يُعيد الذكاء الاصطناعي رسم حدود الممكن في الطب. وفي يوم الصحة العالمي 2026، الذي يُقام هذا العام تحت الشعار العالمي: «معًا من أجل الصحة. ادعموا العلم»، يبرهن باحثو جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي في أبوظبي على هذا المعنى بصورة عملية.

السباق نحو الكشف المبكر عن الزهايمر

بحسب منظمة الصحة العالمية، تظهر حالة جديدة من الخرف في مكان ما من العالم كل ثلاث ثوانٍ. لا يزال هذا المرض دون علاج شافٍ،  لكن المرحلة القادمة قد تشهد ظهور ما يوازي العلاج قيمة: إنذار مبكر يتيح التدخل في الوقت المناسب.

طوّر باحثون في جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي في أبوظبي نظام ذكاء اصطناعي باسم MAGNET-AD يمكنه التنبؤ بظهور مرض الزهايمر قبل حوالي عقدين من بدء ظهور أي أعراض على المريض. ويُعد هذا النظام خطوة مهمة في مجال الكشف المبكر، إذ يستخدم شبكة عصبية بيانية مكانية-زمانية لتحديد أنماط بيولوجية يصعب رصدها عبر التقييم السريري التقليدي. وتشير التقديرات إلى أن عدد حالات الخرف سيصل إلى 152 مليون حالة في العالم بحلول عام 2050، وفق دراسة مرجعية نشرتها مجلة «لانسيت للصحة العامة».

وقالت الباحثة في مرحلة الدكتوراه سلمى حسن: «يمثل الكشف المبكر كل شيء في حالة الأمراض التي لا علاج لها». وقد طوّر فريقها أيضًا نظامًا مكمّلًا يحمل اسم ClinGRAD يحلل في الوقت نفسه صور الرنين المغناطيسي للدماغ، والبيانات الجينومية، والسجلات السريرية، لتصنيف الأنواع الفرعية للخرف بدقة بلغت 98.75%. وقد خضع هذا العمل لمراجعة الأقران ونُشر ضمن أعمال مؤتمر MICCAI 2025، أحد أرفع المؤتمرات العالمية في التصوير الطبي، كما جرى تقييمه على مجموعة بيانات ANMerge متعددة المراكز والوسائط لإثبات متانته عبر مجموعات سكانية متنوعة من المرضى. وتكتسب هذه الدرجة من الدقة أهمية بالغة في مجال قد يؤدي فيه تشخيص الخرف إلى خفض متوسط العمر المتوقع بما يتراوح بين 3 و30 عامًا تبعًا لعمر بدء المرض، وفق مراجعة منهجية نُشرت في يناير 2025 في BMJ وشملت أكثر من خمسة ملايين مريض.

ويُعد هذا العمل المتعلق بالزهايمر واحدًا من خمسة مجالات تساهم فيها جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، أول جامعة بحثية للدراسات العليا المتخصّصة بالذكاء الاصطناعي على مستوى العالم، في توسيع آفاق القدرات الطبية. وفي يوم الصحة العالمي هذا، تمثل هذه الحصيلة البحثية مثالًا لافتًا على السرعة التي ينتقل بها الذكاء الاصطناعي من الأوراق العلمية إلى الأثر الواقعي.

شبكية العين نافذة مفتوحة على صحة الجسم

من أكثر الاكتشافات التي قد تبدو غير بديهية في الطب الحديث أن بعض أكثر الإشارات الدالة على صحة الجسم يمكن رصدها عبر شبكية العين.

وقد أظهر باحثو الجامعة في مستشفى كليفلاند كلينك أبوظبي العام الماضي أن فحصًا بسيطًا للعين يمكنه رصد المؤشرات المبكرة لمرض السكري وارتفاع ضغط الدم والزهايمر وأمراض القلب، من دون تدخل جراحي وقبل أن يشعر المريض بأي أعراض. وتبرز انعكاسات هذا التطور على فحوصات الصحة العامة على مستوى السكان في دولة الإمارات، حيث يقدّر الاتحاد الدولي للسكري أن مرض السكري يصيب نحو 16% من السكان البالغين، وهي من بين أعلى النسب عالميًا.

وبالتوازي مع ذلك، يطوّر الفريق أنظمة ذكاء اصطناعي تجمع بين تصوير الأوعية الدموية في الشبكية وبيانات تخطيط القلب الكهربائي للكشف المبكر عن قصور القلب. وعلى حدّ وصف الباحثين، فإن هذه الأنظمة مصمّمة لا تهدف إلى استبدال الأطباء،  بل لتقديم رأي إضافي رقمي يلتقط ما قد يفوت الملاحظ في الظروف المعتادة.

رعاية صحية باللغة المحلية

بالنسبة إلى ملايين الأشخاص في الشرق الأوسط وأفريقيا، لا يقتصر ضعف الوصول إلى رعاية صحية عالية الجودة على عائق المسافة فحسب، بل تعوقه أيضًا حواجز اللغة والثقافة الصحية، والتي ما تزال إلى حدّ كبير من دون معالجة كافية. وتمّ تصميم «الطبيب العربي الذكي» من قبل جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، والمدعوم بعائلة BiMediX من نماذج الذكاء الاصطناعي الطبي التي طورها داخليًا الدكتور هشام شولاكال وفريقه، لسد هذه الفجوة. وقد حصد المشروع عدة أوسمة دولية، من بينها: «جائزة ميتا لاما للابتكار المؤثر» Meta لعام 2024، و«منحة إنفيديا الأكاديمية» NVIDIA لعام 2025.

وتقوم هذه المنظومة على BiMediX، وهو نموذج لغوي طبي كبير بالعربية والإنجليزية يتيح فهمًا طبيًا موثوقًا وتواصلًا فعالًا بين اللغات المختلفة، وقد جرى تحميله أكثر من 140,000 مرة على منصة Hugging Face، وانطلاقًا منه، يوسّع BiMediX2 قدرات النظام لتشمل فهم الصور الطبية مثل الأشعة السينية والرنين المغناطيسي والتصوير المقطعي المحوسب، مع دعم اللغتين العربية والإنجليزية. ثم تعززت القدرات لاحقًا من خلال MediX-R1 وMedAgentSim، بما يحسّن الاستدلال السريري ويتيح تفاعلًا أكثر ديناميكية مع المرضى عبر سيناريوهات رعاية صحية متنوعة. ومؤخرًا، وفي مشروع جارٍ حاليًا، وُسِّعت القدرات اللغوية للنموذج لتشمل اللغة الهندية، التي يتحدث بها أكثر من 600 مليون شخص حول العالم، وذلك بدعم من منحة البحوث التأسيسية المشتركة بين جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي ومعهد الابتكار التكنولوجي.

ونشر الفريق أبحاثه في مؤتمرات رائدة في الذكاء الاصطناعي والطب، بما في ذلك EMNLP وMICCAI، كما أتاح نماذجه وبياناته وشفراته البرمجية كمصادر مفتوحة، انسجامًا مع التزام جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي بتعزيز مسيرة أبحاث الذكاء الاصطناعي في منطقة الشرق الأوسط وعلى مستوى العالم. ومن خلال دمجه في منصات مثل تليجرام وتطبيقات الهواتف المحمولة، ودعمه للتفاعل النصي والصوتي على حد سواء، صُمم النظام للوصول إلى المستخدمين من ذوي الثقافة الصحية المحدودة في المجتمعات النائية والمحرومة من الخدمات، وتقديم إرشادات طبية أولية بلغتهم وعلى مدار الساعة.

ستة ملايين سبب لإتقان فحوصات الموجات فوق الصوتية

وفقًا لمنظمة الصحة العالمية، تؤثر التشوهات الخِلقية في نحو مولود واحد من كل 33 مولودًا حول العالم، أي ما يقارب ستة ملايين حالة سنويًا. وقد أمضى البروفيسور المشارك محمد يعقوب مسيرته المهنية في تضييق هذه الفجوة. وانتقلت تقنيته ScanNav، وهي أول نظام معتمد تنظيميًا في العالم لتقييم فحوصات تشوهات الأجنّة بالذكاء الاصطناعي، من مختبر في أكسفورد إلى الحصول على موافقة إدارة الغذاء والدواء الأمريكية، ثم إلى التطبيق عبر الشبكة العالمية لشركة جنرال إلكتريك للرعاية الصحية، وهي اليوم تدعم رعاية ملايين النساء سنويًا. وفي جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، تطور هذا العمل ليصبح نموذج FetalCLIP، وهو نموذج ذكاء اصطناعي دُرِّب على أكثر من 210,000 صورة بالموجات فوق الصوتية، ضمن أكبر مجموعة بيانات من نوعها، وقادر على كشف عيوب القلب لدى الأجنّة وتقديم قياسات تشريحية دقيقة بسرعة ودقة غير مسبوقتين. وطوّر الفريق لاحقًا نموذج MobileFetalCLIP، الذي يقدّم القدرات نفسها التي يتيحها FetalCLIP ضمن نموذج خفيف الوزن صُمم للعمل على الأجهزة الطرفية، ما يوسّع نطاق استخدامه ليشمل البيئات محدودة الموارد التي تشتد فيها الحاجة إلى فحوص موثوقة للأجنّة.

محاكاة للحياة نفسها

في نوفمبر 2025، فازت جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي وشركة GenBio AI بجائزة الإمارات للذكاء الاصطناعي ضمن فئة «البحث العلمي في الذكاء الاصطناعي» عن عملهما على مشروع الكائن الرقمي المدعوم بالذكاء الاصطناعي AIDO، وهو محاكاة واسعة النطاق لعلم الأحياء البشري، تمتد من نشاط الجينات وسلوك البروتينات إلى وظائف الخلايا وأنظمة الأعضاء. ويمكن للنماذج التأسيسية الخاصة بالمشروع، المعنية بالحمض النووي DNA، والحمض النووي الريبي RNA، والبروتين، والخلايا، التنبؤ بخصائص الجزيئات والخلايا، فيما يستطيع المحوّل العام للتعبير الجيني GET التنبؤ بكيفية سلوك الجينات في ظروف محددة قبل إجراء أي تجربة مخبرية. الهدف هو جعل اكتشاف الأدوية أسرع وأكثر أمانًا وأقل كلفة، وصولًا إلى بناء فهم جذري لما يحرّك المرض من أساسه.

توضح هذه الاختراقات مجتمعة معنى «دعم العلم» على أرض الواقع، لا على مستوى المبدأ فحسب. وفي أبوظبي، ومع جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، بدأ هذا المستقبل يتشكل بالفعل.

-انتهى-

#بياناتشركات