كيف تستفيد السعودية من تجربة الصين وسنغافورة؟  

مقال رأي مقدم من أحمد شكري رشاد، أستاذ الاقتصاد المساعد وزميل بحوث بمنتدى البحوث الاقتصادية 

  
صورة لموظفة في الاستقبال التابع لأحد الشركات في الرياض، 16 فبراير 2021، رويترز

صورة لموظفة في الاستقبال التابع لأحد الشركات في الرياض، 16 فبراير 2021، رويترز

REUTERS/Ahmed Yosri

تمتلك المملكة العربية السعودية أكبر اقتصاد في منطقة الشرق الاوسط بقيمة تقارب ال 800 مليار دولار وعدد سكان يزيد عن 30 مليون فرد. 

وقد أعلنت الحكومة مؤخرا عن عزمها إيقاف التعاقد مع أي شركة أو مؤسسة تجارية اجنبية لها مقر إقليمي في المنطقة في غير المملكة ابتداء من 1/1/2024 ويشمل ذلك الهيئات والمؤسسات والصناديق التابعة للحكومة أو أي من أجهزتها ويأتي ذلك تماشيا مع رؤية المملكة ولضمان ان المنتجات التي يتم شراؤها من قبل الأجهزة الحكومية يتم تنفيذها على أرض المملكة لزيادة القيمة المضافة للناتج المحلي. 

ويقول المسؤولون السعوديون إن المملكة تستضيف أقل من 5 بالمئة من المقرات الرئيسية للشركات الكبرى في المنطقة رغم أنها الاقتصاد الأكبر فيها. لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: لماذا لم تختار الشركات العالمية المملكة كمقر إقليمي لها من اليوم الأول بالرغم من حجم الاقتصاد السعودي وتكلفة الأعمال الأكثر تنافسيا في المملكة بالمقارنة مع الدول الخليجية الاخرى؟ وما هي المعوقات امام الشركات العالمية في المملكة؟ وما هي المعايير التي تعتمد عليها الشركات العالمية في اختيار مقراتها؟  

قامت غرفة التجارة الأوروبية بالصين بدارسة عن أهم المحددات التي تعتمد عليها الشركات العالمية في اختيار مواقع مراكزها الإقليمية وخلصت إلى ان أهم 10 معايير لاختيار المقرات (بالترتيب من حيث الأهم) هي: 

1- القرب من العملاء والأسواق. 

2- بيئة قانونية وتنظيمية مواتية. 

3- بيئة سياسية مستقرة. 

4- بيئة أعمال مناسبة. 

5- بيئة ضريبية مناسبة. 

6- توافر العمالة الماهرة بالاقتصاد. 

7- تكلفة الأعمال التنافسية. 

8- سهولة الوصول للأسواق. 

9- القرب من مراكز الإنتاج. 

10- توافر قنوات التوزيع.   

وبناء عليه فان السعودية تحصل على الدرجة الكاملة في المعيار الأول وهو القرب من العملاء. لكن من جهة أخرى، جاءت المملكة في المركز ال 62 عالميا في أحدث تقرير لسهولة ممارسة الأعمال الذي أصدره البنك الدولي في عام 2020، وفي المركز الرابع بعد كل من الإمارات والبحرين والمغرب. 

وكشف تقرير البنك الدولي عن ممارسة الأعمال عن القصور في عدد من جوانب الإجراءات الحكومية المنظمة لأنشطة الأعمال بالسعودية والتي تؤثر على عمل الشركات ومن ثم تحتاج إلى تحسين وتطوير. 

على سبيل المثال، احتلت السعودية المركز 168 عالميا في سهولة تصفية النشاط التجاري والمركز ال 86 عالميا في سهولة التجارة عبر الحدود والمركز 80 عالميا في الحصول على الائتمان و57 في دفع الضرائب.    

 

المصدر: البنك الدولي  

ماذا يحدث مع الصين؟ 

ان تجربة دول منطقة شرق آسيا والمحيط الهادئ تفيد بان حجم الاقتصاد وحده ليس كافي بالضرورة حتى تستحوذ على أكبر عدد من المقرات الإقليمية للشركات العالمية. 

على سبيل المثال، تعتبر الصين ثاني أكبر اقتصاد في العالم بعد الولايات المتحدة (وبعض الاقتصاديين يعتبرها الأولى) ويبلغ عدد سكانها 1.4 مليار مستهلك. 

وعلى الرغم من ذلك تستضيف سنغافورة الدولة الصغيرة التي يعيش فيها 5.5 مليون شخص على قرابة نصف مقرات الشركات العالمية بالمنطقة وعلى 59% من المقرات الإقليمية لشركات التكنولوجيا العالمية مثل فيسبوك وجوجل ولينكدإن وفيزا. 

فلماذا اختارت الشركات العالمية سنغافورة مقر لها بدل من شنغهاي في ظل حجم الاقتصاد الصيني العملاق علما بان المسافة بين الصين وسنغافورة تصل إلى 6 ساعات كما ان عنصر تكلفة الأعمال يميل لصالح الصين؟ 

ببساطة لأن سنغافورة تتفوق على شنغهاي في العديد من المؤشرات التي تؤثر على الشركات، حيث ان سنغافورة تقدم أفضل مستوى تعليم في العالم وتوفر الكفاءات البشرية التي تحتاجها الشركات العالمية. 

كما ان الاقتصاد السنغافوري الأول عالميا في سهولة أداء الأعمال والأول عالميا في مؤشرات التنافسية الاقتصادية بالإضافة إلي جودة الحياة فيها وسهولتها للمغتربين وانتشار اللغة الانجليزية ومستوى التلوث المنخفض وغيرها من المؤشرات التي تحتل فيها سنغافورة المرتبة الأولى جعلتها من أكثر المدن جاذبية للشركات العالمية.  

ان الدرس الذي تقدمه تجربة سنغافورة للمملكة العربية السعودية، ان عملية اختيار المقرات الاقليمية للشركات العالمية عملية متشابكة لا يكفي فيها التفوق في معيار أو اثنين بل هي نتيجة لتتضافر عدد من المعايير في وقت واحد. 

وأخيرا، ان استمرار الجهود في المملكة من اجل تطوير بيئة الأعمال السعودية وتحسين تنافسية الاقتصاد السعودي من بنية أساسية وتشريعات وقوانين وقواعد منظمة وتحسين من جودة العنصر البشري ومستوى التعليم بالسعودية من شأنه ان يكون كافي لجذب الشركات العالمية بدون الحاجة لتحذير بإيقاف التعاقدات، حسب رأيي.

لقراءة مقال سابق لنفس الكاتب: ماذا تعكس بيانات جوجل عن اداء الاقتصاد السعودي؟ 

(المقال من إعداد:  أحمد شكري رشاد، أستاذ الاقتصاد المساعد وزميل بحوث بمنتدى البحوث الاقتصادية، للتواصل مع الكاتب: Twitter: @ahmshoukry)

(تحرير، ياسمين صالح، للتواصل: yasmine.saleh@refinitiv.com) 

© Opinion 2021

المقال يعبر فقط  عن أراء الكاتب الشخصية
إخلاء المسؤوليّة حول المحتوى المشترك ومحتوى الطرف الثالث:
يتم توفير المقالات لأغراض إعلامية حصراً؛ ولا يقدم المحتوى أي استشارات بخصوص جوانب قانونية أو استثمارية أو ضريبية أو أي نصائح أو أراء بشأن ملاءمة أو قيمة أو ربحية استراتيجية استثمارية معيّنة.