تراجعت أسعار القمح في العقود الآجلة لبورصة شيكاغو خلال الشهور الثلاثة الماضية بنحو 30%، واكتفت بمكاسب بسيطة منذ بداية العام تقل عن 1%، وذلك رغم استمرار الحرب الروسية الأوكرانية التي دفعت الأسعار لمستويات قياسية خلال مارس.

وسجلت عقود القمح الأمريكي 7.69 دولار للبوشل (وهي وحدة قياس تساوي 27.2 كيلوغرام) بحسب تداولات العقود الآجلة في بورصة شيكاغو بحلول الساعة 9:17 صباحا يوم الخميس بتوقيت دبي.

لكن ما أسباب هذا التراجع غير المتوقع؟ وكيف سيكون الوضع مستقبلا؟

"نقص المعروض ليس بالسوء المتوقع"

"تراجعت أسعار القمح بحدة لثلاثة أسباب، وكي نفهمها علينا الرجوع إلى سبب الارتفاع في المقام الأول"، بحسب باول هيوز كبير الاقتصاديين الزراعيين في مؤسسة ستاندرد آند بورز جلوبال للتصنيفات الائتمانية. 

وعن أسباب ارتفاع أسعار القمح، يقول هيوز في حديث لزاوية عربي: "قبل عدة أشهر حينما كان السوق يواجه حرب روسيا وأوكرانيا، توقع المتعاملون خسارة صادرات أوكرانيا وروسيا (بفعل العقوبات)، والبلدان مجتمعان يصدران نحو 30% من الصادرات في العام الطبيعي".

وبخلاف ذلك، كان هناك قلق حول كميات المحصول من كبار المنتجين في نصف الكرة الشمالي، كما أن صناديق الاستثمار راهنت على النقص المتوقع في المعروض وكثفت حيازتها من عقود القمح، بحسب هيوز.

لكن ما حدث هو أنه خلال الشهور الماضية لم تكن العقوبات كافية لعزل القمح الروسي، وبات متاح كالمعتاد في الأسواق العالمية كل عام، كما أن أوكرانيا ابتكرت طرق لتصدير القمح عبر السكك الحديدية، ورغم أن ذلك أقل بكثير مما يمكنها تصديره لكن كان أفضل من المتوقع، وفق ما أضافه هيوز.

ولفت إلى أن التطورات الأخيرة الخاصة باتفاق روسيا وأوكرانيا حول تصدير الحبوب بوساطة تركيا والأمم المتحدة سيسمح بتصدير الشحنات من أوكرانيا عبر المحيط، وقال: "النقص في المعروض لم يكن بالسوء المتوقع".

ولم يكن ذلك العامل الأوحد، بحسب هيوز، فرغم التهديد الذي يمثله الطقس السىء على المحصول في نصف الكرة الشمالي، منعت عدة تدابير الوصول للسيناريو الأسوأ الذي تم التسعير وفقه قبل عدة أشهر، وإنتاج روسيا كان كبير بشكل قياسي.

ووفق بيانات وزارة الزراعة الأمريكية، بلغ إنتاج روسيا من القمح 75.2 مليون طن في الموسم التسويقي 2021-2022 المنتهي في يونيو الماضي، ويتوقع أن يرتفع إلى 81.5 مليون طن الموسم التسويقي 2022-2023 الذي بدأ في يوليو الماضي.

وسجلت أستراليا -أحد أكبر منتجي القمح- ارتفاع قياسي في الإنتاج ليصل إلى 36.3 مليون طن في الموسم التسويقي 2021-2022، ويتوقع أن ينخفض إلى 30 مليون طن في الموسم التسويقي 2022-2023.

وقال هيوز: "رفع الفيدرالي الأمريكي للفائدة بالسرعة التي رفع بها خلال الشهرين الماضيين دفعت مؤشر الدولار للارتفاع وأدت لانخفاض واسع النطاق في عدد كبير من السلع، إذ أعادت صناديق الاستثمار توظيف أصولها في أنواع أخرى من الأصول (بخلاف عقود القمح)".

 ومنذ مارس الماضي، رفع الفيدرالي الأمريكي (البنك المركزي الأمريكي) أسعار الفائدة 2.25% على أربع مرات (مارس: 0.25%، مايو: 0.5%، يونيو: 0.75%، يوليو: 0.75%).

وفي تقريره الشهري عن يوليو الماضي يقول مجلس الحبوب العالمي إن العوامل الموسمية نتيجة زيادة الإمدادات من نصف الكرة الشمالي (حيث يوافق موسم الحصاد) كانت أحد عوامل تراجع الأسعار أيضا.

هل تستمر الأسعار في الانخفاض؟

يتوقع مجلس الحبوب العالمي أن يسجل الإنتاج العالمي من القمح 770 مليون طن في الموسم التسويقي الحالي 2022-2023 بانخفاض نحو 11 مليون طن عن تقديراته لإنتاج الموسم التسويقي الماضي 2021/2022.

فيما توقعت وزارة الزراعة الأمريكية، في أحدث تقاريرها للإنتاج والاستهلاك والتجارة العالمية للحبوب الصادر في منتصف يوليو، أن يتراجع الإنتاج العالمي إلى 771.6 مليون طن في الموسم التسويقي الحالي، مقابل تقديرات بـ 779 مليون طن في الموسم الماضي.

وحول الأسعار، يرى الاقتصادي من ستاندرد أند بورز أنها عند أدنى مستوياتها الموسمية بالنسبة للقمح الأمريكي، وهناك مجال للانخفاض بشكل طفيف للقمح الأوروبي في ضوء التطورات الخاصة بتصدير أوكرانيا للحبوب عبر الموانىء، "لكن في كل الأحوال كلا العقدين قد انخفضوا بالفعل بمستويات كبيرة والاتجاه القادم المرجح أكثر سيكون الارتفاع".

وبالمثل توقع كينيث سكوت زوكربيرغ كبير اقتصاديين الحبوب وإمدادات المزارع في كو بنك، وهو جزء من منظومة الاقراض الزراعي الأمريكية، في التقرير ربع السنوي المنشور على موقع البنك في يوليو، ارتفاع أسعار الحبوب خلال النصف الثاني من العام في ظل محدودية المعروض العالمي من القمح وفول الصويا خاصة مع الطلب الثابت على الغذاء والأعلاف والوقود.

"في رؤيتنا ستظل أسواق القمح محدودة الإمدادات لموسمين حصاد على الأقل نتيجة الحرب، مع أخذ الطلب الثابت في الاعتبار (بالأساس من الدول التي تعاني من انعدام الأمن الغذائي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا) (يتوقع) أن تشهد الأسعار ضغوط رافعة"، بحسب ما كتبه زوكربيرغ.

بناء المخزون

وحول تحفيز تلك المستويات المنخفضة من الأسعار للدول المستهلكة للقمح، قال هيوز إن هناك نشاط ملحوظ في مناقصات القمح في عدد من البلدان بينها مصر والجزائر وباكستان بعد إحجام تلك الدول عن الشراء عند المستويات المرتفعة للأسعار وقت بداية الحرب.

واشترت مصر نهاية يونيو الماضي أكبر شحنة قمح في أكثر من عقد يصل حجمها إلى 815 ألف طن، وأعلن العراق مؤخرا عزمه شراء 1.5 مليون طن من القمح لبناء مخزونه للعام القادم.

وتتوقع وزارة الزراعة الأمريكية ارتفاع واردات الجزائر من القمح والدقيق ومنتجات القمح بنحو 300 ألف طن خلال الموسم التسويقي الحالي لتصل إلى 8.1 مليون طن مقابل 7.8 مليون طن في الموسم التسويقي الماضي.

لكن مصر-وهي أكبر مستورد للقمح في العالم- قد ألغت أحدث مناقصاتها مؤخرا بسبب ارتفاع الأسعار بحسب ما ذكرته وكالة أنباء الشرق الأوسط المصرية الرسمية، وحول ذلك يرى هيوز أن الأسعار انخفضت في مناقصات هيئة السلع التموينية وبلغ أعلى سعر في مناقصة قبل أسبوعين 400 دولار للطن وذلك مقابل 480 دولار مطلع يونيو، لكنه أشار إلى أن قوة الدولار ربما تمحو وفورات انخفاض الأسعار خاصة عند ترجمتها للجنيه المصري.

وتتوقع وزارة الزراعة الأمريكية ارتفاع مشتريات هيئة السلع التموينية من القمح إلى 5 ملايين طن خلال الموسم التسويقي الحالي مقابل 4.47 مليون طن في الموسم التسويقي الماضي (2021-2022).

وكذلك نوهت إلى أن مصر تعاقدت بشكل مباشر على 687 ألف طن قمح من مصادر متنوعة. وظلت روسيا أكبر مورد للقمح لمصر خلال أول 6 أشهر من عام 2022، بـ 1.82 مليون طن من إجمالي 3.86 مليون طن استوردتها مصر، وبلغ نصيب القطاع الخاص من واردات القمح 66.5% فيما كان نصيب هيئة السلع التموينية 33.5% بحسب بيانات وزارة الزراعة الأمريكية.

وخفضت وزارة الزراعة الأمريكية توقعاتها لواردات مصر من القمح والدقيق ومنتجات القمح الموسم الحالي لتصبح 11 مليون طن من 11.5 مليون طن الموسم الماضي، وفي الوقت نفسه أشارت إلى جهود الحكومة لخفض واردات القمح عبر رفع نسبة استخراج الدقيق المستخدم في إنتاج الخبز المدعم إلى 87.5% بدلا من 82%، بما يوفر 500 ألف طن.


 

(إعداد: أماني رضوان، تحرير: مريم عبد الغني، للتواصل rim.shamseddine@lseg.com)

#تحليلمطول

للاشتراك في تقريرنا اليومي الذي يتضمن تطورات الأخبار الاقتصادية والسياسية، سجل هنا