تحدثنا في تقرير سابق عن التفاصيل بالأرقام عن أداء مؤشر MSCI للأسواق الناشئة خلال فترة الحرب الإيرانية ونستعرض هنا تحليل مفصل، ولكن سريع للأرقام والأداء.

أظهرت الأرقام عنف الصدمة الأولى للحرب ولكنها لم تستمر طويلا.

فكما قلنا في الجزء الأول وباستخدامiShares MSCI Emerging Markets ETF (EEM)  كمؤشر ، يُظهر أن الصندوق المرتبط بمؤشر MSCI للأسواق الناشئة أغلق أول جلسة تداول في مارس وتحديداً في 2 مارس عند نحو 61.5 دولار ثم بلغ56.8  دولار في 31 مارس، قبل أن يرتفع إلى نحو 63.4  دولار في 23 أبريل.

وهذا يعني أن السوق خسر قرابة 7.7% خلال مارس وفق هذا المقياس السوقي، ثم ارتد بنسبة أكبر بلغت نحو 11.6% من نهاية مارس حتى 23 أبريل، ليصبح صافي الأداء منذ بداية مارس وحتى 23 أبريل قريباً من +3.1%.

وإذا اعتمدنا 3 مارس كنقطة انطلاق بعد الانعكاس الحاد في 2 مارس، وهو أول يوم بعد عطلة نهاية الأسبوع التي بدأت خلالها الحرب، فإن المكسب يقترب من 8.5%.

ويوضح لنا هذا أن الأسواق الناشئة لم تبق أسيرة الهلع، بل أعادت بناء جزء مهم من خسائرها خلال أسابيع قليلة. وسنحلل هذا على 4 أقسام.

ما الذي يفسر هذا التعافي السريع نسبياً؟

أولاً

مؤشر MSCI للأسواق الناشئة ليس كتلة متجانسة، بل هو تركيبة تميل اليوم بدرجة كبيرة نحو آسيا التكنولوجية أكثر من ميلها إلى الاقتصادات الهشة فقط.

فتظهر بيانات MSCI حتى 31 مارس 2026 أن أكبر وزن منفرد في المؤشر هوTSMC  بنسبة 13.3%، تليهاSamsung Electronics  بنسبة 5.1%، ثمTencent  بنسبة 3.9%، وSK Hynix  بنسبة 2.8%، إلى جانب أسماء آسيوية كبرى أخرى.

بمعنى آخر، فإن المؤشر لا يعكس فقط قصة أسواق ناشئة تتأذى من النفط، بل أيضاً قصة أسواق ناشئة تستفيد من دورة الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات.

وهذا العامل كان مهم جداً في أبريل، خصوصاً بعد أن رفعت TSMC  توقعاتها للإيرادات والإنفاق الرأسمالي بدعم من الطلب القوي على رقائق الذكاء الاصطناعي، وهو ما دعم المزاج الاستثماري تجاه آسيا الناشئة عموماً.

ثانياً

إن أثر الحرب على الأسواق الناشئة كان غير متماثل بين دولة وأخرى.

فالدول المستوردة للطاقة، وفي مقدمتها الهند وعدد من اقتصادات آسيا، كانت أكثر حساسية لقفزة النفط، لأن ارتفاع الخام يزيد من التضخم، ويُضعف العملات المحلية، ويضغط على هوامش الشركات والمالية العامة.

وقد انعكس ذلك بوضوح في خفض HSBC توصيته للأسهم الهندية إلى "أقل من الوزن" في 23 أبريل، مع الإشارة إلى أن خام برنت ارتفع بأكثر من 42% منذ أواخر فبراير متجاوزاً 100 دولار للبرميل، بما يهدد نمو الأرباح والطلب المحلي في بلد يُعد ثالث أكبر مستورد للنفط في العالم.

في المقابل، كانت أسواق أخرى أقل هشاشة، إما بسبب احتياطيات طاقة أكبر، أو تنوع اقتصادي أوسع، أو وزن مرتفع لقطاع التكنولوجيا فيها، أو استفادتها من تبدل شهية المستثمرين نحو الأسواق الأرخص تقييماً.

وبالتالي، لم يعد السؤال هو: هل ستتراجع الأسواق الناشئة كلها؟ بل: أي جزء من الأسواق الناشئة سيتراجع، وأي جزء سيقود التعافي؟

ثالثاً

لعب الدولار الأميركي دور في تخفيف وطأة الحرب على المؤشر.

فمن المعروف أن الأسواق الناشئة تتنفس مالياً عندما يضعف الدولار، لأن ذلك يخفف كلفة التمويل الخارجي، يدعم العملات المحلية، ويجعل الأصول الدولية أكثر جاذبية للمستثمرين العالميين.

وخلال أبريل، ضعف الدولار على خلفية انحسار جزء من علاوة المخاطر الجيوسياسية، وأوضحت بيانات معهد التمويل الدولي في مارس أن ضعف الدولار كان قد دعم العوائد على أدوات الدين المحلية والأجنبية في الاقتصادات الناشئة.

صحيح أن الحرب رفعت التقلبات وقلصت بعض التدفقات، لكن الاتجاه الأوسع للدولار بقي عامل توازن مهم، ومنع تحول صدمة النفط إلى أزمة أعمق في كل مكونات الأسواق الناشئة دفعة واحدة. لهذا السبب، يمكن القول إن أداء MSCI للأسواق الناشئة في هذه الفترة كان نتيجة شد بين قوتين: صدمة النفط من جهة، وتنفس الدولار الأضعف من جهة أخرى.

رابعاً

ينبغي الانتباه إلى أن التعافي الذي شهدناه في أبريل لم يعني بالضرورة زوال الخطر، بل عن إعادة تسعير أكثر براغماتية للمخاطر. فالمستثمرون أدركوا مع الوقت أن الحرب، رغم خطورتها، لا تعني بالضرورة انهيار فوري في ربحية كل الشركات الناشئة، ولا توقف كامل للتجارة العالمية.

كما أن بعض الأسواق الكبرى، وعلى رأسها الصين، أظهرت حتى منتصف أبريل قدرة أولية على امتصاص جزء من الصدمة. فقد أظهرت ببيانات نمو الاقتصاد الصيني بنسبة 5%خلال الربع الأول على أساس سنوي، عند الحد الأعلى من مستهدف الحكومة، وأن الأثر المباشر للحرب لم يظهر بالكامل بعد على جانب النشاط، لاسيما في الأجل القصير.

صحيح أن بكين ما زالت تواجه مخاطر الطلب الخارجي وارتفاع الطاقة، لكن مجرد بقاء الاقتصاد الصيني متماسك في بداية الأزمة أعطى دعم معنوي مهم للمؤشر، بحكم الوزن الصيني الكبير داخله، حتى مع استمرار الضغوط على بعض القطاعات.

الصورة وردية أم لا؟

ليست وردية بالكامل.

فصندوق النقد الدولي، في تقرير آفاق الاقتصاد العالمي لأبريل 2026، كان واضح في أن تباطؤ النمو وارتفاع التضخم سيكونان أكثر وضوحاً في الاقتصادات الناشئة والنامية مقارنة بالاقتصادات المتقدمة، وأن الخفض في توقعات نمو هذه الاقتصادات لعام 2026 بلغ 0.3% مقارنة بتحديث يناير.

بل إن الصندوق حذر أيضاً من أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة أو حدوث أضرار أوسع للبنية التحتية في منطقة النزاع قد يدفع الاقتصاد العالمي إلى تباطؤ أعمق وتضخم أعلى.

وهذا مهم عند تقييم مؤشر MSCI للأسواق الناشئة: فالتعافي الحالي قد يكون قوي على الشاشات، لكنه لا يلغي أن البيئة الأساسية أصبحت أكثر هشاشة، وأن هامش الخطأ أمام البنوك المركزية والحكومات في العالم الناشئ بات أضيق بكثير.

هنا تبرز نقطة تحليلية أساسية: أداء MSCI للأسواق الناشئة خلال هذه الحرب لم يكن أداء نجاة سلبية، بل أداء فرز داخلي. أي أن المؤشر لم يصعد لأن الحرب انتهت أو لأن المخاطر اختفت، بل لأنه بدأ يكافئ قطاعات، شركات ودول محددة قادرة على امتصاص الصدمة أو حتى الاستفادة من بعض آثارها غير المباشرة.

فشركات التكنولوجيا الآسيوية استفادت من استمرار دورة الذكاء الاصطناعي، وبعض الأسواق استفادت من تقييمات أقل من نظيراتها الأميركية، فيما بقيت الدول الأكثر تعرضاً للنفط أو الأضعف خارجياً تحت ضغط أكبر.

لذلك، فإن قراءة المؤشر كعنوان موحد قد تكون مضللة أحياناً؛ لأن ارتفاعه في أبريل لا يعني أن الأسواق الناشئة بخير بالمطلق، بل يعني أن المكونات الأكبر وزناً والأكثر جودة داخل المؤشر كانت أقوى من أن تسمح باستمرار الانهيار الجماعي.

كما أن تعافي أبريل يعكس أيضاً طبيعة المستثمر العالمي المعاصر، الذي لم يعد يتعامل مع الأسواق الناشئة باعتبارها فقط رهانات دورية على السلع والعملات، بل أيضاً كمصدر للتعرض إلى قصص نمو عالمية يصعب تجاهلها، مثل أشباه الموصلات، والبنية الرقمية، وسلاسل التوريد التكنولوجية.

ولهذا لم يكن مفاجئ أن تشير تقارير السوق هذا الأسبوع إلى أن صناديق الأسهم الناشئة عادت لتتفوق على الأسهم الأميركية في أبريل، وأن بعض بيوت الاستثمار رأت في هذا الأداء دليل على مرونة بنيوية لا مجرد ارتداد فني.

لم تلغ هذه المرونة قابلية المؤشر للانتكاس إذا تصاعدت الحرب أو استمر اضطراب هرمز، لكنها تعني أن الأسواق الناشئة دخلت هذه الأزمة بتركيبة أفضل مما كانت عليه في أزمات سابقة، وأقل اعتماداً على الرواية التقليدية التي تختزلها في النفط والدين فقط.

خلاصة القول إن أداء مؤشر MSCI للأسواق الناشئة منذ بداية مارس وحتى 23 أبريل يمكن اختصاره في معادلة واحدة: صدمة عنيفة في البداية، ثم تعافٍ انتقائي وقوي، لكن داخل بيئة ما زالت عالية المخاطر.

مارس كان شهر إعادة التسعير القاسي، حيث هيمنت الحرب وارتفاع النفط وتراجع التدفقات والخوف من التضخم.

أما أبريل فكان شهر التمييز بين الرابحين والخاسرين داخل المؤشر، مع صعود التكنولوجيا الآسيوية، وتحسن المزاج الاستثماري، وتراجع جزء من علاوة الحرب، واستفادة نسبية من ضعف الدولار.

لذلك فإن أفضل توصيف لأداء المؤشر خلال هذه الفترة هو أنه لم ينهار رغم الحرب، لكنه أيضاً لم يخرج منها بلا ندوب.

وإذا استمرت أسعار النفط فوق 100 دولار، أو ظل التصعيد في مضيق هرمز في الواجهة أو بشكل أوسع، فإن هذا التعافي قد يصبح هش سريعا.

أما إذا اتجهت الأزمة إلى تهدئة تدريجية، فقد تثبت الأسواق الناشئة أنها كانت، مرة أخرى، أكثر قدرة على امتصاص الصدمة مما توقعه كثيرون في الأيام الأولى للحرب.

(إعداد: فادي قانصو، الأمين العام المساعد ومدير الأبحاث في اتحاد أسواق المال العربية، خبير اقتصادي وأستاذ جامعي، تحرير: ياسمين صالح)

#تحليلسريع

للاشتراك في تقريرنا الأسبوعي الذي يتضمن تطورات الأخبار الاقتصادية والسياسية، سجل هنا