المصدر: داو جونز – مصارف وتأمين
(في ما يلي مقال يتضمن تأكيدات إضافية من قبل عدد من الشركات)
بقلم ماثيو كارنتشنيغ وكاريك مولنكامب ودان فيتزباتريك
من صحيفة "وول ستريت جورنال"
في محاولة سريعة لمحاولة كبح جماح العاصفة التي تطيح بالقطاع المالي الأميركي، وافقت شركة "ميريل لينش" (MER) العريقة التي يعود تأسيسها إلى 94 سنة، نهار الأحد الماضي إلى بيع جميع أصولها إلى "بنك أوف أميركا" (BAC) مقابل مبلغ قدره 50 مليار دولار.
وقد تعيد الصفقة، التي أتت وليدة 48 ساعة من المفاوضات المسعورة، مباشرةً تصميم المشهد الطبيعي للقطاع المصرفي في الولايات المتحدة، معززةً ضخامة عملاق المصارف الوطنية. وفي الساعات الأولى من نهار الاثنين، أفادت الشركتان أنّ مدرائهما أعطوا الضوء الأخضر للصفقة، التي ستخضع في المرحلة المقبلة على أصحاب الأسهم والهيئة التنظيمية للسوق للموافقة.
وبقيادة رئيسه التنفيذي كينيث لويس، سبق لمصرف "بنك أوف أميركا" أن أبرم عشرات عقود الحيازة لشركات متنوعة، صغيرة أو كبيرة الحجم، هذه السنة، بما فيها مؤسسة "كنتري وايد فاينانشال" لتمويل الرهن العقاري، التي كانت في الحضيض عند إبرام الصفقة. ومع إضفاء اسم "ميريل لينش" على لائحته، قد يتمكن المصرف من السيطرة على أهم القوى المتخصصة في التوسط في عمليات التداول بالأسهم، وعلى أكثر مصارف الاستثمار عراقة. وقد يساهم هذا المزيج، في حال وافق المساهمون على الصفقة، في إنشاء مصرف يمتد نفوذه على رقعة واسعة، ويعنى بالمستجدات التي تحصل في كل زاوية وكل ركن من النظام المالي، بدءاً من بطاقات الائتمان وقروض السيارات، وصولاً إلى اكتتاب السندات والأسهم، ومروراً بتقديم المشورة في مجال عمليات الدمج وإدارة الثروات. وأفاد السيد لويس في بيان له "أنّ حيازة إحدى الشركات السباقة في مجال إدارة الثروات وتقديم المشورة وفي أسواق رأس المال، هي فرصة لا تفوت بالنسبة إلى مساهمينا. فبالوحدة، تكبر قيمة شركتيْنا نظراً إلى تآزر مشاريعنا".
وخلال فترة نهاية الأسبوع، أوضح المسؤولون في السلطات الفدرالية، بما فيهم تموتي غيثنر، رئيس الاحتياطي الفدرالي في نيويورك، أنهم شجعوا الجهات المعنية على إبرام الصفقة الخاصة ببيع "ميريل". وقد أعربوا عن قلقلهم من أن تكون الشركة الاسم التالي على لائحة المؤسسات التي تقف على قاب قوسيْن أو أدنى من الهاوية، بعد "ليمان برازرس" (LEH)، وفقاً لما أفاد به أشخاص مقربون من المسألة.
وقد حصل التوقيع على بيع كافة الأسهم بسرعة فائقة. فمع تسجيل سهم "ميريل" انحداراً حاداً في الأسبوع الماضي، حث رئيس "ميريل" غريغوري فليمينغ، الذي عمل كمستشار سابق لدى الشركات المالية، الرئيس التنفيذي للشركة جون ثين إلى الاتصال بالسيد لويس لدس النبض بخصوص اهتمامه المحتمل في عرض البيع. وكان المصرفان قد اجتمعا حول طاولة المحادثات في السابق بخصوص الموضوع نفسه، لذا من البديهي أن يكون لويس مهتماً، وفقاً لما ذكر أحد الأشخاص المقربين من المسألة.
في فترة بعد الظهر من يوم السبت، اتصل السيد ثين بالسيد لويس، الذي رحب بالعرض. وفضل "بنك أوف أميركا"، الذي كان آنذاك في صدد دراسة عرض بخصوص "ليمان" أيضاً، إبرام الصفقة مع "ميريل" وشعر بارتياح أكبر معه نظراً إلى المحادثات التي جمعتهما سابقاً. من ثم، توجه السيد ثين إلى الاحتياطي الفدرالي في نيويورك؛ وسرعان ما لاحظ استحالة عقد اتفاق مع "ليمان"، وفقاً لأحد المقربين منه، ما عزز عزيمته على المضي قدماً لإبرام الصفقة مع "بنك أوف أميركا".
وعند رؤية الصفقة تلوح في الأفق، ألغى السيد ثين رحلته المقررة إلى آسيا. وباشر الطرفان في سلسلة من اللقاءات المكثفة والمتتالية في مقر مكاتب شركة المحاماة "واشتل، ليبتون، روزن وكاتز" التي لطالما مثلت "بنك أوف أميركا" في صفقاته السابقة.
وبدأت الشائعات تنتشر نهار الأحد في مقر الاحتياطي في نيويورك، حيث دعي أهم المسؤولين في "وول ستريت" لمناقشة مصير "ليمان". وشعروا براحة كبيرة لمعرفة أنّ مؤسسة "ميريل" وجدت من هو مستعد لشرائها. وفي هذا السياق، سأل أحد كبار المسؤولين التنفيذيين: "من هو الساحر الذي تمكن من إبهارنا وإخراج الأرنب من القبعة؟"
وأظهرت الصفقة كيف أنّ أزمة القروض خلقت فرصاً عديدة للجهات المشترية السليمة من الناحية المالية. وقد تم بيع "ميريل لينش" مقابل مبلغ 50 مليار دولار، الذي يضاهي حوالى ثلثيْ قيمتها منذ عامٍ ونصف العام، عندما بلغت الشركة ذروتها في مستهل العام 2007.
من جهته، صرح "بنك أوف أميركا" أنه ينوي تحويل 8595 سهم من أسهمه العادية مقابل سهم واحد من أسهم "ميريل لينش" العادية، ما يمنح شركة "ميريل" قيمة 29 دولار سهماً. وتم نقل أسهم "ميريل" مقابل 17.05 دولار سهماً نهار الجمعة، بعد أن سجلت انحداراً حاداً على أثر تبلور فكرة انهيار "ليمان". ومن المقرر أن توضع اللمسات الأخيرة على الصفقة خلال الربع الأول من العام 2009. ويتوقع أن تبلغ كلفة الأموال المدخرة قبل اقتطاع الضريبة 7 مليارات دولار، بحسب "بنك أوف أميركا".
وفي هذا الإطار، سألت المحللة نانسي بوش، من "ان ايه بي ريسيرش" في آنندال، نيو جيرسي، "ما الذي يدفع "بنك أوف أميركا" إلى الإقدام على تلك الخطوة؟ علماً أنّ كن لويس يريد دائماً حيازة أضخم الكيانات، باستثناء هذه المرة، لماذا؟ فأنتم ملوك الكون، في الأساس".
باستطاعة "ميريل" أن تمنح "بنك أوف أميركا" قوة منتتشرة في أرجاء العالم كافة، بما فيها الأسواق الناشئة مثل الهند. كما أنّ "ميريل" تتمتع بمكانة قوية في مجال الاكتتاب، الذي أعرب "بنك اوف أميركا" خلال مؤتمر للمستثمرين عُقد في الأسبوع الماضي، عن رغبته بتعزيز نشاطاته فيه. وتعتبر تلك الصفقة أكثر الصفقات تشويقاً، إذ أنّ "ميريل"، ومنذ وصول السيد ثين، بذلت جهداً أكبر من جهود عمالقة القطاع المالي الأميركي مجتمعةً، للبقاء بمنأى عن الأزمة المالية التي أبصرت النور في العام الماضي. فقد حشدت مبالغ طائلة من رؤوس الأموال، وطهرت نفسها من الأصول السامة، وأقدمت على بيع حصص كبيرة من الأسهم العادية، مثل حصتها في عملاق المعلوماتية المالية "بلومبرغ". وخيار "ميريل" ببيع أصولها بهذه الطريقة ليس سوى طريقة تسمح بتسليط الضوء على حدة الأزمة.
وقد يتحول انضمام "ميريل"، المعروفة بقوة وجودها المتباهية واللاذعة أحياناً على ساحة عمليات الوساطة المالية، إلى "بنك أوف أميركا"، إلى أكبر اختبار لحياة السيد لويس المهنية. والمعروف أنّ المصرف أبرم صفقة كبيرة، و أخذ من ثم وقته لدمج المؤسستيْن بتأنٍ. لكن في السنوات الأخيرة، بدأت عمليات الحيازة تتوالى بوتيرة جنونية. وفي العام 2004، اشترى المصرف مؤسسة "فليت بوسطن" المالية. وبعد سنة على الاتفاق، وافق المصرف على شراء مؤسسة "ام بي ان ايه"، المتخصصة في إصدار بطاقات الائتمان. وفي العام 2007، اشترى "بنك أوف أميركا" مصرف "لا سال" في شيكاغو، في إطار فسخ العقد المشترك بين مصرف "أيه بي ان" الألماني و"عمرو القابضة". ومن ثم، بادر إلى شراء "كنتري وايد" هذا العام. "وترافق واقع الاستحواذ النهائي مخاطر جمة. فـ"ميريل" كانت تتمتع بأعلى معدل لجهة "الأصول المثيرة للمشاكل" التي تخضع لتخفيض القيمة الدفترية للأصول ذات الصلة برأس مال أهم شركات الأوراق المالية المستقلة، بحسب شركة "فوكس بيت كيلتون". وكان المحللون يراهنون أصلاً على أنّ الشركة ستبادر بتخفيض القيمة الدفترية للأصول البالغة قيمتها 3 مليارات دولار على الأقل خلال الربع الثالث، إلى جانب ما أعلنته في تموز/يوليو.
وذكرت السيدة بوش: "أظن أنّ جون ثين من مؤسسة "ميريل" هو الواقعي النهائي" بامتياز. وتوقعت المحللة لدى "ان ايه بي ريسيرش"، أن تمنح الهيئات التنظيمية الفدرالية بركاتها للصفقة. "هو يعي تماماً أنه في حال غرقت "ليمان" سيكون مصيره الحتمي اللحاق بها".
وخلال الأشهر الـ15 الماضية، كانت "ميريل" و"ليمان" تتمتعان بعشرات مليارات الدولارات من الأصول المهددة والصعبة البيع، المدرجة على الميزانية العمومية، التي كانت تقبع تحت عبئ الديون. ومع اندلاع أزمة القروض العقارية التي ضربت البلاد منتصف العام 2007، استمرت قيمة الأصول بالتدهور، وعانت من صعوبة لجهة البيع، آكلةً قضمة وراء قضمة، دعائم رأس مال الشركتيْن. ومؤخراً، بلغت الميزانية العمومية لمؤسسة "ليمان" ذروتها عند 600 مليار دولار، في حين بلغت ميزانية "ميريل" ذروتها عند 900 مليار دولار.
وفي تشرين الأول/ أكتوبر من العام 2007، أقيل ستان أونيل، رئيس "ميريل" الساق من منصبه. وحاول خلفه، السيد ثين، إصلاح الأضرار التي خلفها على مستوى الميزانية العمومية من خلال ضخ أكثر من 6 مليارات دولار في رأس المال، خلال شهر كانون الأول/ديسمبر الفائت، محاولاً النفاذ إلى المستثمرين التابعين لصندوق "تيماساك هولدينغز" الاستثماري، المملوك لحكومة سنغافورة.
غير أنّ الشركة استمرت بتكبد الخسائر حتى السنة الحالية. واضطر السيد ثين في تموز/يوليو إلى بيع كمية هائلة من التزامات الدين المضمونة أو الأوراق المالية المدعومة بمجموعة من الرهونات العقارية أو غيرها من الأصول، بسعر يناهز 22 سنتاً على الدولار الواحد فقط لا غير، والتي تتعدى قيمتها مبلغ 30 مليار دولار.
وفي خضم فورة إبرام الصفقة التاريخية التي شهدتها فترة نهاية الأسبوع الأخيرة، حثت "ميريل" أيضاً "مورغان ستانلي" إلى النظر في إبرام صفقة محتملة، كانت لتؤدي إلى توحيد اثنين من أعرق العلامات التجارية في "وول ستريت"، وفقاً لما أفاد به أحد الأشخاص المطلعين على تفاصيل الموضوع. غير أنّ المحادثات باءت بالفشل، إذ أنّ "مورغان ستانلي" كانت بحاجة إلى وقت إضافي لدراسة الفكرة في حين أرادت "ميريل" الاستفادة من كل ثانية وإبرام العقد في أقرب فرصة، بحسب المصدر ذاته. وتجدر الإشارة إلى أنّ "ميريل" كانت أيضاً في صدد إجراء محادثات مع عدد من المصارف التجارية لإبرام صفقات في أوروبا والولايات المتحدة.
وقد يتمكن السيد ثين من تجميع مبلغ 9.7 مليون دولار في رزمة نهائية، إذا ما استطاع "بنك أوف أميركا" إتمام عملية الاستحواذ، بحسب ما أفاد به ديفيد ام شميدت، المستشار في شؤون الدفع لدى شركة "جايمس اف رضا وشركاءه" في نيويورك.
ويرمز هذا الرقم إلى وحدات الأسهم المقيدة التي استحوذ عليها السيد ثين عند تسلمه زمام الشركة في كانون الأول/ديسمبر. وسيتم تحويل ثلثيْ تلك الوحدات الـ500 ألف ليس إلا إلى أسهم، لتصبح قابلة للبيع.
وأسف أحد المسؤولين التنفيذيين لدى "ميريل" على عملية بيع الشركة الهشة، مشيراً إلى أنّه قرار حزين، على الرغم من حتميته. وأضاف ذلك المسؤول أنّ وقوع الاختيار على "ميريل"، بدلاً من شركة "مورغان ستانلي" للوساطة المالية المنافسة لها، والتي كانت تسعى إلى عقد اتفاق مع "بنك أوف أميركا"، قرار أسعده كثيراً.
من جهة أخرى، يتوقع أن تتبلور ملا مح مستقبل شركتيْ "مورغان ستانلي" و"غولدمان ساش" صباح يوم الاثنين، مع استيقاظ "وول ستريت" على عالم باتت شركات الوساطة التي تقوم بالتداول بالأوراق المالية لحسابها الخاص، تعد من النوادر، لا سيما بعد بيع "ميريل" و"بير ستيرنس" واحتمال إقفال "ليمان".
وسمحت هذه السنة الحافلة بالأحداث، بتسليط الضوء على أنّ مصارف الاستثمار، من قبيل "ليمان" وبير ستيرنس"، تتسم بحساسية اتجاه مشاكل تنفرد بها، لا تعاني منها المصارف التجارية مثل "جي بي مورغان" و"بنك أوف أميركا". فعلى مصارف الاستثمار أن تستند باستمرار على أسواق المال القصيرة والمتوسطة الأجل لتمويل عملياتها. في حين يمكن للمصارف التجارية أن تستند إلى قواعد أكثر استقراراً لجهة الودائع الاستهلاكية.
من ناحية أخرى، صرح ونثروب اتش. سميث الابن، أحد المسؤولين التنفيذيين القدامى لدى "ميريل" الذي ساهم والده في إنشاء المؤسسة، أنّ عملية الحيازة قد تمثل "لحظة مفحمة بالأحزان بالنسبة إلي وإلى أفراد عائلتي، وآلاف العائلات التي عملت في خدمة "ميريل لينش" على مدى تاريخها الممتد على 94 سنة، فمن المحزن أن نرى شركة لطالما تباهت باستقلاليتها تمسي تابعة لسواها".
بقلم ماثيو كارنتشنيغ وكاريك مولنكامب ودان فيتزباتريك، من صحيفة "ول ستريت جورنال"
(بمساهمة من راندال سميث وسوزان كريغ وآرون لوتشيتي)
(النهاية) وكالة داو جونز الإخبارية







