PHOTO
لم تكن ردة فعل الأسواق العربية على اتفاق وقف إطلاق النار المؤقت بين الولايات المتحدة وإيران مجرد ارتفاعات سعرية عابرة، بل بدت أقرب إلى انفراجة سيولة حقيقية بعد أسابيع من التسعير القاسي للمخاطر الجيوسياسية.
فخلال فترة الحرب، لم تكن الخسائر تتركز فقط في مؤشرات الأسهم، بل امتدت إلى شهية المستثمرين، أحجام التداول، تسعير أدوات الدين، وحتى إلى حركة العملات في بعض الاقتصادات الأكثر حساسية للصدمات الخارجية.
وعندما أُعلن اتفاق الهدنة المؤقتة بين أمريكا وإيران في الثامن من أبريل، ولو بصيغة هشة، التقطت الأسواق الرسالة بسرعة: تراجع احتمال التصعيد الواسع، انخفاض مخاطر تعطل الملاحة والطاقة لمدة أطول، وبدأت المحافظ الاستثمارية تعيد بناء مراكزها في الأسهم والسندات معا.
عودة غير متوازية، ولكن سريعة
كان هذا لافت بصورة كشفت حجم الأموال التي كانت تقف على الهامش بانتظار أي إشارة تهدئة.
فالسوق لم يتعامل مع الهدنة على أنها نهاية أخيرة للمخاطر، بل على أنها تخفيف فوري لعلاوة الخوف التي تضخمت خلال الحرب.
لذلك رأينا انتقال شبه متزامن من وضعية الدفاع إلى وضعية إعادة التموضع: الأسهم ارتدت بقوة، النفط تراجع بعدما كان قد اندفع فوق مستويات مقلقة، وعادت بعض التدفقات إلى أدوات الدين المحلية في الاقتصادات العربية التي تعرضت لعمليات تخارج خلال أسابيع التوتر.
الخليج
دبي
كان سوق دبي المالي في صدارة مشهد الارتداد.
فقد قفز مؤشر سوق دبي المالي بنحو 6.9% في جلسة 8 أبريل، وهو أكبر صعود يومي له منذ مارس 2020، مع قيمة تداول ناهزت 660 مليون دولار، قبل أن تعتدل أحجام التداول بين 200 و400 مليون دولار في الأيام اللاحقة بين 9 و15 أبريل.
لم يكن هذا الارتفاع مجرد تحسن فني، بل جاء مدفوع بعودة واضحة إلى الأسهم القيادية، وعلى رأسها إعمار، الإمارات دبي الوطني والعربية للطيران، وهي أسماء ترتبط عادة بتقدير المستثمرين لاتجاهات الاقتصاد وتحديدا محركاته الأساسية: السياحة، التمويل وحركة الأعمال، وليس فقط بالمضاربة قصيرة الأجل.
ولهذا يمكن القول إن الاتفاق لم "يخلق" السيولة من العدم، بل أطلق سيولة كانت معلقة على شرط سياسي - أمني واضح.
أبوظبي
سوق أبوظبي للأوراق المالية بدورها سجلت ارتداد جيد، إذ ارتفع مؤشرها بنحو 3.7% في جلسة الاتفاق، أي في 8 أبريل، مع قيمة تداول تخطت 705 مليون دولار، وهي قفزة كبيرة لسوق تُعرف عادة بدرجة أقل من التذبذب مقارنة بسوق بدبي.
وعندما تتحرك سوق بهذا الحجم بهذه السرعة، فهذا يعكس أن جزء لا بأس به من المستثمر المؤسسي خفض خصم المخاطر الجيوسياسية على الأصول المدرجة، ولاسيما في قطاعات البنوك والعقار والطاقة. ولكن سرعان ما عاود مؤشر الأسعار الدخول في خانة المراوحة مع أحجام تداول أكثر اعتدالا تراوحت بين 250 و442 مليون دولار في الفنرة من 9 إلى 15 أبريل.
السعودية
صعد مؤشر السوق الرئيسية تاسي بنحو 2.3% في جلسة 8 أبريل، وهي من أقوى مكاسبه اليومية في عدة أشهر، مع قيمة تداول تخطت 2.25 مليار دولار.
ورغم أن السوق السعودية أكبر وأكثر تنوعا، فإنها لم تكن معزولة عن المزاج الإقليمي العام.
فمع تراجع المخاوف المباشرة على إمدادات الطاقة ومرور التجارة عبر مضيق هرمز، أعاد المستثمرون تقييم أثر الحرب على أرباح الشركات وعلى الإنفاق والسيولة المحلية.
وبما أن السوق السعودية تمثل الوزن الأكبر عربيا من حيث القيمة السوقية وعمق قاعدة المستثمرين، فإن ارتدادها ساعد في إعطاء الإشارة بأن موجة التعافي ليست محصورة في سوق أو سوقين، بل تشمل الإقليم ككل. أما في الأيام اللاحقة والممتدة من 9 إلى 15 أبريل، فقد سجل مؤشر الأسعار مراوحة نسبية، مع أحجام تداول تراوحت بين 920 مليون دولار و2 مليار دولار.
مصر
رغم اختلاف هيكل اقتصادها وحساسيتها الأعلى لصدمات التمويل والطاقة وسعر الصرف، فقد استفادت من تحسن المزاج العام بكل ملفت.
سجل مؤشر EGX30 مكاسب قوية في جلسة 8 أبريل، بارتفاع قدره 4.1% مع قيمة تداول تجاوزت 1.2 مليار دولار، واستمرت تدريجياً في تسجيل مستويات كبيرة وصلت إلى حدود 4.9 مليار دولار في جلسة 14 أبريل، مع تحسن شهية المخاطرة الإقليمية، في وقت كانت فيه القاهرة قد عانت سابقا من خروج جزء من استثمارات الأجانب من أدوات الدين المحلية مع تصاعد الحرب.
وقد خرجت نحو 5 إلى 8 مليارات دولار من أدوات الدين المحلية من مصر منذ بداية الحرب، بحسب تقارير صحفية ومراقبين للسوق. ولذلك، فإن أي عودة جزئية لهذه الأموال بعد الهدنة كانت كافية لإحداث فرق سريع في السوق النقدية، سوق الصرف وأدوات الدين.
(إعداد: فادي قانصو، الأمين العام المساعد ومدير الأبحاث في اتحاد أسواق المال العربية، خبير اقتصادي وأستاذ جامعي، تحرير: ياسمين صالح، مراجعة قبل النشر: شيماء حفظي)
#تحليلسريع
للاشتراك في تقريرنا الأسبوعي الذي يتضمن تطورات الأخبار الاقتصادية والسياسية، سجل هنا








