PHOTO
شهدت الأسواق المالية حول العالم خلال شهر الحرب على إيران إعادة تسعير واسعة للمخاطر تُرجمت في تحركات وعلاقات غير تقليدية بين الأصول المختلفة.
الصدمة الأولى
انتقلت الأسواق، بعد الصدمة الأولى التي أعقبت بداية الحرب يوم 28 فبراير، سريعا من منطق الهروب من المخاطر إلى منطق أكثر تعقيد يقوم على تسعير صدمة الطاقة، ارتفاع احتمالات التضخم، وإعادة النظر في مسار أسعار الفائدة العالمية.
لذلك برز مشهد غير مألوف نسبيا: ارتفاع في مؤشر الدولار الأمريكي، صعود في عوائد سندات الخزانة الأمريكية، وتراجع في الذهب.
هذا مقابل قفزة قوية في أسعار النفط، وضغط واضح على عدد من أسواق الأسهم العالمية والمحلية، ولاسيما تلك الأكثر حساسية لأسعار الطاقة وتكاليف التمويل.
منذ مراحلها الأولية، لم تنظر السوق إلى المواجهة باعتبارها مجرد نزاع عسكري، بل باعتبارها تهديد مباشر لشريان الطاقة العالمي، وما يعنيه ذلك من ارتفاع تكاليف النقل، التأمين والشحن، ومن زيادة أسعار الوقود والمواد الخام، وصولا إلى ضغوط تضخمية قد تمتد من المصانع إلى المستهلك النهائي في مختلف الاقتصادات.
ولهذا السبب، كانت حساسية السوق لأي خبر يتعلق بمضيق هرمز أو باستهداف منشآت الطاقة أعلى بكثير من حساسيتها للمعارك نفسها.
الدولار
صعوده أعاد إلى الأذهان مقولة "الكاش هو الملك".
فالدولار لم يرتفع فقط لأنه ملاذ آمن في أوقات الاضطراب في ظل عمليات تسييل تسحب البساط من الأصول الأكثر مخاطرة، بل أيضا لأن الحرب أعادت تثبيت توقعات بقاء السياسة النقدية الأمريكية مشددة لفترة أطول.
وتُظهر تقارير الأسواق أن الدولار في طريقه إلى تحقيق مكسب شهري بأكثر من 2% خلال مارس، من 97 إلى حدود 100.
وقد قفز "الملك" منذ الأيام الأولى للحرب بما يصل إلى 2% خلال يومين فقط مع اندفاع المستثمرين إلى السيولة.
كما استفاد أيضا من تراجع توقعات خفض الفائدة الأمريكية، إذ انتقل المتعاملون من تسعير خفضين محتملين على الأقل قبل الحرب إلى شبه استبعاد لأي خفض هذا العام مع تصاعد أثر النفط على التضخم. وهكذا اجتمع عامل الملاذ مع عامل العائد النقدي، فتعززت جاذبية العملة الأمريكية بصورة لافتة.
السندات
أما سندات الخزانة الأمريكية، فقد قدمت بدورها مفارقة لافتة.
في الأزمات، يحصل عادة أمران متعاكسان على سوق السندات. من جهة، يتجه المستثمرون إلى شراء سندات الخزانة الأمريكية لأنها تُعد ملاذ آمن، وهذا يرفع أسعار السندات ويخفض عوائدها.
ولكن، إذا رأت الأسواق أن الأزمة ستؤدي إلى ارتفاع التضخم، فإن المستثمرين يطلبون عائد أعلى على السندات لتعويض تآكل القيمة الحقيقية لأموالهم، وهذا يعني انخفاض أسعار السندات وارتفاع عوائدها وهو ما حدث هذه المرة.
أشارت التقارير إلى أن عوائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل عشر سنوات ارتفعت بشكل ملحوظ بين نهاية فبراير وحتى 25 مارس، وأن العائد المرجعي قفز بأكثر 40 نقطة أساس خلال تلك الفترة.
وارتفعت أيضا عوائد سندات السنتين لتعكس تشدد التوقعات تجاه الفائدة الأمريكية. ففي حال استمرار سعر خام النفط فوق 100 دولار، فإن الضغوط التضخمية ستزداد، وسيصبح على الاحتياطي الفيدرالي التريث في خفض الفائدة، وربما حتى رفعها إذا طال أمد الأزمة.
وقد فتحت شخصيات في البنك المركزي الأوروبي الباب أمام احتمال رفع الفائدة إذا تسببت الحرب في صدمة تضخمية أكثر استدامة.
بهذا المعنى، لم تعد السندات تُقرأ فقط كأصل دفاعي، بل كأداة تتضرر من أي صدمة طاقة تُعيد إشعال التضخم.
الذهب
لعل الذهب كان أبرز المفاجآت في هذه الحرب.
فمن الناحية النظرية، يُفترض أن يكون المعدن الأصفر من أوائل المستفيدين من النزاعات العسكرية والاضطرابات الإقليمية.
وقد حدث ذلك فعلاً في الساعات الأولى، عندما اندفع المستثمرون نحوه وارتفع فوق مستويات 5,400 دولار للأونصة في بداية الحرب.
لكن هذا الدعم لم يدم طويلا، إذ انقلب المسار سريعا مع صعود الدولار وارتفاع عوائد السندات، ليتراجع الذهب على نحو حاد ويصبح في طريقه إلى تراجع بنحو 17% بين نهاية فبراير و25 مارس وهي أكبر خسارة شهرية له منذ أكتوبر 2008.
ومنذ بدء الحرب، وصلت الأسعار في بعض الجلسات إلى أدنى مستوى في أربعة أشهر، بعد موجة بيع متواصلة استمرت تسع جلسات، بل سجل الذهب أسوأ أداء أسبوعي له منذ 1983 في إحدى المراحل.
هذه الحركة تؤكد أن الذهب، رغم صفته كملاذ آمن، يبقى شديد الحساسية لأسعار الفائدة الحقيقية ولحركة الدولار وخصوصا المدفوعة بعمليات تسييل في ظل ارتفاع عوائد السندات.
ويقوي ارتفاع عوائد السندات العملة الأميركية، مما يرفع بدوره الكلفة البديلة للاحتفاظ بأصل لا يدر عائد، فيتراجع الطلب الاستثماري على الذهب حتى في ظل اضطراب جيوسياسي حاد.
النفط
في المقابل، كان النفط هو الأصل الذي عبر بأوضح صورة عن جوهر الأزمة.
فقد تخطى خام برنت عتبة 110 دولار للبرميل في 20 مارس قبل أن يتراجع إلى حدود 100 دولار في تعاملات الخميس حتى وقت النشر، وهو في طريقه إلى مكسب خلال شهر مارس بنحو 40%.
هذه القفزة لم تأتِ من نقص في الإمدادات فقط، بل من علاوة مخاطر ضخمة أضافها المستثمرون بسبب احتمال اتساع التعطل، تزايد كلفة التأمين البحري، تهديد الناقلات، والخشية من انتقال الضرر إلى منشآت إنتاج وتصدير في الخليج.
كما أن إغلاق مضيق هرمز أو تعطيله الفعلي أعطى السوق إشارة بأن الخطر لم يعد نظري، بل أصبح جزء من الواقع اليومي للتجارة العالمية في الطاقة. لهذا السبب، لم تكن السوق تتابع فقط كمية النفط المفقودة فعليا، بل كانت تسعر أيضا احتمال استمرار الاضطراب لفترة أطول، وإمكانية أن يتحول إلى صدمة طاقة طويلة لا ظرفية.
الخاسر التقليدي
يعد تحرك أسواق الأسهم نحو المنطقة الحمراء رغم حديته وتذبذبه، أكثر رد فعل متوقع وتقليدي في أزمات مثل هذه.
أسواق الأسهم العالمية
تحركت وفق درجة انكشاف كل اقتصاد على امتصاص صدمة الطاقة.
فالأسهم الأمريكية بدت أكثر تماسك نسبيا من نظيراتها الدولية، إذ تراجع مؤشر داو جونز بنحو 5% ومؤشر S&P500 بنسبة 4% منذ بدء الحرب، مقابل هبوط مؤشر STOXX 600 الأوروبي بنحو 8%، وتراجع مؤشر نيكاي الياباني بأكثر من 9%.
ويُعزى هذا الأداء النسبي الأفضل في الولايات المتحدة إلى عدة عوامل، أبرزها أن الاقتصاد الأمريكي أقل اعتماد على نفط الخليج مقارنة بأوروبا وآسيا، وأن الولايات المتحدة أكبر منتج نفطي في العالم.
هذا بالإضافة إلى الثقل الكبير لأسهم التكنولوجيا في المؤشرات الأمريكية، وهي قطاعات أقل حساسية نسبيا لارتفاع النفط من القطاعات الصناعية والنقلية التقليدية.
لكن هذا لا يعني أن الأسهم الأمريكية كانت بمنأى عن الخطر، بل فقط أنها كانت أقل هشاشة من غيرها.
في المقابل، سجلت أسهم آسيا خارج اليابان خسارة تقارب 9.5% منذ بداية الحرب وحتى 25 مارس وهي الأسوأ منذ أكتوبر 2022، ما يعكس حجم القلق من ارتفاع فاتورة الطاقة وضعف العملات المحلية وعودة ضغوط الفائدة.
منطقة الأزمة
في الأسواق العربية، كانت الصورة أكثر حساسية وتعقيدا، لأن العامل الجغرافي والأمني كان جزء من التسعير اليومي.
في الأيام الأولى من التصعيد، أُغلقت سوقا أبوظبي ودبي ليومين بعد الضربات الإيرانية، لتغلق في الأسبوع الأول من الحرب والمنتهي في 5 مارس على تراجع بنسبة 3.9% و9.0% على التوالي.
بينما هبطت السوق السعودية بأكثر من 4% عند الافتتاح قبل أن تعاود تصحيحها لتغلق على مراوحة بنسبة لا تتجاوز 1% خلال الأسبوع الأول، في حين تراجع مؤشر بورصة قطر بنسبة 3.2%، وتراجع مؤشر البورصة المصرية بنسبة 3.4% خلال نفس الفترة.
هذا السلوك عكس صدمة أولى حادة مرتبطة بالمخاطر المباشرة على البنية التحتية والمطارات والموانئ وحركة المستثمرين، وليس فقط بتغير شهية المخاطر العالمية.
لكن مع مرور الوقت، بدأت بعض الأسواق العربية تُظهر قدر من المناعة.
فارتفاع النفط دعم المعنويات تجاه بعض الاقتصادات المصدّرة، فيما ساعدت إشارات التهدئة اللاحقة على حصول بعض الارتداد في بعض الأسواق الخليجية، مثل تداول السعودية وبورصة مسقط بحيث ارتفع مؤشرهما بنسبة 3.5% و8.6% على التوالي بين 26 فبراير و25 مارس.
في حين أن باقي الأسواق العربية بقيت في تراجع حاد بين نهاية فبراير و25 مارس، لاسيما سوق أبوظبي للأوراق المالية (-7.6%) وسوق دبي المالي (-12.4%)، بورصة البحرين (-7.3%)، بورصة قطر (-6.9%) والبورصة المصرية (-3.5%).
هذا يعني أن الأسواق العربية لم تتحرك في خط واحد، بل تأثر أداؤها بالصدمات الأمنية مباشرة من جهة، والدعم النفطي والارتدادات الفنية في بعض الأسواق من جهة أخرى، ليغلق مؤشر S&P العربي المركب على تراجع بنسبة 2.7% بين 26 فبراير و25 مارس.
ومع ذلك، لا ينبغي تفسير ارتداد بعض الأسواق العربية على أنه عودة كاملة إلى الاستقرار.
فحتى عندما استفادت بعض الشركات أو الاقتصادات من ارتفاع أسعار النفط، بقيت هناك تكلفة مقابلة تتمثل في ارتفاع علاوات المخاطر، زيادة التأمين على الديون السيادية، القلق على استمرارية اللوجستيات الإقليمية، وتراجع شهية المستثمر الأجنبي تجاه الأصول القريبة من مسرح العمليات.
كما أن الاقتصادات العربية المستوردة للطاقة أو الأكثر هشاشة ماليا بقيت أكثر عرضة للتأثر سلبا، سواء عبر ضغوط أسعار الواردات أو عبر خروج الأموال الساخنة أو ضعف العملة.
لذلك يمكن القول إن الحرب خلقت تمايز داخل المنطقة نفسها: فالدول المصدّرة للطاقة استفادت جزئيا من جانب السعر، لكنها دفعت ثمن المخاطر الأمنية؛ أما الدول المستوردة للطاقة فواجهت الأثرين معا: ارتفاع الكلفة وتراجع الثقة.
خلاصة الشهر الأول
- أعاد ترتيب العلاقات التقليدية بين الأصول، وأثبت أن رد الفعل المالي لا تحدده الحرب في حد ذاتها، بل كيفية ترجمة الحرب إلى تضخم، سيولة، فائدة، وتدفقات رأسمالية.
- ارتفع الدولار لأنه جمع بين صفة الملاذ وصفة العائد؛ وارتفعت عوائد سندات الخزانة لأن المستثمرين رأوا في صدمة النفط تهديد تضخمي قد يطيل أمد التشدد النقدي.
- تراجع الذهب بسبب عمليات التسييل التي زادت الإقبال على الدولار + ارتفاع عوائد السندات مما طغى على وظيفته الدفاعية.
- ارتفع النفط لأن المخاطر المرتبطة بمضيق هرمز كانت أكبر من أن تُهمل.
- انقسمت الأسهم العالمية بين أسواق أكثر قدرة على التحمل، وأخرى أكثر انكشاف على الطاقة والممرات البحرية.
- أما الأسواق العربية، فقد كانت المرآة الأقرب للحرب: تلقت الصدمة أولا، ثم حاولت التكيف معها، لكن بدون أن تنفصل ولو ليوم عن عامل الجغرافيا السياسية الذي بقي ولا يزال المتغير الأكثر تأثير في التسعير.
(إعداد: فادي قانصو، الأمين العام المساعد ومدير الأبحاث في اتحاد أسواق المال العربية، خبير اقتصادي وأستاذ جامعي، تحرير: ياسمين صالح، مراجعة قبل النشر: شيماء حفظي)
#تحليلسريع
للاشتراك في تقريرنا الأسبوعي الذي يتضمن تطورات الأخبار الاقتصادية والسياسية، سجل هنا








