بعد عام 2023 الذي صنعت فيه كرة القدم السعودية الحدث وخطفت الأضواء، ليس فقط من مثيلاتها في المنطقة ولكن في العالم أجمع، أتت قرارات ما يسمى بلجنة الاستقطاب في الدوري السعودي للمحترفين مع بداية العام الجديد لتثير بعض الشكوك حول استمرارية هذا المشروع، ولو بصورة مؤقتة.

ولجنة الاستقطاب هي اللجنة المسؤولة عن التعاقد مع اللاعبين فيما يخص الأندية التابعة لصندوق الاستثمارات العامة، الصندوق السيادي للمملكة، وهي تحديدا الرباعي الهلال والنصر والاتحاد والأهلي. 

وتضم اللجنة مجموعة من خبراء تطوير كرة القدم من داخل وخارج المملكة، بينما يرأسها النيجيري مايكل إيمينالو، وهو لاعب كرة معتزل، وسبق له العمل كمدير رياضي لناديي تشيلسي الإنجليزي وموناكو الفرنسي. وقاد إيمينالو ثورة رياضية في الناديين مما دعا وسائل الإعلام الأوروبية لوصفه في فترة سابقة بأنه "أقوى إداري في عالم كرة القدم".

وعبر العام الماضي ساهمت اللجنة في ضم أسماء عملاقة للأندية الأربعة، على غرار البرتغالي كريستيانو رونالدو أفضل لاعب في العالم خمس مرات والذي انضم للنصر، والفرنسي كريم بنزيما الذي يلعب للاتحاد، والبرازيلي نيمار الذي انضم لصفوف الهلال، وغيرهم من النجوم الذين انتقلوا للدوري السعودي بصفقات اقتربت من حد المليار يورو، كما أشرنا في تقرير سابق.

توقعات وواقع مختلف

مع بداية العام الجديد وفتح باب الانتقالات الشتوية الذي يستمر حتى نهاية يناير الجاري، كانت هناك الكثير من التوقعات بقيام الرباعي المملوك لصندوق الاستثمارات العامة بالمزيد من الصفقات القوية، مع تردد أسماء مثل المصري محمد صلاح نجم ليفربول الإنجليزي، والبلجيكي كيفين دي بروين لاعب مانشستر سيتي، والفرنسي رافاييل فاران مدافع مانشستر يونايتد، وغيرهم.

لكن التقارير الواردة من المملكة أكدت أن لجنة الاستقطاب اتخذت قرار بعدم تمويل أي صفقات للرباعي الهلال والنصر والاتحاد والأهلي في سوق الانتقالات الشتوية الجاري، على أن تقوم الأندية الراغبة في ضم صفقات بتمويلها من حسابها الخاص، أو بدعم أعضاء مجلس الإدارة ومحبي الأندية، بشرط الحصول على إذن وموافقة من لجنة الاستقطاب أولا.

القرار جاء ليمثل صدمة لعدد من الأندية، على رأسها الاتحاد بطل الدوري السعودي الموسم الماضي، حيث كانت إدارة الفريق الذي يتخذ من جدة مقر له تأمل في ضم المزيد من نجوم الصف الأول، خاصة بعد البداية السيئة للفريق في الدوري السعودي هذا الموسم، وخروجه من ربع نهائي بطولة كأس العالم للأندية بخسارة كبيرة أمام الأهلي المصري.

وضع اللاعبين

وفي الوقت نفسه، ترددت أنباء عن عدم رضا مجموعة من اللاعبين الذين انضموا للدوري السعودي في الموسم الحالي عن الوضع في أنديتهم.

ويتعلق الأمر تحديدا بالفرنسي كريم بنزيما نجم الاتحاد، والذي كان عرضة لانتقادات كبيرة من جماهير فريقه عقب خسارة الاتحاد من الأهلي المصري في كأس العالم للأندية، وهي المباراة التي أهدر فيها بنزيما ركلة جزاء، ثم خسارة الاتحاد القاسية من النصر بخمسة أهداف لهدفين، ما دفع بنزيما لمغادرة المملكة في إجازة وإغلاق صفحاته على مواقع التواصل الاجتماعي. كما ذكرت تقارير أن الإنجليزي جوردان هندرسون لاعب  فريق الاتفاق غير راض عن وجوده في الدوري السعودي بسبب ضعف المنافسة، ورغبته في العودة من جديد للدوري الإنجليزي الممتاز أو لأحد الدوريات الأوروبية الأخرى.

وتزامنا مع قرار لجنة الاستقطاب، أعلنت وزارة الرياضة السعودية بداية المرحلة الثانية من مشروع تخصيص الأندية الرياضية الذي أطلقه ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، لتحفيز القطاع الخاص على الاستثمار في قطاع الرياضة.

المشروع الذي انطلق في يونيو 2023 باستحواذ صندوق الاستثمارات العامة على أربعة أندية يدخل مرحلته الثانية بالسماح لجهات سعودية وخارجية بالاستثمار في أندية أخرى بالإضافة للرباعي الهلال والنصر والاتحاد والأهلي، وذلك بعدما أعلنت وزارة المالية السعودية خلال إعلان الموازنة العامة للمملكة أن 14 نادي رياضي انتقلت ملكيتهم بالفعل إلى القطاع الخاص.

إلا أن بيان الموازنة لم يتضمن ميزانية الأندية الأربعة المملوكة لصندوق الاستثمارات العامة، حيث أعلن وزير المالية السعودي محمد الجدعان أن ميزانية الرباعي ستعود للصندوق مباشرة. كما أكد الجدعان أن بقية الأندية التي سيتم تخصيصها ربما تخضع بدورها لصندوق الاستثمارات العامة، لكن القرار النهائي بهذا الشأن لم يتم حسمه بعد.

 وبحسب ما تم الإعلان عنه في يونيو الماضي، يستهدف مشروع تخصيص الأندية السعودية لتطوير كرة القدم في المملكة، والوصول بالدوري السعودي للمحترفين لقائمة أفضل 10 دوريات في العالم، بالإضافة لزيادة إيرادات رابطة الدوري السعودي إلى 1.8 مليار ريال سنويا، ومضاعفة القيمة السوقية للدوري إلى ما يعادل 8 مليار ريال سعودي.

وقدر موقع "ترانسفير ماركت" المختص بالقيمة السوقية للانتقالات بأندية كرة القدم، القيمة السوقية للدوري السعودي للمحترفين هذا الموسم (2023-2024) بما يعادل 4.8 مليار ريال سعودي تقريبا، بينما كانت هذه القيمة في الموسم السابق له 2022-2023 تقدر بما يوازي 1.4 مليار ريال سعودي.

وبالرغم من قرار لجنة الاستقطاب بعدم تمويل أي صفقات للرباعي المملوك لصندوق الاستثمارات في فترة الانتقالات الشتوية الحالية، إلا أن خبراء يتوقعون أن تتراجع اللجنة عن هذا القرار بحلول موسم الانتقالات الصيفي المقبل، خاصة بعد الزخم الكبير الذي صاحب انتقال مجموعة من نجوم الصف الأول للدوري السعودي.

توقع عززته تصريحات النجم البرتغالي كريستيانو رونالدو لشبكة القنوات الرياضية السعودية SSC في بداية عام 2024، حين أكد رونالدو أن وجوده في الدوري السعودي كان الدافع وراء قدوم المزيد من النجوم للمملكة. وكرر رونالدو ما قاله سابقا بأن الدوري السعودي سيكون أحد أكبر خمس دوريات في العالم، متوقعا قدوم المزيد من النجوم سواء في الانتقالات الشتوية الحالية أو في الموسم المقبل.

وما بين خصخصة منتظرة للمزيد من الأندية، وصدام محتمل بين رباعي الكبار ولجنة الاستقطاب، يبقى الدوري السعودي للمحترفين صانع للحدث في كرة القدم الإقليمية والعالمية لفترة يبدو أنها لن تنتهي قريبا.

 

(إعداد: عادل كُريّم، المنسق الإعلامي السابق للاتحاد الإفريقي لكرة القدم)

( للتواصل zawya.arabic@lseg.com)