.

(إعداد: فادي قانصو، الأمين العام المساعد ومدير الأبحاث في اتحاد أسواق المال العربية، خبير اقتصادي وأستاذ جامعي، تحرير: ياسمين صالح)

#تحليلسريع

للاشتراك في تقريرنا الأسبوعي الذي يتضمن تطورات الأخبار الاقتصادية والسياسية، سجل هنا