رغم مرضه ومعاناته من صعوبات في التحرك، أنهى الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة الجدل الذي عمّر على مدار 10 شهور مضّت حول ترشحه لعهدة رابعة، حيث أسقط مشاريع البعض وأحلام البعض الآخر ووأد طموحات آخرين في سلك الطريق إلى قصر المرادية (القصر الرئاسي)، وفي مقدمتهم رئيس الحكومة الأسبق علي بن فليس، الذي يكون قد راودته كوابيس 2004 بعد إعلان الترشح.

وتجددت مخاوفه من تكرار نفس السيناريو الذي عاشه قبل عشر سنوات، وهو الذي كان له طموح كبير هذه المرة وعلق آمالاً في الوصول إلى كرسي الرئاسة خاصة مع مرض الرئيس، كما أن ترشح بوتفليقة أسقط ورقة رجل النظام السابق مولود حمروش الذي ظهر في الوقت بدل الضائع، لكن صفارة الرئيس قطعت كل آماله في أن يكون المرشح التوافقي للنظام وأجنحته.

بعد كلّ الهزّات التي أحدثها مناهضو العهدة الرّابعة، تحرك الرّئيس ورتّب البيت وأعلن رئيس حكومته عبد المالك سلال عن التّرشح، ومنتظّراً أن يعلن ذلك رسمياً بصفة شخصية، وبعد أن أطنب المشكّكون في استعمال ورقة الخلاف بين الرّئيس والمؤسسة العسكرية، قرّر الأخير وضع النقاط على الحروف على عدّة مستويات، أوّلها كانت بلقاءات خاصة مع مسؤولين عسكريين ومسؤولين بالمخابرات.

وترؤسه لاجتماع المجلس العسكري الذي تمّ خلال توافق بين مؤسستي الرئاسة والجيش، وثاني «خروج» للرّئيس في هذا الخصوص كان في رسالته بمناسبة يوم الشهيد وقال خلالها إنّ إعلانه عن التغييرات، التي مسّت أمن الجيش وأسالت حبر الكثيرين، كانت مبرمجة في 2006.

إبطال «الأحزمة الناسفة»

أما ثالث ظهور فكان الأسبوع الماضي، حينما وجد الرّئيس نفسه عشية اتّخاذه قرار التّرشح مجبراً على إبطال مفعول «حزام ناسف» اسمه مزاعم صراع أجنحة بالسلطة وبداية الطلاق بين جهاز المخابرات والرّئيس.

حيث ألجم بوتفليقة أفواه المشككين في نزاهة قائد جهاز المخابرات الجنرال محمد مدين، ودعاه إلى مواصلة مهامه في إطار صلاحياته المحددة قانوناً في صفعة جديدة للأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني عمار سعداني الذي سبق وطالب الجنرال توفيق بالاستقالة، منوها بأن جهاز المخابرات تحكمه نصوص تنظيمية وقانونية، وأن قرارات إعادة تنظيم هيكلته تمت وفقا للقانون، كما أكد أن هنالك استغلالاً خبيثاً للوقائع لتكريس طرح وجود نزاعات في الدولة.

إعادة الحسابات

وجود بوتفليقة في رواق المترشحين من شأنه أن يعيد حسابات جلهم، كون أن شعبيته والقبول الذي يحظى به لدى الشعب يفوق كل الأسماء المطروحة أمامه رغم حالته الصحية، بالإضافة إلى أن أنصاره ومحيطه قد حشدوا كافة الإمكانات المادية والإعلامية والسياسية.

وسيفتح ترشح بوتفليقة لعهدة رابعة الباب أمام القوى السياسية للفصل في موقفها، ولعل أبرزها جبهة القوى الاشتراكية التي ستحدد نظرتها للاستحقاق الرئاسي المقبل على ضوء تواجد بوتفليقة في رواق المتسابقين، كما سيريح هذا الترشح جبهة مقاطعة الانتخابات الرئاسية، وفي مقدمتهم رموز التيار الإسلامي.

إغراءات للجزائريين

ويتزامن إعلان الرّئيس عن ترشحه رسمياً عشية انعقاد اجتماع الحكومة ومنظمة الشغل وأرباب العمل الذي يعد بمفاجآت سارة للطبقة العمالية، وهو ما يعدّ بمثابة الانطلاقة القوّية للإعلان عن العهدة الرّابعة وتقوية وتعزيز لشعبيته، خاصة إذا علم أنّ من المقرّر أن يتم رفع الأجر القاعدي إلى 25 ألف دج، ومكاسب أخرى للعمال.

كما من المرتقب أن يتم توزيع 50 ألف سكن جديد للشباب، ما من شأنه تنفيس الوضع وتبريد الأجواء أمام المراهنين على ورقة الاضطرابات الاجتماعية لإحداث ثورة في الجزائر.

كما أنّ رئيس حكومته باشر حملة انتخابية مسبقة لصالح بوتفليقة بزيارته 46 ولاية أعلن فيها عن دعم حكومي بالمليارات، كما أنه أسقط ورقة الخلاف المذهبي في ولاية غرداية بإقامة مصالحة بين العشائر.

والرئيس بوتفليقة على دراية أن شباب سنة 2014، ليس هو بالضرورة شباب 2004، فهؤلاء الشباب، عايشوا مسلسل تخريب البلدان تحت مسمّى «الربيع العربي»، ورفضوا الانخراط فيه، لذلك ارتأى اللعب على هذه الورقة بمنح امتيازات جديدة لهذه الفئة قبل البدء بأي مغامرة قد تطيح بما عمله طوال ولاياته الثلاث.

استبعاد أي معارضة

ويؤكد محللون أن ترشح بوتفليقة رغم أنه يسير بكرسي متحرك لن يواجه بمعارضة من قبل المجتمع، لأن المجتمع غارق في قضاياه اليومية المتعلقة بتحسين مستواه المعيشي، من حيث الحصول على منصب شغل وسكن وعلى رفع أجره، وعلى مساعدات من طرف الدولة للشباب والفئات الحالمة بإنشاء مشاريع اقتصادية، وهذه الورقة يمكن أن تلعبها السلطة بحكم البحبوحة المالية.

أما في ما يتعلق بالمعارضة السياسية، فمعظم الأحزاب ليست مستعدة للدخول في مثل هذه المواجهة، نظرا لضعفها البنيوي، ولموالاة معظمها لمن يميل ميزان القوة لصالحهم، بل سيتدافعون في أول إشارة للإعلان عن مبايعتهم.

وفي ما يتعلق بالشخصيات التي انتظرت هذا الموعد طويلاً مثل رؤساء الحكومات السابقة: مولود حمروش، وعلي بن فليس، وأحمد بن بيتور، وسيد أحمد غزالي فإنها تدرك افتقادها الوسائل في التواجد والتأثير، لكن يراهن بعضهم على عنصر المفاجأة المتأتي من محيط الجزائر أو من داخلها، لكن ذلك يبقى مستبعدا لانحسار رقعة تلك الرياح التي بدأت شديدة وقوية في هبوبها ثم عادت إلى الاستقرار تدريجيا.

 

 

رقم قياسي

 

حطم بوتفليقة الرقم القياسي في رئاسة البلاد بحوالي 15 سنة بينما كان الرئيس هواري بومدين قضى 13 سنة في رئاسة وصل إليها بانقلاب عسكري وتركها حين غيبه الموت (1965-1978).

وغداة الاستقلال في 5 يوليو 1962 تقلد بوتفليقة منصب وزير الشباب والرياضة والسياحة في أول حكومة للرئيس أحمد بن بلة (1962-1965).

ولم تمنع سنه الصغيرة (26 سنة) وقامته القصيرة وجسمه النحيف من تعيينه وزيراً للخارجية خلفاً لمحمد خميستي الذي اغتيل أمام المجلس الوطني (البرلمان) في 11 أبريل 1963، وبقي في هذا المنصب 16 سنة الى ما بعد وفاة هواري بومدين.

ووصل بوتفليقة إلى الحكم بعد فوزه في الانتخابات الرئاسية في 1999 بنسبة 90,24 في المئة من الأصوات، ثم أعيد انتخابه في 2004 و2009 بفضل تعديل دستوري ألغى تحديد عدد الولايات الرئاسية باثنتين.

 

الصحف الجزائرية ترى بوتفليقة مرشحاً بـ«الوكالة»

اعتبرت الصحف الجزائرية الصادرة أمس ان الرئيس عبد العزيز بوتفليقة الذي اعلن رئيس الوزراء ترشحه لولاية رابعة السبت، انما هو «مرشح بالوكالة» باعتبار ان حالته الصحية لا تسمح له بحكم البلد.

وكتبت صحيفة «ليربتي» في افتتاحيتها تحت عنوان «ترشح بالوكالة» ان «بعض المشككين كانوا يتمسكون بالمنطق الذي يقول ان رجلا مريضا ومتعبا لم يخاطب شعبه منذ 8 مايو 2012، لا يمكن ان يتقدم للترشح لولاية رابعة».

واضافت الصحيفة «لكن الكلمة الأخيرة عادت الى الذين ارادوا تسويق صورة الرئيس، بأي ثمن، حتى وان كانت هذه الصورة قد اضمحلت بفعل الزمن واخطاء المقربين منه»،

وتساءلت صحيفة الوطن الصادرة باللغة الفرنسية «من سيحكم البلاد بالوكالة»، مشيرة الى ان «عبد العزيز بوتفليقة اختار ان يمسك بالبلد في حالة جمود تاريخي خطر، بالرغم من حصيلته السياسية الكارثية وحالته الصحية غير الحرجة».

اما صحيفة «الخبر» فذهبت ابعد من ذلك، مؤكدة ان «الحكومة بقيادة سلال (عبد المالك رئيس الوزراء) والرئاسة بقيادة السعيد بوتفليقة (شقيق الرئيس ومستشاره) قد اتخذتا قرار ترشح الرئيس بدلا عنه وربما دون استشارته».

وبالنسبة لصحيفة «لوكوتيديان دوران» (يومية وهران) فإن الولاية الرابعة ستكون بـ «نظام التحكم الآلي الذي لا يحتاج الى بوتفليقة».

وفي رأي الصحيفة التي تصدر من مدينة وهران بالغرب الجزائري فإن 15 سنة من حكم بوتفليقة كانت مرادفة لـ «الجمود وعدم الاستقرار».

وكتبت الصحيفة في تعليقها المليء بالإيحاءات «خلال 15 سنة لم يتقدم البلد ولم يتأخر، لقد ظل جالسا يتناول الأدوية المجانية (...) ويحلم بالخلود ويتحدث عن عصره الذهبي ومنظمة دول عدم الانحياز»، في اشارة إلى الرئيس بوتفليقة الذي كان وزيرا للخارجية بين 1963 و1978.

وكان رئيس الوزراء عبد المالك سلال فاجأ الجميع السبت بإعلان ترشح الرئيس بوتفليقة بشكل رسمي، على هامش «ندوة افريقية حول الاقتصاد الأخضر»، قبل ان تؤكد رئاسة الجمهورية الخبر.