08 06 2015

نجح باحثو مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع في فك رموز مادة تجعل عملية توليد الطاقة الشمسية أقل كلفة وأكثر سهولة، بما سيساعد، مستقبلاً، في التخطيط الأمثل لاستغلال موارد الطاقة النظيفة على نطاق واسع.

 ويشير علماء الطاقة الشمسية، إلى أن الشمس تمد بلدان الخليج العربي بما يوازي 1.5 مليون برميل من النفط سنوياً لكل كيلومتر مربع واحد. لكن هذه الطاقة الهائلة غير قابلة للاستغلال الأمثل في الوقت الراهن، وذلك بسبب عوامل عدة، أهمها التكلفة المرتفعة لتجميعها. وقد تسببت هذه العوامل بالتأثير سلباً على برنامج دولة قطر الطموح، الذي يرمي إلى توليد خُمس الطاقة الإجمالية المنتجة في البلاد من مصادر متجددة، على غرار طاقة الشمس والرياح، وذلك بحلول عام 2024.

 وهنا تظهر أهمية الاكتشاف البحثي الذي حققه علماء معهد قطر لبحوث البيئة والطاقة، وهو أحد المراكز البحثية التابعة لمؤسسة قطر، والذي يلعب دوراً رائداً في مجال استدامة موارد الطاقة والمياه في دول مجلس التعاون الخليجي. ويتسق هذا الكشف الجديد مع سعي مؤسسة قطر لتحقيق رسالتها في مجال استغلال وتعميم الطاقة المستدامة، مما سيعود بالنفع على دولة قطر والعالم بأسره. وتهدف الحلول التي يعمل علماء المعهد على تطويرها إلى تقليص الاعتماد على الموارد الكربونية، والتوسع في استخدام مصادر الطاقة البديلة والمتجددة.

 ويشرح الدكتور محمد خليل، المدير التنفيذي لمعهد قطر لبحوث البيئة والطاقة، أهمية هذا الاكتشاف وضرورة إجراء المزيد من البحوث حول الطاقة الشمسية في قطر، بالقول: «لقد أدى التزايد السريع لعدد سكان دولة قطر، والنمو الاقتصادي المضطرد، إلى ارتفاع الطلب على الطاقة الكهربائية بشكل غير مسبوق. وفي حال عدم التمكن من إيجاد موارد إضافية للطاقة المستدامة، وتقليص الاستهلاك، فإن الاقتصاد الوطني والبيئة سيتضرران خلال الأعوام القليلة القادمة. ومن هنا، فإننا نعمل بلا كلل أو ملل على تطوير تقنيات جمع الطاقة الشمسية، وهي المورد الطبيعي الأكثر وفرة في دولة قطر، وذلك لمواجهة التحديات، وتطوير مصادر جديدة للطاقة في قطر والمنطقة، وذلك في سياق دعم رؤية قطر الوطنية 2030».

 وتعاون معهد قطر لبحوث البيئة والطاقة في هذه الأبحاث مع مركز أبحاث الهندسة الوراثية والمواد المتقدمة، الذي تموله مؤسسة العلوم في دولة أيرلندا، واستضافتها كلية ترينيتي- دبلن ومركز أبحاث تكيف الهياكل النانوية والجهائز النانوية. وركّز التعاون على فهم خصائص مادة بيروفسكايت، المكتشفة في عام 1839 في روسيا، والتي تم في عام 2012 ملاحظة قدراتها الفائقة في التقاط وتخزين الطاقة الشمسية.

 وأثار هذا الاكتشاف حماساً كبيراً لدى العلماء، وذلك لكون مادة بيروفسكايت زهيدة الكلفة، وأكثر قدرة على جمع الطاقة من مادة السيليكون المستخدمة تقليدياً في صنع الخلايا الشمسية. وخلال ثلاث سنوات من هذا الاكتشاف، حظيت هذه المادة بشعبية طاغية في الأوساط العلمية والصناعية، خاصة بعدما أثبتت البحوث أن نسبة كفاءة تشغيلها تفوق %20، وهي نسبة تطلبت مادة السيليكون عقوداً عديدة لبلوغها. إلا أن شعبية هذه المادة سرعان ما اصطدمت بعدم استقرار تركيبتها الكيميائية، حيث إن قدرتها على العمل وتخزين الطاقة تتطلب جواً عازلاً من دون هواء أو رطوبة، فضلاً عن حرارة مستقرة، مما يستحيل توفره في الأجواء الطبيعية. ولحسن الحظ، فقد تمكنت البحوث التي أجراها معهد قطر لبحوث البيئة والطاقة ومركز أبحاث الهندسة الوراثية والمواد المتقدمة من إيجاد مخارج لهذه الصعوبات، والحدّ من عدم استقرار هذه المادة، التي تتشكل من مركبات عضوية وأخرى غير عضوية. وحتى انتهاء هذه البحوث، فقد كان العلماء يجهلون الخصائص التي تسمح لمادة البيروفسكايت بالتقاط وتخزين الطاقة، حيث تفاوتت الآراء حول التفاعلات الكيميائية داخل المادة عند تعرضها لأشعة الشمس. لكن البحوث أثبتت أن البلورات غير العضوية داخل مادة البيروفسكايت تغيّر من تركيبتها عند تعرضها لأشعة الشمس، مما يسمح لها بتخزين هذه الطاقة بكفاءة عالية. ويؤمل أن يساعد هذا الاكتشاف، الذي تم نشره في مجلة «نايتشر كوميونيكايشنز» العلمية المرموقة، العلماء على فهم طريقة عمل هذه المادة، وتعزيز البحوث في مجال استقرار تركيبتها، حتى تلعب الدور المناسب لها في توليد طاقة المستقبل.

 تأتي هذه النتيجة ثمرة سنوات طويلة من البحوث، واستخدام برامج محاكاة معقدة على الحاسوب، حول الإجراءات التي تتطلب إنشاء وتحليل نموذج أولي من المادة وتقدير أدائها في العالم الحقيقي، والتركيز على الخصائص الإلكترونية لها.

 وقال الدكتور صبري قيس، مشرف أبحاث قسم الحسابيات والنظريات في معهد قطر لبحوث البيئة والطاقة: «يأتي هذا الاكتشاف ثمرة سنوات طويلة من الجهود الشاقة. فمنذ سنتين، قمنا بتنظيم ندوات أسبوعية لمناقشة ومحاولة فك أسرار الخصائص الكيميائية لهذه المواد. وقد حدث هذا الاكتشاف عندما قام الدكتور فهد الحربي والدكتور نوار ثابت والدكتورة فدوى الملوحي من المعهد، والدكتور كارلو موتا من مركز أبحاث الهندسة الوراثية والمواد المتقدمة، بطرح نتائج دراساتهم ومقارنتها في إحدى هذه الندوات».

 وحول مستقبل استخدم مادة البيروفسكايت، قال البروفسور سانفيتو، الأستاذ بمركز أبحاث الهندسة الوراثية والمواد المتقدمة، وأستاذ نظرية المواد المكثفة بمدرسة ترينيتي للفيزياء: «في كل ساعة، تصدر الشمس من الطاقة ما يوازي استهلاك كوكب الأرض بأكمله خلال عام كامل. ولا شك بأن جمع مثل هذه الطاقة الوفيرة بطريقة كفئة وبكلفة معقولة يعني تحقيق مستقبل أخضر ومستدام للجنس البشري بأسره. ومن هنا، فإن تطوير معرفتنا بأساليب جمع الطاقة الشمسية هو أمر بغاية الأهمية. هذا اكتشاف مثير للغاية، فقد بتنا نعرف الآن كيفية عمل هذه المواد، مما سيسمح لنا بتصميم قوالب جديدة لجمع الطاقة الشمسية، بكلفة تقل عن خلايا الطاقة المصنعة من السيليكون. كما تتمتع هذه المادة بميزة إضافية، وهي إمكانية إنتاجها من دون الحاجة إلى أفران بدرجات حرارة عالية». ويعول معهد قطر لبحوث البيئة والطاقة ومركز أبحاث الهندسة الوراثية والمواد المتقدمة للبناء على هذا الاكتشاف، حيث تكللت جهودهما في هذا المجال بمنحة سخية من الصندوق القطري لرعاية البحث العلمي، عضو قطاع البحوث والتطوير بمؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع، تهدف لتبني البحوث الريادية المتميزة بما يعزز رسالة مؤسسة قطر، الرامية إلى بناء القدرات العلمية والتكنولوجية لدولة قطر والارتقاء بها لتصبح قطباً عالمياً للتميز والابتكار.

 وقال الدكتورة فدوى الملوحي، الباحثة الأولى بمعهد قطر لبحوث البيئة والطاقة: «نشكر الصندوق القطري لرعاية البحث العلمي على لفتته الكريمة في تمويل بحوثنا الواعدة. وستشمل هذه المنحة عملية النمذجة التي سيقوم بها فريقنا في المعهد وفريق الدكتور سانفيتو، بالإضافة إلى الأنشطة التجريبية التي سيجريها المحققون الرئيسيون لدينا ولدى مركز أبحاث الهندسة الوراثية والمواد المتقدمة ومركز أبحاث تكيف الهياكل النانوية والجهائز النانوية. وسيسمح لنا هذا التمويل بالتوسع في البحوث، واستخدام أحدث التقنيات، وتحليل المعلومات بشكل أدق».

© Al Arab 2015