المقال يعبر عن آراء مروان الشخصية ولا يمثل أو يعبر عن الشركة التي يعمل بها.

الفصل الثالث: عندما تبدأ الحياة بعد سن التقاعد

بدا كلام الرجل صاحب الخمسة والستين عاما غريبا والكلمات تتدفق من بين شفتيه عن بداية مرحلة الاستمتاع بالحياة. في حفل تقاعده في شركتنا في جنيف بعد حياة عملية حافلة امتدت 40 عاما ، شعرت وكأن الرجل الذي كان أحد أساتذة وخبراء العمليات الانتاجية في الشركة ينتمي إلى عالم آخر بحديثه عن بداية ما سماه الفصل الثالث من حياته.

لم أستطع أن أمنع نفسي من المقارنة لأكتشف أنه ينتمي بالفعل إلى عالم آخر. فماذا لو كانت هذه الكلمات تخرج من فم واحد منا في عالمنا العربي بمناسبة بلوغه سن التقاعد؟

ما اعتدناه هو أن لحظة التقاعد لحظة حزينة تستطيع أن ترى فيها هموم الموظف مرسومة على وجهه. فهو يحمل هم العبء المادي الذي سيتحمله الآن بعد انقطاع الوسيلة الوحيدة للدخل. ويحمل هم تدهور حالته الصحية "لكبر سنه" وعدم وجود من يرعاه لزواج أولاده الذين أصبح لهم حياتهم المنفصلة. ويحزن لانقضاء الشيء الوحيد الذي كان يملأ فراغ ساعات النهار– وأحيانا الليل – الطويلة.

استمعت للرجل يتحدث عن مرحلة التقاعد على أنها الفصل الثالث من حياته. فقد وصف في البداية مرحلة التعليم التي بدأت بدخوله المدرسة مرورا بتخرجه في الجامعة ورحلة بحثه عن العمل بأنها "الفصل الأول" من حياته.

أما "الفصل الثاني"، فهو مرحلة الاجتهاد في العمل وبناءه لعائلة صغيرة، وهي مرحلة استمرت الأربعين سنة التي أمضاها في حياته العملية.

بدأت الصورة تتكشف لي عندما تطرق الرجل في الحديث إلى "الفصل الثالث" من حياته والذي بدأ بعد أن اطمأن على أولاده في المرحلة الجامعية ووصوله لسن التقاعد، مرحلة المتعة والاستمتاع بالحياة على حد قوله.

حدثنا الرجل عن خططه للاستمتاع بالبيت الصغير الذي اشتراه في الريف الألماني وتشوقه لزيارة مدن قد زارها في رحلاته العملية الكثيرة ولكن هذه المرة بغرض المتعة والسياحة مع زوجته ورفيقة كفاحه. لكن ما أبهرني حقا هو أن هذا الرجل الأوروبي الذي بلغ الخامسة والستين من عمره يريد أن يلف العالم ويتسلق قمم الجبال ثم يشترك في مسابقة للجري لكي يكسر رقمه القياسي!

كانت تلك هي اللحظة التي تساءلت فيها عن الفوارق الشاسعة بين النموذجين العربي والأوروبي: لماذا يستمر هذا الرجل في حديثه عن المغامرات التي ينوي القيام بها بعد التقاعد؟ لماذا يحدثنا عن الفصل الثالث – أفضل فصول حياته الذي ينتظره بشوق منذ سنوات – بينما يتساءل الرجل العربي كيف ستمر تلك الساعات والأيام بعد تقاعده؟

يمكن الجزم بأن الاختلافات بين النموذجين ترجع إلى أمرين: نظام البلاد الأوروبية في كثير من الأمور والاختلافات الثقافية.

بالنسبة لنظام البلاد الأوروبية، فهناك الكثير من هذه البلاد تتولى الحكومة فيها أمر الأعباء المالية خلال فترة التقاعد حيث أنك كمواطن كنت تدفع ما عليك خلال سنين عملك من تأمينات اجتماعية وضرائب. لذا تتكفل الحكومة الآن بدفع معاش ثابت يقارن بالدخل الذي كنت تتقاضاه قبل التقاعد مباشرة. وإضافة إلى ذلك، توفر لك الحكومة كل وسائل العلاج مجانا طالما احتجت إليها. أضف إلى ذلك وجود نظام تعليم محترم مجاني – سواء في مراحل التعليم المدرسية أو الجامعية – يؤهل أولادك لأن يصبحوا على أول طريق النجاح في عالمنا التنافسي. هكذا ينتهي الجزء الأكبر من عبء مصاريف ما بعد التقاعد.

ورغم أن هذا الفارق له أهميته، فالأهم منه هو الفارق الثقافي. الفرد في أوروبا يأتي أولا. فالأوروبيون يطبقون مقولة "اعمل لكي تعيش ولا تعيش لكي تعمل". العمل جانب واحد من جوانب شتى في الحياة بالنسبة للأوروبيين، لذا من الطبيعي أن تجد شخصا يترك العمل مبكرا من أجل حضور مسرحية مدرسية لأولاده أو درس للغة جديدة يتعلمها أو غير ذلك.

أما الرياضة، فالكل يمارسها بغض النظر عن السن. من المدهش رؤية من هم فوق الستين والسبعين وفي أحيان كثيرة الثمانين يمارسون رياضات مثل الجري أو التنس أو كرة القدم أو غيرها بانتظام. ويذهب الكثير من كبار المدراء للعمل بدراجة وقد يذهبون للتمرين الساعة 11:30 صباحا يوميا خلال يوم العمل. لك أن تتخيل النظرة التي سننظرها وستنظرها الإدارات في بلادنا لمن يترك العمل ليمارس الرياضة أو للمدير الذي يأتي للعمل بدراجة.

الفارق إذا هو النظرة المختلفة للحياة واختلاف الأولويات والثقافات. في أوروبا، يركب الرجل أو المرأة في الثمانين من عمرهم المواصلات العامة يوميا ويذهبون لملاقاة أصدقائهم والتسوق معهم ثم ممارسة الرياضة قبل أن يذهبوا للبيت للنوم مبكرا في انتظار يوم جديد غدا.

ما استثمره الأوروبيون في صحتهم طوال السنين الماضية يساعدهم الآن على التمتع بما تبقى لهم من وقت. فتراهم في الحدائق وفي الرحلات وفي استادات الكرة يشجعون بحماس وفي الحفلات الموسيقية والمطاعم وفي كل مكان يضحكون ويستمتعون كأنهم في مرحلة الشباب.

الحياة تبدأ بعد سن التقاعد، فهو بالنسبة لهم ليس نهاية كل ما كانوا يعيشون من أجله بل مرحلة أكثر متعة وأكثر حرية في حياتهم، بداية لأفضل فصل من فصول قصتهم: الفصل الثالث.

 

نبذة عن الكاتب: يعمل مروان في شركة بروكتر آند غامبل منذ أواخر عام 2005. وقد عمل مروان في قطاعات متعددة في الشركة مثل الإنتاج, إدراة البرامج والموارد البشرية وقد تقلد عدة مناصب قيادية في الشركة ويعمل حاليا في مكتب الشركة في جنيف بسويسرا.

/https://www.linkedin.com/in/marwan-alabbady-3a357721

(تحرير رنا منير البويطي. رنا مترجمة ومحررة مستقلة منذ عام 2011 وعملت سابقاً مترجمة صحفية بموقع أصوات مصرية التابع لمؤسسة تومسون رويترز.)

(/https://www.linkedin.com/in/rana-elbowety)

.Any opinions expressed here are the author’s own

 

Disclaimer: This article is provided for informational purposes only. The content does not provide tax, legal or investment advice or opinion regarding the suitability, value or profitability of any particular security, portfolio or investment strategy. Read our full disclaimer policy here

© Opinion 2019