إذا قادتك الظروف إلى ورشتها لإصلاح سيارتك، فما عليك إلا أن تناديها.. لا تنظر إلى باب الورشة فلن تُطل عليك من هناك.. ولا تتفاجأ إذا خرجت لك من تحت إحدى السيارات، ببدلتها الزرقاء، ويديها الملطختين بالشحم، اللتان فارقتهما النعومة منذ وقت بعيد، وملامح وجهها التي تغيرت بسبب الساعات الطويلة التي تقضيها أسفل السيارات.
إنها الفتاة "لقاء الخولي"، أول فتاة تعمل بمهنة "ميكانيكي السيارات" في صعيد مصر، وهو مجتمع محافظ نسيبا، ولكنها تثبت أنه لا يوجد عملاً يستحيل على الفتيات خوضه.
"سلام" التقى "الفتاة الميكانيكي" لتحكي لنا عن قصتها وتجربتها اللافتة في هذا المجال.
جلباب أبي
كحال أي طفلة في سن صغير، كانت "لقاء" متعلقة بوالدها، وتصر على الذهاب معه إلى ورشته الصغيرة، التي تشكل مصدر دخل له ولأسرته.
لكن "لقاء" لم تكن مثل باقي الفتيات في سنها، فقد تعلق قلبها بتلك الورشة التي تحوى الكثير من قطع الغيار لأنواع مختلفة من السيارات التي يقوم والدها بإصلاحها يوميًا.
تقول: "عشقت الميكانيكا في سن الحادية عشر، حيث كنت أصر على الذهاب مع والدي لورشته حتى في أيام الدراسة".
وتضيف: "كنت أدقق النظر إلى أبي وهو يمسك بتلك القطع الصغيرة، ويعرف بإتقان ما هو المكان الصحيح لكل منها بداخل السيارة، حاولت أن أقلده، ومن وقتها وقعت في حب الميكانيكا، وقررت أن أعيش في جلباب أبي".
الفتاة الميكانيكي
شغفها للميكانيكا دفعها لاكتساب خبرة في سن صغير، لتكون المعدات وقطع الغيار هي محور حياتها، وتتمكن لقاء من حمل لقب "أول فتاة تعمل ميكانيكي سيارات".
تقول لقاء: "صرت أكتسب الخبرة يومًا بعد يوم، فلم أكن أفوّت يومًا دون الذهاب فيه إلى العمل مع والدي، ولمدة لمدة عشر سنوات متتالية لم أستطع مفارقة تلك الحرفة".
"أصبح حب الميكانيكا يكبر بداخلي، وبدأت أتعلم أصول الصنعة على يد والدي، الذي لم يمانع أبدأ في أن أعمل معه، رغم الانتقادات العديدة التي نالته من الجيران والأقارب"، تضيف لقاء.
خطوات نحو الحلم
تسرد لقاء تفاصيل أكثر عن مهنتها قائلة: "كنت أتعلم أسرار الميكانيكا من أبي يومًا تلو الآخر، إلى أن أصبحت قادرة على إصلاح أي سيارة معطلة بمفردي".
وتضيف: "عندما أكملت المرحلة الإعدادية، قررت الالتحاق بالتعليم الثانوي الفني لكي أدرس الميكانيكا، ولكني فوجئت بعدم وجود مدرسة تعلم الميكانيكا للفتيات في مصر".
وتتابع: "قررت الالتحاق بالثانوي التجاري، وهو مجال بعيد كل البعد عن مجال حبي وشغفي، لكني لم أكترث، وصرت أمشي بخطوات ثابتة نحو تحقيق حلمي".
مرحلة الاحتراف
عن تقبل الناس لعملها في الميكانيكا تقول "لقاء": " في البداية كانت نظرات الاستغراب تلاحقني أينما كنت، لكن مع مرور الوقت اعتاد الجميع على مشاهدتي وأنا أعمل في هذا المجال، وتقبل الجيران والزبائن عملي كمساعدة لوالدي في الورشة".
وتكمل: "الفضل يعود لوالدي، فقد شجعني ومنحني الثقة في أن أقوم بإصلاح الكثير من السيارات بمفردي، دون أدني تدخل منه، فقط كان يلاحظني من بعيد، واستطعت أن أثبت له أن مجهوده لم يضع هدرًا".
"تطورت في حرفتي كثيرًا، وأصبحت محترفة في الميكانيكا، والزبائن أيضًا أصبحوا يثقون في عملي، فأنا أستطيع اكتشاف العطل بمجرد النظر إلى السيارة "، تستطرد لقاء.
الميكانيكا للجميع
تؤكد "لقاء" أنه لا توجد مهنة حكرًا على الرجال بمفردهم، فالفتيات أيضًا يستطعن إثبات أنهن قادرات على عمل أي شيء.
تقول: "الفتاة لا ينقصها شيء عن الرجل لكي تمارس مهنة كالميكانيكا، وبالنسبة لي جميع الزبائن يثقون في قدرتي على إصلاح سياراتهم".
وعن مشقة المهنة تتابع لقاء: "أي عمل يدوي يحتاج إلى مجهود بدني، لكني لا أشعر بالمشقة والإرهاق، لأني أمارس عملا أحبه، وأكون سعيدة عندما أقوم بإصلاح السيارات".
وتضيف: "حينما أرتدي البدلة الزرقاء الخاصة بالعمل، أكون فخورة بنفسي، فأنا أستطيع عمل شيء غير مألوف، وأثبت مهارتي فيه".
منحة من بي إم دبليو
شيئاً فشيئاً بدأت "الفتاة الميكانيكي" تجذب الأنظار، وأصبحت حديث الجميع.
تقول "لقاء": "بدأت الصحافة المصرية بالحديث عني، وبالطبع عن والدي، فالكل يتساءل عن الرجل الصعيدي، الذي يقطن بالأقصر في أقصى صعيد مصر، والذي سمح لابنته بالعمل كميكانيكي سيارات، في ظاهرة هي الأولي من نوعها".
وبعدما ذاع صيتها بدأت لقاء في تطوير نفسها، وبمساعدة وزارة الصناعة المصرية حصلت على منحة من شركة بي إم دبليو "BMW"، لتتلقي دورات تدريبية في مقرها بالقاهرة حول الميكانيكا وأسرارها.
وتضيف لقاء: "قدمت لي الوزارة أيضًا، دروسًا لتعلم الميكانيكا في المركز الكوري للسيارات في مصر، واستفدت كثيرًا من تلك الدروس، فقد كنا نتعلم بشكل أكاديمي، وليس عمليًا فقط".
"عدت إلى بلدي وأنا أحمل العديد من شهادات الخبرة، من أكبر شركات السيارات العالمية، والكل كان فخورًا بي، وأولهم والدي"، تتابع لقاء.
صدمة كبرى
تحكي "لقاء" عن أول صدمة تلقتها في حياتها، وهي وفاة والدها، فتقول: "توفى والدي وتركني وحدي، بعد أن اعتدنا أن نتقاسم سويًا إصلاح السيارات، كان يتحداني دائماً أن أكتشف عطلاً ما في أي سيارة، وكنت على قدر التحدي".
وتعبر "لقاء" عن حزنها الشديد لفقدان والدها قائلة: "توفي والدي منذ شهر تقريباً، وحتى الآن مازلت لا أستطيع أن أصدق ما حدث".
"عليّ أن أعود إلى العمل مجددًا، وأن أحافظ على مصدر دخلنا الوحيد، لكن هذه المرة بمفردي، وبدون الداعم الأكبر لي، وصاحب الفضل عليّ"، تقول لقاء.
المستقبل غامض
كانت لقاء تحلم دائمًا بتطوير ورشة والدها الصغيرة، وإنشاء أخرى أكبر، تضم ماكينات أحدث، وأجهزة أكثر دقة من الموجودة بالفعل، لكن وفاة والدها شكلت صدمة كبيرة أدت إلى تأجيل كل أحلامها.
تفكر الفتاة الصعيدية حالياً في النزوح إلى العاصمة "القاهرة"، وإنشاء ورشة خاصة بها، حيث العمل الكثير والزرق الوفير، ولتكون بالقرب من مراكز السيارات العالمية، لكنها تؤجل تلك الخطوة حالياً، وتمعن في التفكير حتى تكون قادرة على اتخاذ القرار السليم.







