PHOTO
30 08 2015
وزارة المالية، ومن خلفها الحكومة، في وضع لا تُحسد عليه حالياً. هي في امتحان صعب لا تستطيع النجاح فيه إذا لم تحضّ.ر له جيداً، وبجد منقطع النظير لا مكان فيه لأساليب الماضي القريب أو البعيد، لا تهويناً ولا تهويلاً!هذا الامتحان الذي يُكرَم فيه المرء أو يهان مكوَّن من 10 أسئلة:
كيف ستسد {المالية} عجز الموازنة الحالية المقدر بنحو 8 مليارات دينار؟
ما الاصلاحات الواجب تنفيذها لترشيد الأبواب المتضخمة في الميزانية؟
أي السبل ستلجأ إليها لضبط الهدر؟
ماذا تعرف عن تداعيات الاقتراض على سعر الصرف؟
لماذا عليها المضي في الانفاق التنموي، وأي نوع من هذا الانفاق مطلوب الغاؤه أو تأجيله مقابل آخر تمضي به لأنه منتج واستثماري؟
كم ستقترض وكم ستسحب من الاحتياطي العام؟
متى تعتقد انها ستضع خريطة طريق واضحة الأهداف وأدوات التنفيذ لكل
ما سبق؟
مَنْ عليه ان يبذل الجهود معها؟
هل ستقنع المواطنين بإجراءاتها العلاجية الناجعة قبل أن تطلب منهم التضحية في ترشيد الدعم ورفع رسوم الخدمات؟
أنى لها النجاح إذا لم تتوافر الإرادة الحكومية كاملة غير منقوصة للاصلاح الجذري للعجز الهيكلي قبل سد العجز المالي؟
بحث مجلس الوزراء الأسبوع الماضي قضية المشاريع التنموية في ظلال انخفاض أسعار النفط، وإمكان تفاقم العجز في الميزانية، وصدر في البيان الحكومي ما يلي: «أكد المجلس على ضرورة الاستمرار في الانفاق الرأسمالي الاستثماري ومشاريع خطة التنمية».
هذا في الشكل، أما في المضمون فالنقاش أعمق من تلك الجملة البروتوكولية التطمينية، على قاعدة حدث العاقل بما يعقل: فالاتجاه الذي نصحت به جهات حصيفة وضليعة في الشأن المالي هو إلى مزيد من الانتقائية في تلك المشاريع، مع شرح وافٍ لكيفية الاستمرار في الانفاق الرأسمالي بشروط محددة أبرزها:
• خلق فرص عمل للمواطنين الكويتيين وليس لمزيد من العمالة الوافدة، لا سيما الهامشية منها، الضاغطة على الخدمات والمستهلكة لها بلا أي قيمة مضافة للاقتصاد.
• التركيز على مشاريع مدروسة جيداً في سياق هدف تنويع الاقتصاد بعيداً عن النفط، ليكون الاختيار - على سبيل المثال لا الحصر - سهلاً بين مشروع مثل دار أوبرا أو مشاريع تطوير بنى تحتية مثل الموانئ والمطارات.
• إشراك القطاع الخاص في المشاريع بحيث لا يكون كل العبء على الميزانية، وزيادة مساهمة هذا القطاع في الناتج وتوظيف العمالة الوطنية وزيادة تنافسية مختلف القطاعات.
أي مشروع لا يحقق الأهداف الثلاثة يُلغى أو يؤجل حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً، فعجز الموازنة يحتاج إلى «عقل» جديد آخر مختلف كلياً عما نعرفه.
دعاة الاقتراض.. اسمعوا وعوا
ما يسبق يرد جزئياً على طروحات تدعو الحكومة إلى الاقتراض مثل الذي «نصح» به وزير المالية الأسبق سالم عبدالعزيز الصباح وغيره. هكذا طرح يبقى «عمومياً» لا يمكن الأخذ به على عواهنه.
إن الوضع المالي غير قابل للاستدامة على النحو الذي تنفق فيه الحكومة بالأبواب المختلفة للميزانية.
فإذا افترضنا ان «نصيحة» الاقتراض وجدت طريقها للتنفيذ بلا أي خارطة طريق لاصلاحات أخرى، ستكون الحكومة في وضع صعب لانها تقترض بلا لجم لأي انفاق جارٍ استهلاكي، بحيث يتراكم الدين ولا يتنوع الاقتصاد كفاية لتتولد منه ايرادات غير نفطية.
ولبيان أوضح يتعين تذكير دعاة الاقتراض بما يلي:
ليس بامكان البنك المركزي ان يتوسع بالاستدانة لمصلحة الحكومة وبلا سقوف، لأنه معني بالحفاظ على سعر الصرف، وها هي التجربة السعودية ماثلة للعيان عندما لجأت الحكومة أخيراً لسحوبات بنحو 300 مليار ريال في أشهر قليلة فتعرض سعر صرف الريال لضغوط في الأسواق.
يجب ألا يغيب عن ذهن دعاة الاقتراض كيفما اتفق، ان سعر صرف الدينار مدعوم، إذ كل دينار اقتراض يجب مقابلته باحتياطي نقدي. إذا اقترضت الحكومة 5 مليارات دينار يتوجب على البنك المركزي مقابلة ذلك بـ17 مليار دولار تخرج خلال أشهر من «السيستم»، وهذا إجراء أكثر من ضروري لأن الاقتصاد الكويتي صغير ومنفتح مالياً وتجارياً، فلا قيود على التحويلات ولا على الاستيراد والتصدير.
خلاف ذلك سيتعرَّض الدينار إلى ضغط أو إلى خفض قيمته، لذا يقضي بعد النظر وشموله ليس فقط معالجة العجز، بل أيضاً توطين الدينار المرتبط بسلة عملات وفقاً لحجم التجارة وشركاء الكويت التجاريين.
للــ 17 مليار دولار آنفة الذكر، تكلفة أيضاً، كما ان إجمالي احتياطيات «المركزي» الآن لا تزيد في قيمتها على 9 مليارات دينار، أي انها محدودة، لذا لا يمكن الاقتراض إلا بحدود معينة ووفقاً لمجريات تنفيذ اصلاحيات مالية أخرى في الموازنة، حتى لا يذهب الاقتراض الى الاستهلاك كما حصل مع اليونان.
ولا يمكن للبنك المركزي ان «يستهلك» احتياطياته إذا لم تكن الحكومة واعية لضرورات الانفاق الاستثماري الانتقائي المركز على مشاريع إنتاجية بشكل مباشر أو غير مباشر، إنتاجية سواء اليوم أو غداً، إنتاجية توسع قاعدة الاقتصاد والناتج... فالاقتراض للمشاريع ممكن بالشروط الآنفة الذكر فقط، والا يتدهور مناخ الاستثمار أكثر مما هو متدهور وأكثر مما هو طارد الآن.
إلى ذلك، فان «نصيحة» الاقتراض المفتوح على مصراعيه بحجة ان لدى المصارف سيولة هائلة، لها تداعيات سلبية أخرى، فالبنوك ستجد ضالتها في ديون سيادية مضمونة، وبذلك يتراجع حجم المتاح لاقراض القطاع الخاص بحيث يتضرر الاقتصاد الحقيقي وندخل في حلقة الورم المالي غير المنتج. شح التمويل لهذا القطاع يضرب هدف زيادة مساهمته في الناتج لتزداد وطأة القطاع العام، على صدر الاقتصاد.
فإذا كانت تلك الوطأة مقبولة على مضض في الأيام السمان، فهي أكثر من خطرة في الأيام العجاف. شح تمويل القطاع الخاص يضرب أيضاً أهداف اعطائه مشاريع أو اشراكه بمشاريع كما تحاول هيئة الشراكة ان تسوق الآن لمشروعات بنحو 3 مليارات دينار، فلا قيامة لتلك «الشراكة» إذا سحبت وزارة المالية أموال البنوك بالاقتراض لسد العجز.
كيف للحكومة ان تقترض وهي مستمرة بالاستقطاع لاحتياطي الأجيال بنفس الطريقة من الميزانية السنوية العاجزة؟ لماذا لا نأخذ من الاحتياطي العام لرفد احتياطي الأجيال بالنسبة المطلوبة؟ انه مجرد تدفق نقدي بين هنا وهناك، ويخفف عجز الموازنة لا سيما وان الاحتياطي العام معظمه «كاش»، أي انه ليس موظفاً في استثمارات ذات عوائد.
في المقابل، من المستغرب الاقتراض بكلفة إذا كان الاحتياطي العام ووفقاً لمرسوم انشائه مخصصا لدعم الميزانية وسد عجزها عند الحاجة.
التحويل من الاحتياطي العام الى احتياطي الأجيال يمكن سحبه على بنود أخرى في معالجات مختلفة، مثل التحويلات الحكومية ضمن الميزانية (تحويلات من حكومة إلى حكومة مثل المستحق للتأمينات الذي يمكن برمجة دفعاته بشكل مختلف).
لحس المبرد
بكلام آخر، على وزارة المالية ألا تبدأ باستسهال الاقتراض قبل قيامها بجهد كبير مسبق لاعادة ترتيب الأبواب في الميزانية، بعد ذلك تطلب من البنك المركزي ان يقترض لمصلحة الحكومة بقدر معين، أما القول بان العجز 8 مليارات والمطلوب اقتراض هذا المبلغ ففيه كثير من الاستسهال المسطح بمخاطر جمة!
أجل، يمكن لدولة الكويت الاقتراض بعشرات المليارات لأن نسبة الدين العام إلى الناتج اليوم %5، والمجال مفتوح حتى %80، لكن أين ستذهب أموال الاستدانة؟
وللتوضيح، انفجرت الأوضاع في اليونان علماً ان نسبة دينها إلى ناتجها أقل من تلك التي في اليابان.
لم تنفجر أوضاع اليابان التي فيها دين عام بنسبة %220 من الناتج، لماذا؟ لأن اليونان كانت تقترض لتنفق على الجاري والمستهلك، فيما اليابان تقترض لتنفق على الإنتاجي والاستثماري. لذا، فإن الاقتراض الحكومي للمشاريع ممكن جداً، بشرط أن تكون المشاريع منتجة، وخالقة فرص عمل للكويتيين، وثمة مشاركة فيها للقطاع الخاص. خلاف ذلك يكون الأمر أشبه بلحس المبرد: يسيل الدم لنلعقه غير مبالين، حتى ينزف كله، ونقع ضحية ذاك «اللحس السهل».
في المقابل الاستدراك مفيد لمعرفة من يستطيع التأكيد وبالأرقام أن هذا المشروع منتج وذاك غير منتج؟ من يملك الرؤية الكاملة المثبتة بالجدوى والطائل والمنفعة ليحدد استمرارية مشاريع دون أخرى يذهب الانفاق عليها سدى باطلاً بعبث إنفاقي هو أقرب للانتحار المالي؟!
ادرسوا الميزانية بنداً.. بنداً
على كل حال، إن الانفاق الاستثماري يراوح بحجمه في الميزانية بين 2.5 و3 مليارات دينار، فيما إجمالي الإنفاق يصل إلى 19 ملياراً، أي إن شق الإنفاق التنموي بمعناه الضيق ليس المطرح الأول والأخير للمعالجات التي يجب وبسرعة أن تبدأ في أمكنة ومطارح إنفاق أخرى وبالتوازي، إذا كانت نية «التصحيح» متوافرة وبقوة، مشفوعة بإرادة فاعلة.
والسؤال الطارح نفسه هو: هل تعمل وزارة المالية على درس كل أبواب ذلك الإنفاق بتأنٍ وتمحيص بالغ في كل بند؟ هل يمكنها البدء «وفوراً» بترشيد بنود يمكن أن ترشدها قبل أن تقول للناس إنها ستخفض الدعم؟ من لا يعرف أن ثمة أبواباً متضخمة يمكن تقليص شحومها مثل رواتب وامتيازات بــ10 آلاف و15 و20 ألف دينار شهرياً لمئات لا نعرف لهم أي انجاز، وأعمال ممتازة بنحو 200 مليون دينار، سواء تقدم الاقتصاد أو تأخر؟ وبنود تجهيزات وسيارات بمئات الملايين هنا وهناك وهنالك. من لا يعرف أن ثمة مصروفات لتفخيم مكانة وتبجيل موقع ومنصب هذا الوزير أوذاك القيادي. ناهيك عن أكلاف السفر وبدلات مئات اللجان الفارغة من أي فعل إصلاحي واضح.
على الحكومة إجراءات لتخفيض نفقة نفسها، لا سيما نفقات الاستهلاك والمظاهر.
أوليس هناك نفقات للترضيات وشراء الولاءات، نفقات تذهب بطلب من هذا لذاك.. إذا لجمت الحكومة الهدر بأساليب جراحية وحاربت الفساد بأدوات تضعها في يد لا رجفة فيها.. عندئذ يمكنها ان تطلب من المواطنين شد الحزام، وعندئذ فقط تستطيع ان تطلب منهم تضحيات في ترشيد الدعم ولجم زيادات الرواتب، لا بل تجميدها لعدة سنوات.
مثال
وإذا كان لا بد من مثال واحد فيه الكثير من التوفير في بنود الدعم البالغة 4 إلى 5 مليارات دينار.. يأتي النقاش على الباب أو البند الأكثر وزنا، أي دعم الوقود لمحطات الكهرباء والماء.
وهنا يتجدد طرح العمل سريعا على وضع شرائح للمستهلكين، تكون مقبولة شعبيا، لأن أي طرح مطلق لرفع رسوم الخدمات هذه سيلاقي معارضة فورية من رافعي شعارات الهدر والفساد التي تلقى رواجا لدى عموم المواطنين.
نظام الشرائح المطلوب، كما يجدر النقاش به وحوله حاليا، يقوم على مبادئ بسيطة مثل أن بيوت محدودي الدخل التي بمساحات معينة تُعفى كليا من الرسوم إذا كان استهلاكها للماء والكهرباء بحدود معينة مقبولة تكفيهم ولا تزيد على حاجتهم المعقولة. ثم تبدأ الرسوم ترتفع بشكل تصاعدي (بأضعاف التعرفة الحالية) كلما ارتفع الاستهلاك، بحيث نصل الى سعر يوازي التكلفة عند الحد الاقصى للاستهلاك.
لكن ربّ قائل إن الاستهلاك سينخفض بحيث لا تتولد ايرادات اضافية كبيرة! هنا نصفق جميعا ولا نحزن لأن نظام الشرائح غيّر عادات وتصرفات المسرفين والمبذرين الذين لم تنفع معهم حملات الترشيد التي كلفت عشرات الملايين التي ذهبت هدراً.
وعندما ينخفض الاستهلاك يتراجع حجم براميل النفط «المحروقة» لتوليد الكهرباء وتحيلة المياه، وهذا التراجع يمكن مؤسسة البترول من زيادة مبيعاتها للنفط لنحصل على ايرادات نفطية اضافية، أي إذا كنا نحتاج إلى 400 ألف برميل يومياً، سنجد مع نظام الشرائح اننا بحاجة إلى 300 ألف برميل أو أقل لإنتاج الكهرباء والماء.
خلاصة
إنه امتحان صعب، وصعب جداً. لكن الإحباط ممنوع أمامه. فكما ذكرت القبس في افتتاحية الأسبوع الماضي بعنوان «انخفاض النفط فرصة تاريخية». أجل، رُبَّ ضارة نافعة.. فالعجز ليس مالياً كما يحاول البعض اختزاله، إنه عجز هيكلي مزمن تحول مرضاً عضالاً لا تنفع معه مسكنات، بل يحتاج مبضع جراح لا يخاف لومة لائم ما دام قلبه على هذا البلد الحبيب.. الكويت.
3 مضار للأخذ بنصيحة الاقتراض كيفما اتفق
1 - الاستدانة بلا إصلاح هيكلي ومالي جذري تعرّ.ض سعر صرف الدينار لضغوط بغنى عنها.
2 - التوسع بالاقتراض غير المنتج يستهلك الاحتياطات.. تتآكل الأصول المالية ويزداد مناخ الاستثمار سوءا.
3 - تستسهل المصارف الاكتتاب بديون سيادية مضمونة.. فيجد القطاع الخاص نفسه بلا تمويل.
3 شروط للاستمرار في الإنفاق التنموي
1 - أن يكون المشروع بعائد مباشر أو غير مباشر في سلة تنويع الاقتصاد.
2 - خلق فرص عمل للكويتيين وليس لعمالة وافدة، لا سيما الهامشية منها.
3 - إشراك القطاع الخاص في المشاريع لزيادة مساهمته في الناتج وخلق قيمة مضافة حقيقية
© Al Qabas 2015








