تشير التقارير الاقتصادية أن الإرشاد المهني يرفع فرص المشروعات الصغيرة في البقاء والاستمرار في سوق الأعمال؛ حيث تشير إلى أن 70% من الشركات الصغيرة التي تلقت إرشاداً استمرت أكثر من خمس سنوات، أي ضعف معدل بقاء الشركات الأخرى.

وتتضاعف أهمية هذا الإرشاد في قطاع سريع التغيّر مثل قطاع النشر، إذ يصبح بناء شبكات العلاقات المهنية وتبادل المعارف والخبرات أكثر إلحاحاً، في ظل واقع يومي يواجه فيه الناشر ملفات التحرير والتصميم والتمويل والتوزيع وحقوق الترجمة والتسويق وبيانات المبيعات منذ المراحل الأولى للعمل.

انطلاقاً من هذا الواقع، يكتسب صندوق الشارقة لاستدامة النشر "انشر" قيمته وتبرز أهميته؛ فهو يضمن وصول الناشرين إلى الإرشاد والخبراء والأسواق، ويحوّل العلاقة مع القطاع من تجربة فردية إلى مسار مهني داخل مجتمع واضح المعالم.

انطلق الصندوق بمبادرة من سمو الشيخة بدور بنت سلطان القاسمي، رئيسة مجلس إدارة هيئة الشارقة للكتاب، ضمن شراكة تضم هيئة الشارقة للكتاب وجمعية الناشرين الإماراتيين ومدينة الشارقة للنشر. وتقوم بنيته على ثلاثة مسارات: "الإطلاق" للناشرين الجدد، و"النمو" لدور النشر القائمة، و"الابتكار" للشركات التقنية العاملة مع قطاع النشر. أهمية هذه المسارات أنها تعالج مراحل العمل، التي يحتاج كل منها إلى نوع مختلف من العلاقة المهنية؛ من مرشد في البداية، وشريك في في النمو، إلى خبير تكنولوجي عند تطوير نماذج العمل.

شبكات مهنية لبداية احترافية

يتبع صندوق الشارقة لاستدامة النشر "انشر" أفضل الممارسات العالمية الرائدة، التي أثبتت أن الناشر الجديد يحتاج إلى تدريب وشبكة اتصالات قبل الظهور الواسع؛ مثل برنامج "زمالة فرانكفورت" (Frankfurt Fellowship)، الذي انطلق عام 1998، وركّز على تبادل المعلومات، والحوار المهني، وتوسيع شبكة صناعة النشر الدولية. هذا النموذج يشرح سبب أهمية أن يضم مسار الإطلاق في "انشر" الإرشاد والموارد والتواصل المؤسسي.

وفي هذا الإطار، يركز "مسار الإطلاق" في "انشر" على تهيئة الناشرين الجدد لدخول السوق من خلال الإرشاد المهني، والتدريب المتخصص، وبناء العلاقات داخل قطاع النشر. ويستهدف المسار الناشرين الذين لا يزالون في مراحلهم الأولى، عبر ربطهم بخبراء ومؤسسات مهنية تساعدهم على تطوير خطط النشر، وفهم إدارة الحقوق، وآليات التوزيع، والجوانب التجارية المرتبطة بصناعة الكتاب. كما يتيح للمشاركين الوصول إلى فعاليات ومعارض مهنية تفتح أمامهم فرص التواصل مع ناشرين ووكلاء وموزعين من أسواق مختلفة.

فرص تبادل الحقوق وعقد الصفقات

أما في "مسار النمو"، فيركز "انشر" على تأهيل دور النشر القائمة للتعامل مع سوق الحقوق والتوزيع والشراكات المهنية من موقع أكثر جاهزية، عبر تطوير إدارة الحقوق، والأعمال بين الشركات، والنماذج المالية، والتقنيات الرقمية. وتكتسب هذه المرحلة أهميتها من خلال إشراك الناشرين المشاركين في لقاءات "مؤتمر الناشرين" الذي ينظمه معرض الشارقة الدولي للكتاب، والذي حافظت الشارقة من خلاله، للعام الخامس على التوالي في 2025، على مكانتها كأكبر سوق عالمي لبيع وشراء حقوق النشر. وقد جمع المؤتمر في عام 2025 أكثر من 1599 ناشراً من 116 دولة، عقدوا 3321 اجتماعاً مهنياً، ما أتاح للمشاركين فرص التواصل المباشر مع ناشرين ووكلاء وموزعين من أسواق مختلفة، والتعرف إلى آليات التفاوض وتبادل الحقوق وبناء الشراكات المهنية داخل قطاع النشر العالمي.

تقنيات تعيد تشكيل النشر

وفي مسار الابتكار، يتعامل "انشر" مع التحول المتسارع في صناعة النشر، حيث أصبح الكتاب قابلاً للانتقال إلى الصوت والصورة والرسوم المتحركة والمحتوى الرقمي التفاعلي. ومن هنا يركز المسار على ربط الناشرين بشركات تقنية متخصصة تساعدهم على تطوير المحتوى، وإدارة الحقوق، والوصول إلى أشكال جديدة من الإنتاج والتوزيع. ويظهر هذا التوجه أيضاً في مؤتمر الشارقة للرسوم المتحركة والكتب المصورة، الذي تنظمه هيئة الشارقة للكتاب، والذي يعمل على فتح قنوات تعاون بين الناشرين واستوديوهات الرسوم المتحركة وصناع المحتوى البصري.

وفي هذا السياق، استقطب مسار الابتكار في "انشر" 94 طلباً من شركات تقنية من 17 دولة، شملت حلولاً في الذكاء الاصطناعي، والتحرير، والترجمة، والمحتوى الصوتي، وتقنيات الرسوم المتحركة والبنية الرقمية، بما يعكس اتساع العلاقة بين النشر والصناعات الإبداعية المرتبطة به.

مجتمع متكامل يخدم قطاع النشر

وإلى جانب التدريب والإرشاد، أطلق الصندوق مجموعة من المبادرات الداعمة لخريجي مساري "الإطلاق" و"النمو"، شملت فرص مشاركة مهنية في أسواق النشر العالمية. وحصل خمسة فائزين من مسار "الإطلاق" على برنامج إرشاد يمتد لعام كامل، إضافة إلى رعاية كاملة للمشاركة في ما يصل إلى ثلاثة معارض كتب دولية، من بينها معارض لندن، وبولونيا، وبكين، وفرانكفورت، وشنغهاي.

كما خصص الصندوق جناحاً جماعياً لخريجي البرنامج في معرض الشارقة الدولي للكتاب 2025، بمشاركة 11 ناشراً من مسار "الإطلاق" وناشر واحد من مسار "النمو" ممن تقل إصداراتهم المنشورة عن 50 عنواناً. وضمن برامج الدعم المستمرة بعد انتهاء التدريب، وفّر الصندوق خدمات محاسبية وضريبية للمشاركين، بهدف مساعدتهم في إدارة الجوانب التجارية والمالية المرتبطة بأعمالهم في قطاع النشر.

وهنا تظهر قيمة الصندوق في منح الناشر شعوراً بالانتماء إلى شبكة قادرة على تبادل الخبرة والفرصة. وفي صناعة تعتمد على الثقة والمعرفة المتبادلة، تصبح هذه الشبكة أحد أهم شروط نجاح الكتاب العربي في النمو نحو آفاق واسعة وقراء متنوعي الثقافات.

-انتهى-

#بياناتشركات