كشف "مؤشر إيدلمان للثقة" لعام 2026 أن حالة "التظلم" لدى أفراد المجتمعات حول العالم قد تراجعت لتحل محلها نزعة متزايدة نحو "الانعزال"، حيث أفاد سبعة من كل عشرة أشخاص حول العالم بأنهم غير مستعدين أو مترددين في الثقة بمن يختلفون عنهم في القيم أو مصادر المعلومات أو أساليب حل المشكلات أو الخلفيات الثقافية.

وتظهر هذه الحالة من التردد في الثقة بالآخرين المختلفين بصورة أكثر وضوحاً في الدول المتقدمة، مثل اليابان (89%) وألمانيا (81%)، كما تبقى مرتفعة في دول مثل المملكة المتحدة (76%) وكندا (73%)، بينما تسجل الولايات المتحدة المعدل العالمي نفسه البالغ 70%. وفي المقابل، أبدى ما يقرب من نصف سكان دولة الإمارات (48%) فقط تردداً أو عدم رغبة في الثقة بمن يختلفون عنهم، ما يضع الدولة ضمن الأسواق العالمية الأقل ميلاً إلى الانعزال، حيث تبقى الأغلبية منفتحة على بناء الثقة عبر الاختلافات.

ولا يقتصر هذا التوجه نحو الانعزال على أنماط الثقة وحسب، بل يمتد ليعيد تشكيل نظرة الناس تجاه المستقبل. فعلى المستوى العالمي، شهد "التفاؤل" تراجعاً حاداً، إذ يرى أقل من ثلث المشاركين (32%) أن الجيل القادم سيكون في حال أفضل مقارنة باليوم. وفي المقابل، تُظهر دولة الإمارات نظرة أكثر مرونة وتفاؤلاً، حيث لا يزال ما يقرب من ثلثي السكان (63%) متفائلين بمستقبل الجيل القادم.

وحول نتائج "مؤشر إيدلمان للثقة" لعام 2026، قالت نداء لون، رئيسة مكتب أبوظبي في شركة إيدلمان الشرق الأوسط": "في الوقت الذي تتجه فيه المجتمعات حول العالم نحو الانغلاق، تواصل دولة الإمارات إظهار قوة مجتمعها النابعة من الثقة بالمؤسسات وأصحاب العمل والقيادات. فمستويات الثقة داخل مجتمع دولة الإمارات ما زالت قوية حتى بين الفئات الأكثر حذراً. وفي مجتمع يتسم بتنوعه على نطاق واسع، يُعد ذلك عنصراً بالغ الأهمية، إذ يوفر أساساً متيناً للقيادة، لا يقوم على تجنب الاختلاف وحسب، بل على التفاعل البنّاء معه وذلك في إطار تطلع الدولة نحو المستقبل."

أصحاب العمل والقيادات وسطاء للثقة في مجتمع دولة الإمارات العربية المتحدة

يتمتع أصحاب العمل في دولة الإمارات بمكانة قوية تؤهلهم للقيام بدور وسطاء للثقة في ظلّ التوجه العالمي نحو الانعزال. فقد جاءت "جهة عملي" (بنسبة 70% بين الموظفين في دولة الإمارات) في المرتبة الأولى بالتساوي مع الحكومة (70% بين عموم السكان) كأكثر المؤسسات كفاءة في جسر الفجوات وتيسير بناء الثقة بين المجموعات التي تفتقر إلى الثقة المتبادلة. وحدد الموظفون مجموعة من الإجراءات الواضحة والمتسقة التي تدعم هذا الدور، حيث أكد تسعة من كل عشرة أن أصحاب العمل قادرون على بناء الثقة من خلال تعزيز هوية وثقافة مشتركة، وجمع فرق عمل تضم زملاء من قيم وخلفيات مختلفة، وتوفير التدريب على الحوار البنّاء.

ويأتي ذلك في سياق من الثقة المؤسسية المستدامة في دولة الإمارات، حيث لا تشهد الساحة المحلية رفضاً واسعاً للمؤسسات أو القيادات رغم تصاعد الحذر العالمي من الاختلاف. ويحافظ الإعلام على مستويات ثقة مرتفعة، فيما يواصل قادة المؤسسات الاحتفاظ بمصداقيتهم، في وقت أفاد فيه أكثر من نصف المشاركين في الدولة بأنهم يتفاعلون مع مصادر معلومات ذات توجهات سياسية مختلفة عن توجهاتهم مرة واحدة على الأقل أسبوعياً. وبصورة عامة، تبقى مستويات الثقة مرتفعة، إذ تحظى جهة العمل بثقة 88% من الموظفين، بينما يثق 86% من السكان بالحكومة، و84% بقطاع الأعمال، و77% بالمنظمات غير الحكومية، و74% بوسائل الإعلام.

وبناءً على ما سبق، رصد المؤشر ارتفاع التوقعات من عموم الناس تجاه القيادات في دولة الإمارات، حيث يتطلع السكان إلى الرؤساء التنفيذيين وينتظرون منهم قيادة جهود بناء الثقة داخل المؤسسات والمجتمع. فبينما يرى 83% من المشاركين أن الرؤساء التنفيذيين ملزمون بالاضطلاع بدور نشط لجسر الفجوة بين مختلف الفئات، يعتقد 62% من المشاركين أن الرؤساء التنفيذيين ينجحون في أداء هذا الدور حالياً. ويرى الجمهور أن تعزيز الثقة بفاعلية يتطلب من القيادات التفاعل البنّاء مع المنتقدين والمتشككين (85%) في إشارة إلى الانفتاح على الحوار بدلاً من التراجع أمام الاختلاف، إلى جانب التشاور مع أشخاص من خلفيات متنوعة عند اتخاذ القرارات (84%) لترسيخ قيم الشمول والخبرة الواقعية في خيارات القيادة، فضلاً عن تجسيد سلوكيات بناء الثقة بدءاً من القمة، وذلك على اعتبار أن الرؤساء التنفيذيين هم الجهة التي تحدد نبرة تفاعل المؤسسات مع الاختلافات.

وتعكس هذه النتائج رسالة واضحة للقيادات، مفادها أن الحفاظ على الثقة لم يعد أمراً بديهياً أو عاماً، بل أصبح أكثر ارتباطاً بالتجربة الشخصية. وفي ظل هذا الواقع، ستتوقف استدامة الثقة على قدرة القادة وأصحاب العمل على ردم الفجوات وتعزيز التماسك وبناء الثقة بين مكونات المجتمع المتنوع.

نبذة عن مؤشر إيدلمان للثقة

يُعد "مؤشر إيدلمان للثقة" لعام 2026 النسخة السادسة والعشرين من الاستطلاع السنوي الذي تجريه الشركة. وقد أُنجزت الدراسة من قبل "معهد إيدلمان للثقة"، واعتمدت على مقابلات إلكترونية استغرقت 30 دقيقة، أُجريت خلال الفترة من 23 أكتوبر إلى 18 نوفمبر 2025. وشمل الاستطلاع نحو 34 ألف مشارك في 28 دولة حول العالم.

ويُنشر التقرير في شهر يناير من كل عام، ويتناول مجموعة من المؤشرات الاجتماعية المهمة والآنية المتعلقة بمستويات الثقة في قطاع الأعمال ووسائل الإعلام والحكومات والمنظمات غير الحكومية، بما يسهم في تشكيل النقاش العام وتحديد أولويات الأجندة للعام المقبل.