استضافت الدورة الثانية من مهرجان الشارقة للأدب الإفريقي جلسة حوارية تحدث فيها كل من الدكتور عبد العزيز المسلّم، رئيس معهد الشارقة للتراث، والكاتب علي بهارون، والكاتبة سيفيوي غلوريا اندلوفو، وأدارتها الدكتورة هدى الشامسي، الذين سلطوا الضوء على قرونٍ من التبادل الثقافي بين إفريقيا والعالم العربي خارج القارة، والذي تشكّل عبر التجارة والهجرة والتاريخ المشترك. واستكشف المتحدثون كيف أثّّرت اللغة والأدب والموسيقى والعادات المتبادلة في تكوين إرثٍ ثقافي غني ومتشابك، لا يزال يلهم الحوار والإبداع حتى اليوم.
 
تشابك السرد الإماراتي الإفريقي
وفي حديثه خلال الجلسة، أوضح الدكتور عبد العزيز المسلّم أن العلاقة بين إفريقيا والعالم العربي تمتد إلى ما قبل الإسلام والمسيحية، مؤكداً أن الهجرة الأولى للمسلمين إلى الحبشة شكّلت محطة مفصلية في هذا التاريخ المشترك، وأن بوابة زنجبار كانت مدخلاً لعلاقات وثيقة قامت على السفر والتجارة والبحر.

وأشار المسلّم إلى أن صناعات السفن في شرق إفريقيا، واستيراد البهارات والعطور، وجلب الأيدي العاملة الماهرة، أسهمت جميعها في ترسيخ هذا التداخل، إلى جانب انتقال الحكايات الإفريقية والأساطير التي دخلت الذاكرة الشعبية الخليجية، حتى وإن بدت بعض أسمائها غير عربية في ظاهرها، لكنها في أصلها تعكس عمق التأثير الإفريقي في ثقافة الخليج.

وأضاف رئيس معهد الشارقة للتراث أن هذا التأثير يتجلى بوضوح في الحكاية الشعبية الإماراتية والخليجية، سواء في الصورة البصرية للشخصيات، مثل حضور البطل ذي البشرة السمراء، أو في المفردات والأدوات والأوصاف المستمدة من إفريقيا، مؤكداً أن إعادة تقديم الحكايات الشعبية والخرافية في كتب وروايات معاصرة تسهم في حماية التراث، حتى وإن لم تحفظه بشكل كامل.

ولفت المسلّم إلى أن كثيراً من الأعمال الأدبية العالمية انطلقت من حكايات خرافية ذات عمق حضاري وخيال غني، مشيراً إلى تجارب واسعة عملت عليها الشارقة في جمع ونشر الحكايات الشعبية محلياً وعربياً وعالمياً، بالتعاون مع دول عدة، ما أسفر عن أكثر من ألف وسبعين إصداراً، شكّلت مكتبة ضخمة تحفظ التراث الإماراتي والخليجي والعربي، إلى جانب تراث عالمي مترجم، وتعيد وصل الحاضر بجذوره الثقافية العميقة.
 
حوار عربي إفريقي شامل
بدوره، أوضح علي بهارون أن زنجبار شكّلت محطة مبكرة ومؤثرة في تاريخ التلاقي بين إفريقيا والعالم العربي، منذ وصول المسلمين الأوائل وانتشارهم على طول الساحل الشرقي لإفريقيا، مشيراً إلى أن هذا التفاعل لم يكن دينياً فقط، بل شمل أنماط الزراعة والأغاني والرقصات والأدب، إلى جانب العوامل الاقتصادية المرتبطة بالسفر والعمل من أجل العيش. ولفت إلى أن هذا الاحتكاك الطويل أسفر عن ثقافات تشكّلت عبر تفاعل مستمر وحوار دائم بين الهويات.

وأضاف بهارون أن تجربته الشخصية، بوصفه من الجيل الثالث في إفريقيا وتنحدر عائلته من أصول جاءت من حيدر آباد، انعكست بوضوح في كتاباته، حيث يسعى إلى بناء جسور بين الانتماء الإفريقي والارتباط بالمجتمعات العربية. وبيّن أن قصصه القصيرة تتناول شخصيات تواجه لحظات فاصلة بين المواجهة أو الرحيل، مؤكداً أن "الهروب" في أعماله لا يعني التهرب، بل اختيار رحلة تقود إلى الحرية وصنع السلام مع الواقع، وهو ما تجسّده مجموعته القصصية "حرية الطيران" Freedom of Flight، التي تعكس أيضاً مسار الهجرة والرحلة التي خاضها أسلافه عبر الأجيال.
 
تحوّل يسهم في تشارك القصص
من جهتها، قالت سيفيوي غلوريا اندلوفو إن مشاركتها في المهرجان تمثّل بالنسبة لها رحلةً للعودة إلى التاريخ واستعادة روابط ثقافية لم تكن مرئية بوضوح في بلدها، مؤكدة أن حضورها أتاح لها فرصة التعلّم وفهم الحاضر، وفي الوقت ذاته تخيّل مستقبل تُستعاد فيه صلات ثقافية فقدها الزمن.
وعبّرت اندلوفو عن امتنانها لهيئة الشارقة للكتاب على إتاحة هذه المساحة للحوار والمعرفة، مشيرة إلى أن تفاعلها مع هذه التجربة ملا يزال في بداياته، وأنها تتطلّع لاكتشاف كيف يتلقى قرّاء هذه المنطقة روايتها التي ترجمت إلى العربية مؤخراً، ولا سيما في ظل ما تحمله من تجارب إنسانية تعكس أصوات النساء في هذه المجتمعات.

وأضافت سيفيوي غلوريا اندلوفو أن العالم يشهد اليوم تحوّلاً جذرياً في طرق تداول القصص، حيث أتاحت التقنيات الرقمية وصولاً أوسع للسرديات مقارنة بالأجيال السابقة، متجاوزة كثيراً من العوائق التي فرضتها منظومات النشر التقليدية. وأوضحت أن هذا التحوّل يعيد القصص إلى طبيعتها الأولى بوصفها معرفة مشتركة بلا حدود، تسافر بين الثقافات بسهولة، وتُتاح لعدد أكبر من القرّاء، بما يعزز حضور الأصوات المتنوعة ويمنحها فرصاً جديدة للوصول والتأثير.

-انتهى-

#بياناتشركات