أذاب قرار أوبك+ بخفض إنتاج النفط جسر كان يٌتوقع أنه امتد بين السعودية والولايات المتحدة بعد زيارة الرئيس الأمريكي جو بايدن للرياض في يوليو الماضي، فيما يراه محللون بأنه غطاء لأزمة سياسية تقود نحو مزيد من "المطبات" في العلاقات الثنائية بين البلدين.

في حوار مع قناة "سي إن إن"، الثلاثاء، قال بايدن إن علاقات واشنطن والرياض ستواجه عواقب، بعد قرار أوبك+ خفض إنتاج النفط بـ2 مليون برميل يوميا بدءا من نوفمبر، وهو القرار الذي وصفه البيت الأبيض سابقا بأنه منحاز لروسيا. 

وبينما تدافع منظمة أوبك + لمنتجي النفط - التي تضم السعودية، الإمارات وحلفائها وعلى رأسهم روسيا - عن الخفض بأنه قرار اقتصادي بحت، تصاعدت التصريحات الأمريكية تجاه السعودية، باعتبارها رئيس المجموعة وقوى رئيسية فيها، بشكل خاص.

للمزيد: أمريكا في مواجهة أوبك بلس، متى ستهدأ العاصفة الكلامية وماذا بعد؟

"هذا يؤكد على أن الموضوع لا علاقة له بتخفيض أوبك+ للإنتاج ولا علاقة له بالنفط. موضوع النفط هو غطاء لأمور أخرى لا نعرفها، قد نعرفها مع الزمن،" هكذا وصف الوضع أنس الحجي الباحث والاستشاري في قطاع النفط والطاقة، في بودكاست نظمته منصة طاقة المتخصصة في أخبار النفط والطاقة مساء الثلاثاء.

"ما نعرفه بكل تأكيد أن أمريكا حاولت وضغطت على السعودية وربما دول نفطية أخرى لعدم خفض الإنتاج،" بحسب عبدالخالق عبدالله، أستاذ العلوم السياسية الإماراتي والأستاذ الزائر في جامعة هارفرد لزاوية عربي، مشيرا إلى أن مبررات أمريكا في ذلك ترجع لأسباب سياسية.

وكشفت السعودية مساء الأربعاء أن تأجيل قرار أوبك+ بخفض الإنتاج لشهر كان سيكون له "تبعات اقتصادية سلبية،" حسب بيان نشرته وكالة الأنباء السعودية (واس).  وهي المرة الأولى منذ اجتماع أوبك بلس الأسبوع الماضي التي تلمح فيها السعودية إلى أن الإدارة الأمريكية اقترحت تأجيل خفض الإنتاج.

وجاء في البيان السعودي: "قد أوضحت حكومة المملكة من خلال تشاورها المستمر مع الإدارة الأمريكية أن جميع التحليلات الاقتصادية تشير إلى أن تأجيل اتخاذ القرار لمدة شهر حسب ما تم اقتراحه سيكون له تبعات اقتصادية سلبية".

والخميس، قال متحدث باسم البيت الأبيض، بحسب رويترز، أن أمريكا عرضت تحليل على السعودية يظهر أنه لا يوجد أساس في السوق يدعم خفض إنتاج النفط وأن بامكانهم الانتظار لاجتماع أوبك التالي ليروا كيف ستسير الأمور.

وقال أيضا ان دول أخرى في أوبك أبلغت أمريكا في أحاديث خاصة أنها شعرت بأن السعودية أرغمتها على دعم خفض الإنتاج.

كان بايدن يأمل خلال زيارته للسعودية في يوليو أن تساعد دول الخليج في خفض أسعار النفط من خلال زيادة الإنتاج، لكن زيارته لم تكتمل باتفاق واضح بشأن ذلك، ليواجه بعدها  بنحو شهرين قرار مناقض تماما بخفض الإنتاج بمليوني برميل بداية من الشهر المقبل.

"إدارة بايدن بالتحديد طلبت عدم الخفض لأسباب سياسية" بحسب عبد الله الذي أضاف شارحا: "إذا ارتفع سعر النفط فروسيا حتكون من بين المستفيدين وبالتالي تستطيع أن تستمر في حربها.. أمريكا تعاني من تضخم وأي ارتفاع في سعر النفط سينعكس تماما على التضخم.. وأيضا طلبت (أمريكا) عدم الخفض مراعاة لانتخابات أمريكية قادمة.. فجميع الدوافع الأمريكية لم تكن مقنعة سعوديا وليست مقنعة لدول الخليج لأن قرار النفط ليس قرار سياسي".

وارتفع التضخم  في أمريكا - بأكثر من توقعات المحللين - على أساس شهري في سبتمبر ب0.4%.

صفقات السلاح

قد دعا رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي السيناتور الديمقراطي بوب مينينديز، الثلاثاء، بلاده لتجميد علاقاتها الأمنية مع السعودية وتجميد مبيعات الأسلحة لها. وقال بايدن الأربعاء إنه سيبحث التشريع الخاص ببيع الأسلحة للسعودية عندما يعود من رحلة له في غرب أمريكا.

لكن طارق فهمي، أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة، يرى أن أي إجراءات عقابية تتعلق باتفاقيات السلاح أو الحديث عن حقوق الإنسان، لن تكون فعالة.

"السعودية لديها أسواق كثيرة لتوفير السلاح وكان لها تجربة سابقة في محاولة للحصول على سلاح روسي ما أقلق أمريكا حينها، وهذا يجعل السعودية في مركز قوة،" حسب فهمي.

وقعت السعودية وروسيا، في أغسطس 2021، اتفاق لتطوير مجالات التعاون العسكري بين البلدين، ثم بعد نحو عام من ذلك التاريخ نقلت وسائل إعلام عن البنتاغون، أن وزارة الخارجية الأمريكية وافقت على صفقة محتملة لبيع صواريخ دفاعية للسعودية والإمارات بقيمة تصل إلى 5.3 مليار دولار.

هذا الضغط من المشرعين الأمريكيين في الكونغرس في اتجاه إعادة تقييم العلاقات مع السعودية، ربما يفسر طبيعة ردود فعل بايدن، بحسب ما قاله فهمي، مضيفا:"بايدن يتعرض لضغوط التيار النافذ في الحزبين الذي يُصعّد ضد السعودية في الكونجرس ويضغط عليه.. هو ينحني للعاصفة لكي تمر إلى أن تنتهي انتخابات التجديد النصفي".

وبحسب عبد الله: "أطراف في أمريكا رأت قرار أوبك إهانة للرئيس تتطلب اتخاذ موقف".

وفي تصريحات لقناة العربية السعودية مساء الثلاثاء، قال وزير الخارجية السعودي، فيصل بن فرحان، إن "قرار أوبك بلس اقتصادي بحت وتم اتخاذه بإجماع الدول الأعضاء"، مضيفا أن التحالف يسعى لاستقرار السوق وتحقيق مصالح المنتجين والمستهلكين.

وأضاف وزير الخارجية أن العلاقة مع واشنطن استراتيجية وداعمة لأمن واستقرار المنطقة، وقال إن "التعاون العسكري بين الرياض وواشنطن يخدم مصلحة البلدين ويساهم في استقرار المنطقة.. علاقتنا مع الولايات المتحدة مؤسسية منذ تأسست العلاقة بين البلدين".

وخفضت أوبك في تقرير الأربعاء توقعات نمو الطلب العالمي على النفط بـ 500 ألف برميل يوميا هذا العام و400 ألف للعام القادم.

لماذا الهجوم فقط على السعودية؟

لكن وعلى الرغم من أن منظمة أوبك+ تضم 23 دولة - منها الإمارات التي زار رئيسها روسيا  هذا الأسبوع بعد أسبوع من قرار المنظمة بخفض الإنتاج، لم تتعرض الدول الأخرى منها الإمارات - ثالث أكبر منتج في أوبك بعد السعودية والعراق - لهجوم مماثل.

وفسر الكاتب والمحلل الاقتصادي القطري عبدالله عبد العزيز الخاطر، الموقف الأمريكي بأنه نابع من أن "بايدن أخذ موقف من حادثة خاشقجي وثم اضطر لزيارة السعودية على مضض و أُحرج وهناك شعور أن السعودية تفضل ترمب وتقف مع الحزب الجمهوري".

وساءت العلاقات بين السعودية وأمريكا بعد قدوم بايدن للسلطة، هو الذي وصف السعودية بالدولة "المنبوذة" على خلفية مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي.

ويواجه الحزب الديمقراطي منافسيه من الجمهوريين مطلع نوفمبر المقبل في انتخابات الكونجرس الأمريكي، فيما تشير الخلفيات إلى علاقة جيدة تمتعت بها السعودية وأمريكا خلال حكم الرئيس الجمهوري السابق دونالد ترمب.

بحسب المحاضر الإماراتي في هارفرد عبدالله، فأعضاء الحزب الديمقراطي سواء كانوا في الحكومة أو الكونجرس أو البيت الأبيض لا يعرفون طريقة إدارة العلاقات مع السعودية بينما الحزب الجمهوري أفضل في ذلك. وتوقع أن تمر العلاقات السعودية الأمريكية "بمنعطفات صعبة وربما بمطبات صعبة في تقديري خلال الفترة المقبلة".

 "على أمريكا أن تتكيف مع خليج جديد. وعلى السعودية أن تتكيف مع مزاج أمريكي جديد تجاه الخليج والشرق الأوسط عموما.. في النهاية أمريكا تعرف كم أن المملكة ودول الخليج ومنطقة الخليج هي مركز ثقل النفط العالمي وهي اليوم كذلك، وقبل 20 سنة وستظل كذلك خلال 10 سنوات قادمة.. وفي تقديري خلال فترة سيتُجاوز هذا الضجيج".

فيما يتعلق بإدارة العلاقات الثنائية، فلا يعتقد الخاطر، أن يتراجع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان عن طريقته في إدارة السياسة الخارجية لبلاده التي وصفها أنها تتمتع "بروح جديدة و جريئة .. وتتسم بالندية".

وبحسب عبدالله: "ربما بعد عام ونصف أو اقل أو أكثر، قد تأتي إدارة جمهورية جديدة وتختلف طريقة التعامل". ولكن وفقا لفهمي قد يحدث هذا أسرع: "في النهاية بايدن سيراجع الموقف ويعيد الأمور إلى طبيعتها".

 

(إعداد: شيماء حفظي، تحرير: ياسمين صالح، للتواصل zawya.arabic@lseg.com)

#تحليلمطول

لقراءة الموضوع على أيكون، أضغط هنا

للاشتراك في تقريرنا اليومي الذي يتضمن تطورات الأخبار الاقتصادية والسياسية، سجل هنا