يعرف أغلب الدارسين عنصر الهيدروجين منذ صغرهم كأول عناصر الجدول الدوري للعناصر الكيميائية، لكن المتخصصين في مجال الطاقة يعرفونه كمصدر للوقود النظيف ذي قدرة عالية.

يمكن إنتاج الهيدروجين من مجموعة متنوعة من مصادر الطاقة، مثل الطاقة النووية والكتلة الحيوية والطاقة المتجددة ومنها الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، بل والوقود الأحفوري كالغاز الطبيعي. كما يمكن استخدامه مباشرة أو تخزينه ونقله وتحويله لمصادر أخرى للطاقة بصورة سلسة.

كل هذه المميزات المختلفة جعلت الهيدروجين خيار فعال في عدة قطاعات لتزويدها بالطاقة منها النقل وتوليد الكهرباء للمنازل والمصانع. كما أشارت وكالة الطاقة الدولية إلى أن الهيدروجين يمكن أن يلعب دور مهم في مستقبل الطاقة النظيفة.

اتجاه العالم للهيدروجين

بالإضافة لسهولة تداوله في الاستخدامات المختلفة، فللهيدروجين عدة أنواع يمكن لأغلبها أن يساعد في تخفيض الانبعاثات الكربونية في العديد من الصناعات بما يصل في المتوسط لأكثر من 20% من تخفيضات الانبعاثات السنوية عالميا.

يعتمد هذا بصورة أساسية على نوعية الوقود المستخدم في إنتاج الطاقة من الهيدروجين، ولكن يمكن خفض الانبعاثات حتى في حالة استخدام الوقود الأحفوري إن تم إعادة استخدام الغاز الصادر من عملية إنتاج الهيدروجين. غير أن أكثر أنواع الهيدروجين صداقة للبيئة هي تلك المولدة من مصادر الطاقة المتجددة بأنواعها.

قُدرت قيمة سوق الهيدروجين العالمية بنحو 155 مليار دولار عام 2022 بدلا من 150 مليار دولار في 2021، وذلك بعد تباطؤ نسبي في نمو السوق خلال عام 2020 بسبب وباء كوفيد-19 والتوقف عن الأنشطة الصناعية الذي أدى لانخفاض في أسعار الوقود الأحفوري وقلة الطلب عليه، وهو ما جعل الهيدروجين في تلك الفترة مصدر للطاقة غير جذاب سعريا.

وتتوقع تقارير مختلفة ألا يقل معدل النمو السنوي المركب لسوق الهيدروجين عن 5.6% لتصل قيمتها إلى نحو 220 مليار دولار بحلول عام 2028. في حين تفوق توقعات تقارير أخرى تلك الأرقام، إذ تشير إلى معدل نمو سنوي قد يصل إلى 9.3% بين عامي 2023 و2030.

لكن رغم تلك التوقعات الإيجابية، يمثل الهيدروجين الأخضر، وهو الأقل تأثيرا على البيئة، نسبة ضئيلة فقط من هذه الأرقام، إذ أن تكلفة إنتاجه المرتفعة تحد من حصته بسوق الهيدروجين مقارنة بالألوان الأخرى.

ألوان عديدة للهيدروجين

تنقسم أنواع الهيدروجين بالأساس إلى تلك المنتجة من الوقود الأحفوري وأخرى منتجة من الطاقة المتجددة، وإن كان الأغلب من الوقود الأحفوري، إذ أن 99% من الهيدروجين المنتج في عام 2020 اعتمد على المواد الكربونية.

في حين اعتمد الباقي على مصادر أخرى مثل الكهرباء المولدة من المصادر الخضراء. وبناء على طرق الإنتاج، يمكن أن يكون الهيدروجين أخضر أو رمادي أو وردي أو أزرق وألوان أخرى تختلف باختلاف عمليات توليده، وأحيانا وفق سنة وبلد المنشأ.

لذلك فقد دفعت الحصة الكبيرة للهيدروجين المولد من الوقود الأحفوري العالم لإطلاق مبادرات مختلفة لزيادة الاعتماد على الهيدروجين الأخضر، ومن بين هذه المبادرات إطلاق المنتدى الاقتصادي العالمي "دافوس" مبادرة لتسريع استخدام الهيدروجين النظيف.

الهيدروجين الأبيض والأسود

يعتبر الهيدروجين الأبيض هو الهيدروجين الموجود بصورة طبيعية تحت الأرض بانتظار التنقيب عنه. ولا يحتاج الهيدروجين الأبيض لعمليات معالجة كثيرة قبل استخدامه مباشرة.

لكن الهيدروجين الأبيض شديد الندرة، ولا توجد طرق سهلة لاستخراجه، وهو ما جعل إيجاد بدائل له الشغل الشاغل للعديد من المراكز البحثية. وأول ما نتج من تلك البدائل هو كل من الهيدروجين الرمادي والبني والأسود المتدرجين في التلوث بالترتيب من أقلهم لأكثرهم بعثا للكربون.

يتم توليد الهيدروجين الرمادي من الغاز الطبيعي أو الميثان عن طريق تكرير البخار. ورغم حجم الانبعاثات الضخم من هذه الطريقة، لكنه أفضل من استخدام الفحم الذي ينتج الهيدروجين البني والأسود طبقا لنوع الفحم المستخدم.

ومن المعروف أن حرق الفحم ينتج كميات أكبر من الانبعاثات مقارنة بباقي أنواع الوقود الأحفوري، مما يجعله أكبر مصدر لارتفاع درجة حرارة الأرض.

ولإنتاج الهيدروجين، يُستخدم الفحم والغاز الطبيعي في الأساس لفصل ذرات الهيدروجين عن العناصر المختلطة بها، فعلى سبيل المثال يمكن استخدامهما لإنتاج الهيدروجين من الماء، عن طريق فصل ذرات الهيدروجين والأكسجين عن بعضها البعض.

ألوان أقل تلويثا

أما الهيدروجين الأزرق فيمتاز بانبعاثات أقل بسبب اعتماده على ربط عملية إنتاج الهيدروجين بتقنيات التقاط وتخزين الكربون الناتج من عمليات توليد الهيدروجين. أي أن الانبعاثات الناتجة عن توليد الهيدروجين يتم تخزينها في خزانات خاصة تحت الأرض.

ويظل ذلك حل مثير للجدل علميا في ما يتعلق بمدى صداقته للبيئة فعليا، إذ أن عملية احتجاز الكربون، وإن تمت بصورة فعالة، فإنها لا تستطيع التقاط كل الانبعاثات الناتجة. كما أن تخزين الانبعاثات الكربونية لا يعني أنه تم التخلص منها نهائيا، بل فقط يعني عدم السماح بخروجها إلى الغلاف الجوي.

ومن هنا استدعت الحاجة إنتاج ألوان أخرى من الهيدروجين تحد من حجم الانبعاثات بصورة غير مزيفة. ومن هذه الأنواع الهيدروجين الوردي، الذي يعتمد على التحليل الكهربائي للمياه لفصل ذرات الهيدروجين باستخدام الطاقة النووية عوضا عن الأحفورية. علما بأنه يمكن استخدام الحرارة العالية في المفاعلات النووية لتبخير المياه وتسهيل عمليات الفصل تلك بما يحسن كفاءتها بأقل تكلفة وأقل استخدام للطاقة ممكن.

الهيدروجين الأخضر

رغم كلفته العالية حاليا، إلا أن أشهر الألوان للهيدروجين وأنواعه هو الهيدروجين الأخضر، ولهذا تتجه الدول إليه مؤخرا، خاصة بعد إنشاء سوق عالمية له ووصول قيمتها إلى 4.2 مليار دولار عام 2023.

ويعتبر الهيدروجين الأخضر مصدر للطاقة النظيفة وواحد من حلول التغيرات المناخية المتوقع الاعتماد عليها بشكل جذري مستقبلا.

يسمى الهيدروجين الأخضر أيضا بـ"الهيدروجين النظيف"، إذ يتم توليده باستخدام الطاقة المتجددة النظيفة، مثل الطاقة الشمسية أو طاقة الرياح وذلك باستخدام الكهرباء في عمليات التحليل للمياه.

وبسبب اعتماده على الطاقة النظيفة، فإن حجم الانبعاثات الكربونية من الهيدروجين الأخضر شبه منعدم، مما يعني أنه يمكن أن يلعب دور أساسي في جهود العالم لتطبيق التزاماته صوب الحد من الانبعاثات والوصول إلى مستهدف صفر انبعاثات بحلول عام 2050.

يُشار إلى أنه في حال استخدام الطاقة الشمسية في إنتاج الهيدروجين فيتم تسميته بـ "الهيدروجين بالأصفر"، لكن هذا اللون من الهيدروجين لا يمكن استخدامه في جميع ساعات اليوم، حيث أنه يعتمد على عدد ساعات سطوع الشمس، غير أنه يمكن استخدام مصادر أخرى للطاقة المتجددة لتعويض الساعات المتبقية من اليوم.

وعند مقارنة السعر الحالي للهيدروجين الأخضر بالأزرق، نجد أن سعر الهيدروجين الأخضر يتراوح بين 4.5 و12 دولار للكيلوغرام، مقارنة بـ 1.8 إلى 4.7 دولار للهيدروجين الأزرق.

غير أنه في السنوات الستة المقبلة قد يصل سعر الهيدروجين الأخضر - وفق عدة توقعات - إلى دولارين للكيلوغرام، وهو ما سيعتبر نقطة تحول مهمة، ستجعل الهيدروجين الأخضر قادر على المنافسة مع الهيدروجين الرمادي والحصول على الحصة الأغلب من سوق الهيدروجين ككل.

وسيتم الوصول لهذا السعر مع حجم الاستثمارات التي تم ضخها في هذا القطاع بالتوازي مع استخدام الهيدروجين الأخضر في عمليات تصنيع مختلف المنتجات الخضراء مثل الأمونيا الخضراء.

ومع مرور الوقت سيصبح من الأرخص إنتاج الهيدروجين الأخضر باستخدام الطاقة المتجددة الفائضة، وسيتم تفضيل استخدام التحليل الكهربي عن تكرير البخار.

(إعداد: عمر الحسيني، مهندس استشاري للبنية التحتية والحلول البيئية ومحاضر الهندسة البيئية بفرع جامعة كوفنتري البريطانية في مصر والجامعة الأمريكية بالقاهرة) 

#مقالرأي

( للتواصل zawya.arabic@lseg.com)