استعرضنا في تقرير سابق التفاصيل والأسباب لردة فعل الأسواق العربية على اتفاق وقف إطلاق النار المؤقت بين الولايات المتحدة وإيران الذي بدأ في 7 أبريل. للتفاصيل اضغط هنا.

وسنحلل في هذا الجزء لماذا كانت عودة الأجانب إلى سندات الدين وأذون الخزانة في المنطقة سريعة إلى هذه الدرجة؟

السبب الأول – مصر كمثال

هذه التدفقات بطبيعتها شديدة الحساسية للمخاطر الجيوسياسية. المستثمر الأجنبي في الدين المحلي لا يبحث فقط عن عائد اسمي مرتفع، بل عن معادلة متكاملة تشمل استقرار العملة، السيولة الثانوية، إمكانية الخروج السريع، وإدارة المخاطر.

وخلال الحرب، اختل أحد أهم أضلاع هذه المعادلة، وهو قابلية التنبؤ. أما بعد الهدنة، فقد عاد جزء من هذا اليقين النسبي، ولو مؤقتا، فعادت الأموال السريعة إلى اختبار السوق من جديد.

في مصر تحديدا، ظهرت آثار هذا التحول بسرعة أكبر من المعتاد.

فاستنادا إلى بيانات البورصة المصرية، نفذ المستثمرون الأجانب صافي مشتريات في أذون الخزانة بنحو 70.3 مليار جنيه، أي ما يعادل قرابة 1.34 مليار دولار، في 14 أبريل بعد أسبوع واحد فقط من قرار وقف إطلاق النار الذي سرعان ما لقب بالهش.

 وساهم هذا في دعم الجنيه المصري. وحتى إذا تعاملنا بحذر مع هذه القفزة على أنها تعكس جزء من ارتداد فني وجزء من إعادة بناء مراكز بعد موجة بيع سابقة، فإن الرسالة واضحة: الأموال الساخنة لا تحتاج وقت طويل للعودة عندما تتراجع احتمالات الخطر، خصوصا في سوق تقدم عوائد حقيقية مرتفعة نسبيا مقارنة بأسواق ناشئة أخرى.

أما تراجع العوائد، فهو النتيجة الطبيعية لعودة الطلب. فعندما يزداد الإقبال على أدوات الدين الحكومية، ترتفع أسعارها وتنخفض عوائدها.

وفي الأسواق التي كانت قد شهدت موجة بيع بدافع الخوف، مثل سوق الدين المحلي المصري، يصبح أي تحول في المعنويات قادر على ضغط العائد بسرعة. هذا ما يفسر لماذا بدا الانخفاض في العائد سريع نسبياً بعد الهدنة وهو ما يمكن ان نفسره في شكل معادلة:

 استعداد المستثمر لقبول عائد أقل عندما تراجعت احتمالات اضطراب أوسع في المنطقة +  بقاء أسعار الفائدة المحلية عند مستويات جذابة جداً بالقياس إلى التضخم المتوقع = عودة المستثمر الذي كان يطلب علاوة مخاطرة مرتفعة قبل أيام.

ولكن لنكون صرحاء، الأمر لا يتعلق بالعائد وحده، بل أيضا بسعر الصرف.

فحين خرجت الأموال الأجنبية من أدوات الدين المحلية خلال ذروة التوتر، تعرض الجنيه المصري لضغوط إضافية، لأن جزء من الطلب على الدولار جاء من مستثمرين يريدون الخروج.

لكن مع عودة التدفقات، انعكس جزء من هذه الحركة. وهذا يبرز بوضوح كيف أن أدوات الدين في بعض الأسواق العربية، وخصوصا مصر وهو مثلنا هنا، لم تعد مجرد ملف تمويل حكومي، بل تحولت إلى قناة لانتقال أثر الجغرافيا السياسية إلى سعر الصرف والسيولة النقدية وكلفة الاقتراض في آن واحد.

عودة غير كاملة

من الخطأ قراءة ما حدث على أنه عودة كاملة إلى ما قبل الأزمة. فالهدنة التي أطلقت موجة الارتداد كانت منذ البداية موصوفة بأنها هشة، وأن الأسواق بقيت شديدة الحساسية لأي إشارة إلى تعثر المحادثات أو عودة التوتر حول الملاحة، التجارة والنفط.

وبالفعل، ما إن ظهرت شكوك حول صلابة التفاهم حتى عادت بعض الأسواق إلى التذبذب، وارتفع النفط مجدداً في بعض الجلسات، وتبدّلت شهية المستثمرين بين يوم وآخر. هذا يعني أن ما شهدناه هو إعادة تسعير إيجابية، نعم، لكنها مشروطة سياسياً وليست مستقرة بالكامل بعد.

رسالة واضحة

لكن حتى مع هذا التحفظ، تبقى الرسالة الأساسية من التحرك الأخير واضحة للغاية: السيولة في البورصات العربية لم تكن غائبة بسبب ضعف داخلي في أساسيات الأسواق فقط، بل لأن علاوة الخوف الجيوسياسي أصبحت أعلى من قدرة المستثمر على تجاهلها.

وعندما انخفضت هذه العلاوة، ولو مؤقتاً، ظهر سريعاً أن كثير من الأسواق العربية لا تزال تحتفظ بقدرة قوية على جذب التدفقات، سواء في الأسهم أو في أدوات الدين. بمعنى آخر، الهدنة لم تصنع قصة استثمار جديدة، لكنها أعادت فتح الباب أمام القصص الاستثمارية الموجودة أصلاً والتي تعطلت مؤقتاً تحت ضغط الحرب.

ارتباط وثيق

من هنا يمكن فهم الارتباط الوثيق بين البورصات وأدوات الدين في هذه المرحلة.

فارتفاع قيم التداول في أسواق الأسهم، وعودة الأجانب إلى السندات وأذون الخزانة، وانخفاض العوائد، كلها لم تكن ظواهر منفصلة، بل تعبيرات مختلفة عن عامل واحد: تراجع علاوة المخاطر الإقليمية.

وعندما تنخفض هذه العلاوة، تتحسن شهية المستثمر للأسهم لأنه يرى مجال لاستعادة التقييمات، ويعود إلى الدين لأنه يكتشف أن العائد الحقيقي ما زال مغري، ويتراجع الضغط على العملة لأن التدفقات تعود، وتستفيد الحكومات لأن كلفة الاقتراض تهبط ولو جزئياً.

الدرس الأبرز

خلاصة المشهد أن الهدنة بين واشنطن وطهران فعلت في أيام قليلة ما لم تستطع كثير من العوامل الاقتصادية فعله خلال أسابيع: أعادت الثقة إلى التداول، أطلقت موجة شراء واسعة في الأسهم العربية، وأعادت الأجانب سريعاً إلى أدوات الدين، مما ضغط على العوائد نزولاً.

غير أن التحدي الحقيقي ليس في ارتداد جلسة أو أسبوع، بل في قدرة التهدئة على التحوّل إلى مسار أكثر رسوخا.

فإذا ثبتت التهدئة، يمكن أن تتحول هذه السيولة من ارتداد تكتيكي إلى تدفقات أكثر استدامة. أما إذا عادت المنطقة إلى دوامة التصعيد، فستعود الأموال نفسها إلى سلوكها الدفاعي السريع. وحتى إشعار آخر، يبقى الدرس الأبرز أن الأسواق العربية كانت مستعدة للصعود، لكنها كانت تنتظر فقط انخفاض كلفة الخوف.

(إعداد: فادي قانصو، الأمين العام المساعد ومدير الأبحاث في اتحاد أسواق المال العربية، خبير اقتصادي وأستاذ جامعي، تحرير: ياسمين صالح، مراجعة قبل النشر: شيماء حفظي)

#تحليلسريع

للاشتراك في تقريرنا الأسبوعي الذي يتضمن تطورات الأخبار الاقتصادية والسياسية، سجل هنا