يؤكد الحدث السنوي الأبرز المعني بالأمن الغذائي في دولة الإمارات أن التحول الزراعي في المنطقة أصبح الآن واقعاً ملموساً. ومن موقعه كواحد من أكبر المبادرات الزراعية في المنطقة، يشكل المؤتمر والمعرض الزراعي الإماراتي 2026 في مدينة العين منصة يلتقي فيها الطموح بالمستقبل.

تقدّم ثلاث شركات ناشئة، تم إطلاقها في اليوم الأول من المؤتمر، صورةً واضحةً عن دور الذكاء الاصطناعي اليوم في رسم المشهد الزراعي بدولة الإمارات. ورغم عملها على مستويات مختلفة لمعالجة التحدي ذاته، إلا أنها تشترك معاً في قناعة واحدة: إتقان التكنولوجيا ما هو إلا البداية فقط.

فجوة الذكاء

إذا سألتم الرئيس التنفيذي لشركة INNOfarms.ai عن المشكلة التي يسعى لحلها، سيقدم إجابتين لأن الشركة تعالج مشكلة من شقين.

 تعتمد شركات الأغذية الكبرى على مئات المزارع لتأمين الإمدادات التي تحتاجها، لكنها لا تمتلك رؤية فورية واضحة حول أي منها. وغالباً ما تتم عمليات الشراء بناءً على التقديرات، وتتعرض الكثير من المزروعات للتلف أثناء النقل، مما يُؤدي إلى خسائر بملايين الدولارات للمزارعين والمشترين على حدٍ سواء.

ترتكز منصة INNOfarms.ai على طبقة ذكاء اصطناعي تُعرف باسم "Aura"، تجمع البيانات من أجهزة الاستشعار في المزارع، وأسعار البيع بالتجزئة، ونظم سلاسل التوريد ضمن واجهة تفاعلية واحدة. ويقول براجيندرا ياداف، مؤسس الشركة ورئيسها التنفيذي: "إذا سألت، ما هو سعر الخس في دبي اليوم؟ ستُقدم لك ’Aura‘ صورة متكاملة عن توجهات السوق لتتمكن بذلك من التخطيط لما يجب زراعته الآن".

أنشأت هذه الشركة مزرعة نموذجية في دولة الإمارات لتكييف نظمها مع الظروف المحلية، وجنت محاصيل حقيقية لمدة عام كامل من هذه المزرعة قبل تطبيق الحلول في مزارع الشركاء. وعلى مستوى المؤسسات، تُحقق المنصة وفورات في المشتريات تتراوح بين 20 و30%. أما المزارع الفردية التي تعمل بميزانيات ربع سنوية تقارب الـ 50,000 درهم، فتشهد وفورات تشغيلية ضمن النطاق ذاته بالتوازي مع تحسن كبير في الإنتاجية.

وخلافاً للتقنيات الزراعية التقليدية التي تتوقف معها المزارع عن العمل لأشهر أثناء تطبيق الحلول، تم تأسيس INNOfarms.ai لاعتماد النظام تدريجياً بما يتيح للمزرعة تطبيق كل نموذج على حدة وقياس عائده قبل التوسع.

ويضيف ياداف: "يريدون رؤية القيمة قبل السعر".

ما الذي تعرفه التربة؟

تسجل شركة "سويل فود" (Soyl Food) حضورها الأول في مدينة العين، حيث تقدم منتجاً حيوياً محفزاً للنمو مُستخلصاً من الطحالب البحرية ومُحسّناً باستخدام الذكاء الاصطناعي. وقد خضع هذا المنتج لاختبارات أولية في مزارع مملوكة للشركة في باكستان ووسط ظروف وصلت فيها درجة الحرارة إلى 50 درجة مئوية، وهي ظروف مماثلة لدرجة حرارة الصيف في دولة الإمارات. وتقول مؤسسة الشركة زنيرا دانيش: "إن النتائج أظهرت زيادة بنسبة 35% في إنتاجية الخضراوات، إلى جانب تحسن ملحوظ في النشاط الميكروبي في التربة عبر دورات النمو.

ولا تقل أهمية هذا التحسن الميكروبي عن زيادة الإنتاجية، ذلك أن معظم التقنيات الزراعية التقليدية مصممة لاستخلاص العناصر الغذائية من التربة، بينما يهدف منتج "سويل فود" إلى استعادتها وتجديدها.

وتقول دانيش: "الهدف الحقيقي هو معالجة التربة".

تتجلى نتائج هذه الحالة من خلال أجهزة استشعار إنترنت الأشياء، حيث ترصد هذه المجسات مستويات الرطوبة والنشاط الميكروبي في الوقت الفعلي متيحةً للمزارعين مقارنة النتائج قبل الاستخدام وبعده. وهكذا تتحول العمليات البيولوجية المُعقّدة إلى بيانات واضحة على الشاشة، وهو ما يشكل، في كثير من الأحيان، الحجة الدامغة الوحيدة لمجتمع زارعي يتسم بالحذر والتشكك.

 على صعيد آخر، تعمل شركة "الراعي" - والتي لم يمضِ على تأسيسها سوى أربعة أشهر فقط - على حل مشكلة لا علاقة لها بالذكاء الاصطناعي، وإن كان يرتبط بها ارتباطاً وثيقاً؛ فالكثير من مزارع الثروة الحيوانية في منطقة الخليج لا تزال تعتمد على السجلات الورقية والمكالمات الهاتفية ومجموعات الواتساب. ويفضي ذلك بطبيعة الحال إلى عدم تلقي الرعاية الصحية اللازمة، وفقدان بيانات النسب، وإجراء دعوات الشراء بناءً على إحصاءات غير دقيقة، وهذه جميعها تتحول إلى تكاليف مركّبة. ومن هنا تبرز أهمية تطبيق "الراعي" المصمم خصيصاً لقطاع الحلال، حيث يستبدل تلك السجلات الورقية بنظام عملي فعّال وفقاً لمحلل الأنظمة معاذ عبدالدايم.

ما يُميز هذا التطبيق عن غيره من أدوات إدارة المزارع العامة هو عمق بياناته على مستوى الحيوان الواحد. فلكل حيوان مسجل فيه ملف تعريف كامل يشمل الصور والملاحظات، وسجلات الوزن، والتاريخ الصحي، وشجرة النسب، وجميع هذه البيانات مرتبطة عبر شريحة RFID لتحديد الهوية المادية في الحقل. وبالنسبة لمالك مزرعة كبيرة لتربية المواشي، يُشكل هذا التطبيق الفَرْق كلّه بين العمل الاحترافي والهواية التي قد يتسبب فيها الحدس وحده بخسائر باهظة.

صُممت واجهة التطبيق لتراعي متطلبات المشرف الميداني في الحقل، وليس فقط المالك الذي يراجع السجلات من مكتبه. وفي قطاعٍ ينحدر فيه عمال المزارع من خلفيات لغوية متنوعة وتتفاوت فيه مستويات إلمامهم بالتكنولوجيا بنسبة كبيرة، تشكّل هذه الميزة أمراً بالغ الأهمية.

يقول معاذ عبدالدايم: "يمكن للمشرفين مراجعة العمليات واعتمادها داخل التطبيق، وهذا مستوى من المساءلة لا يمكن للسجلات الورقية توفيره".

يشار إلى أن عدد من المزارع الخاصة بالشركة في الإمارات تستخدم حالياً نظام "الراعي"، وتسعى الشركة الناشئة في مدينة العين إلى توسيع حضورها بين أوساط مربي الماشية الذين هم في أمس الحاجة إلى هذه التقنية".

مشكلة واحدة، ثلاثة مقاربات

تعمل INNOfarms.ai على بناء أنظمة معلومات سوقية متطورة للمؤسسات التي تمتلك بالفعل القدرة على توظيفها والاستفادة منها. وتقوم "سويل فود" بتحويل العلوم الزراعية المعقدة إلى أجهزة استشعار ولوحة تحكم متنقلة انطلاقاً من قناعتها بأن البساطة هي الشرط الأساسي لتطبيق هذه العلوم ميدانياً. أما "الراعي"، فتقوم برقمنة قاعدة حفظ السجلات الأساسية اللازمة قبل أن تتمكن أي أنظمة معلومات متقدمة أخرى من العمل. ثلاث مقاربات مختلفة لمعالجة التحدي نفسه، وهو ضمان نظام غذائي أكثر ترابطاً ووضوحاً في دولة الإمارات.

جهاز الاستشعار في التربة، ولوحة المعلومات على الهاتف المحمول، وشجرة النسب التي تكشف لمربي الماشية عن سلالات حيواناته، هذا ما تبدو عليه سلسلة القيمة من نقطة الصفر.

-انتهى-

#بياناتشركات