أ.د.وصال نجيب العزاوي
استاذة النظم السياسية والسياسات العامة
مديرة المركز العراقي للدراسات الاستراتيجية

الجزء الأول
من نافلة القول ان مصطلح الديمقراطية التوافقية مصطلح حديث النشأة في العالمين العربي والاسلامي، ولهذا لم ينل الدراسة المكثفة وخاصة ان كل من العراق ولبنان من الدول التي خاضت هذه التجربة الحديثة، حيث طرحت فكرة الديمقراطية التوافقية كحل لمشكلة ممارسة السلطة وطريقة ادارة الحكم وخاصة في المجتمعات ذات التعددية المتنوعة اجتماعيا ودينيا وقوميا وتعاني من حالة عدم الاستقرار والعنف السياسي والمجتمعي، اضف لذلك ان تبني الديمقراطية التوافقية طرح فكرة الوسطية بين الاستبدادية والدكتاتورية وبين الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة.
ولابد هنا من توضيح ان لكل نظرية سلبيات وقد يحدث بعض الخلل اثناء التطبيق وهو امر طبيعي لان المجتمعات التي طبقت فيها الديمقراطية التوافقية مختلفة وليست على حالة واحدة فلا يمكن تطبيق النموذج النمساوي او اللبناني على النموذج العراقي اذ لكل منهم خصائصه وسماته.. لذلك لابد من وضع نموذج عراقي يتلاءم مع حاجات وخصائص المجتمع العراقي والبنية السياسية التي تميزه عن غيره من المجتمعات .
والاسئله الي تثار في مجال التجربة العراقية وممارسته للديمقراطية التوافقية تتبلور بالاتي :
* لماذا اختار العراق الديمقراطية التوافقية كأسلوب للحكم؟ وهل فعلا ان العراق يطبق نموذج الديمقراطية التوافقية ام انها غطاء وديكور لممارسة نمط اخر من اسلوب الحكم وترسيخ نموذج يروج له بأسم الديمقراطية الا وهو ديمقراطية الطوائف والمحاصصة الطائفية؟
* ولو فرضنا جدلا ان العراق اختار نمط التوافق الديمقراطي اسلوبا للحكم حسب الخطاب السياسي المعلن، هل نجحوا في ايجاد استراتيجية لادارة حالات النزاع والصراع وتوجيهها ورسم مساراتها بأتجاه التعاون والتوافق بدلا من التنافس والتناحر؟
* هل ساهمت تجربة الديمقراطية التوافقية العراقية في رسم وتحديد الهوية الوطنية والمواطنه؟
* هل رسخت هذه التجربة المحاصصة الطائفية والقومية وبالتالي عطلت صنع القرار السياسي والخطاب السياسي الموحد؟
* ماهي رؤية القوى السياسية العراقية للديمقراطية وهل تتضمن برامجها توافقا واتفاقا على اعتبار استراتيجية التوافق الديمقراطي ضمن ثوابت العمل الوطني ؟
* هل استطاعت الديمقراطية التوافقية من خروج العراق من الازمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية؟ وهل ساهمت في ترسيخ اسس التعايش السلمي بين مكوناته اولا وعبر تقاسم السلطة والشراكة الفعلية للحكم التوافقي ثانيا ؟
هذه تساؤلات مشروعه تحتاج الى البحث العلمي المحايد، خاصة ان البحث في الموضوعة العراقية ليس سهلا لان التأزم الحالي قائم وجدلية التوافق الديمقراطي موضوع لم يحسم في مفاهيمه الاولية وترك الجوانب التاسيسية للتوافقية وهذا هو الاشكال بل المعضلة الكبرى في التجربة العراقية.
(1)
ديمقراطية توافقية ام هرطقة قانونية ودستورية
في اطار الجدليات الحاصله بين مؤيدي ومعارضي فكرة الديمقراطية التوافقية وخاصة في تطبيقها الحديث في العالم العربي (لبنان والعراق : انموذجا ) ونظرا للخلخل الحاصل في التطبيق الفعلي لمضمون وجوهر وهدف النموذج الوارد من الغرب فقد تعرض للنقد اللاذع وتوصيفها بالهرطقة القانونية والدستورية .
وانصافا لمنظري نموذج الديمقراطية التوافقية سنقف عند مفهومها وهدفها ومبررات الاخذ بها كأسلوب للحكم لنتحول بعدها الى معرفة اسباب اخفاق هذا النموذج في العراق .
تعد الديمقراطية التوافقية او كما يطلق عليها البعض بالديمقراطية التكاملية احد وابرز نماذج الديمقراطية الحديثة والتي ظهرت لمعالجة بعض المشكلات والازمات التي تعاني من الديمقراطيات الحرة في العالم، وتعود فكرة الديمقراطية التوافقية الى المفكر الهولندي ارنت ليبهارت والذي يعد من اوائل المنظرين لها واعتبارها نظرية للحكم الديمقراطي في مجتمع متعدد، كما ورد في كتابه المعروف\" الديمقراطية التوافقية في مجتمع متعدد\" الصادر عام 1968م ... وجدير بالذكر ان هذا المفهوم خضع لتسميات عدة فقد وصفها جيرالد لامبورغ بعبارة \" الديمقراطية النسبية \" في موضوعة بحثه عن الديمقراطية في النمسا وسويسرا، اما عالم الاجتماع بنغهام باول فاطلق عليها عبارة \"التجزؤ الاجتماعي\" وسماها يورك شنايدر \"الاتفاق الرضائي\" وفق قاعدة الاكثرية في الديمقراطية الليبرالية ... وهناك تسميات اخرى مثل الديمقراطية التعاقدية، الديمقراطية الاتفاقية ، او الديمقراطية غير المسيسة.(1)
تقدم الديمقراطية التوافقية كما تبلور مفهومها منذ عقود كنموذج بديل عن (الديمقراطية التنافسية) او (الديمقراطية التمثيلية) تاريخيا من قبل اغلب النظم السياسية المعاصرة فاذا كان مبدأ التنافس قد استكمل شروط صلاحيته القانونية والسياسية في سياق تكون دول ومجتمعات موسومة بقدر كبير من التلاحم البشري، والانصهار الاثني، والاستقرار السياسي ومعزز بثقافة سياسية ديمقراطية تكرس قواعد التنافس والتداول والتمثيل فان(الديمقراطية التوافقية) خلافا لذلك ولدت ونبعت في شروط يطبعها الانقسام المجتمعي والتباينات الاثنية والعرقية والجهوية وضعف الوحدة الوطنية وصعوبة الاستقرار السياسي وعسر ديمومته وتواتر موجات العنف الاجتماعي.
ينهض نموذج (الديمقراطية التوافقية) على دراسات امبريقية تناولت مجتمعات غربية (النمسا، بلجيكا، هولندا، سويسرا) وبلدان في العالم الثالث (الكونغو، روندا، جنوب افريقيا، لبنان، ماليزيا) اكثر مما يتأسس على تصورات نظرية، ما يعني انه لا يستقي عناصر نجاحه من تراكمات وخبرات تاريخية كما هو حال (الديمقراطية التمثيلية ) بقدر ما يستمد عناصر صلاحيته من واقع المجتمعات المتعددة التي تعذر عليها بفعل ظاهرة الانقسام في نسيجها العام انجاز الديمقراطية بمعناها التنافسي، ان المجتمع التعددي هو المجتمع المجزء بفعل الانقسامات الدينية او الايديولوجية او اللغوية او الجهوية او الثقافية او العرقية، كما انه المجتمع الذي تنتظم تداخله الاحزاب السياسية ومجموعات المصالح، ووسائل الاعلام، والمدارس والجمعيات التطوعية، على اساس الانقسامات المميزة له لذلك حين يحيل (ارنت ليبهارت) على (الديمقراطية التوافقية) فانه يعني النظام الذي تتعدد فيه مصادر السلطة ويكون اقرب من النظم الديمقراطية من دون التمكن من الوصول اليها، اما الاستقرار السياسي الذي يشكل شرطا مفصليا للديمقراطية التمثيلية عند (ليبهارت) فيتحقق حين يضمن النظام السلم المدني، ويتأسس على المشروعية والفعالية ويكون قادراً على تقليص العنف المدني وترشيد امكانيات اللجوء اليه.
استوحى(ارنت ليبهارت) مفهومه للديمقراطية التوافقية من النمذجة التقليدية لـ(غابرييل الموند) للنظم السياسية (1956) لذلك ميز بين نمطين من النظم الغربية ما بين 1956و1960 استنادا الى معايير الثقافة السياسية وبنية دور الاحزاب فمن جهة هناك النظام الانجلو امريكي المميز بثقافة سياسية منقسمة ومجزأة كما كان حال المانيا خلال جمهورية (فايمر) وفرنسا وعهد الجمهوريتين الثالثة والرابعة وايطاليا ما بعد الحرب وقد اعتبرت في مجملها مجتمعات متعددة، خلافا للولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا، والى حد ما الدول الاسكندنافية وجمهورية ارلندا وفلندا وايسلندا التي دخلت كلها دائرة المجتمعات غير المتعددة بيد ان وجه الجدة في مساهمة (ليبهارت) يكمن في تطويره نمذجة (غابرييل الموند) حين اقام تمييزاً داخل المجتمعات الغربية ما بعد الحرب بالاستناد الى درجة انقساماتها السياسية، ليخلص الى تصنيف ثلاثي ادرج فيه بلدان : (النمسا وبلجيكا ولوكسميرغ وهولندا) كدول اكثر انقساما تليها في الوسط (فرنسا وايطاليا وسويسرا والولايات المتحدة الامريكية)، اما الصنف الثالث الاقل انقساما فيتعلق بكل من( بريطانيا وجمهورية ايرلندا والدول الاسكندنافية وفلندا وايسلندا) .(2)
مقابل ذلك، عزا (ليبهارت) مصادر المشاكل الناجمة عن الانقسامات التي تناولت مكونات مجتمعات العالم الثالث الى غياب توافق او وفاق موحد، وبينما يعتبر العامل الايديولوجي السبب الرئيس للانقسام الاجتماعي والسياسي في المجتمعات الغربية، يرجع الانقسام في المجتمعات الثالثية الى الهوية وما يرتبط فيها، لذلك شدد على ان في مثل هذه المجتمعات ليس ثمة تمييز واضح بين المجال السياسي والمجال الاجتماعي والشخصي، وان الارتباطات المجموعاتية تتوافق مع ما اسماه (غليفود غيرتز) الولاءات الاولية التي قد تتأسس على اللغة والدين والعرف والجهة والعرق والروابط المبنية على الدم، مع ذلك ذهب (ليبهارت) الى ان ثمة علاقة بين مصدري الانقسامات (الايديولوجي والهوياتي) وانهما معا ينصهران في ما أسماه (المجتمعات المتعددة).
الى جانب غياب (التوافق او الوفاق الموحد) كأحد الخصائص السياسية للدول الثالثية، هناك خاصية فشل بناء الديمقراطية في هذه المجتمعات، فقد اعقب التفاؤل الذي ساد الدول الحديثة، غداة استقلالها في تحقيق التنمية والديمقراطية، شعور متزايد بالاحباط وخيبة الامل الوطنية بيد ان (ليبهارت) استنادا الى كتابات غيره من الباحثين، شدد على صعوبة بناء مؤسسات حرة في مجتمعات موسومة بالانقسام، اذ يستلزم هذا الاخير اللجوء الى الهيمنة والقوة لاستتباب الامن والاستقرار السياسي، ما يعني ان التجانس الثقافي شرط لازم للتنمية والديمقراطية. وفي الواقع حظيت هذه الفرضية بقدر يسير من الاعتبار، اذ ذهب جزء كبير من النخبة الفكرية والسياسية الى ان التنمية السياسية تتأتي بالضرورة عبر بناء الامة وهو ما يعني اجتثاث الروابط الاولية، بتعبير (غ. غيرتز) واستبدالها بالولاء الوطني المبني على الهيمنة والقوة، واستبعاد روح التوافق بين المكونات المجتمعية المنقسمة، والحال ان ذلك كان في اصل فشل الدولة الوطنية الحديثة في بناء الامة. (3)
تتميز (الديمقراطية التوافقية) على وفق (ارنت ليبهارت ) بأربع خصائص: هي كما يلي:
أ. تكوين (كارتل حكومي) او (تحالف كبير) يضم المكونات الاساسية للمجتمع التعددي، اما في شكل (تحالف رئاسي كبير) او في صيغة (تحالف حكومي) كما هو الحال في النظام البرلماني، او من خلال (مجلس او لجنة) ذات صلاحيات ووظائف واسعة ومهمة. ينطوي مبدأ (التحالف الكبير) على اهمية خاصة في سيرورة بناء (الديمقراطية التوافقية) اذ بواسطته تتمكن كل عناصر المجتمع من التعاون والمشاركة في حكم البلاد وادارة مؤسساتها، بخلاف (الديمقراطية التمثيلية) التي تقصي الاقلية من المشاركة (المعارضة) بأسم سيادة الاغلبية، علاوة على ذلك، يتيح (التحالف الكبير) للنخب السياسية فرص البحث عن التوافقات كما يحفزها اكثر على الاعتدال..
ب. تتعلق الخاصية الثانية بمبدأ (الاعتراض او الفيتو المتبادل) حيث يتيح (التحالف الكبير) فرصة حماية الاقليات السياسية وان بدرجة محدودة، بيد ان اذا كان باستطاعة الاقلية الممثلة في التحالف الكبير الدفاع عن وجهة نظرها، فان عملية اتخاذ القرارات تبقى رهينة مبدأ الاغلبية لذا ينبغي تعضيد خاصية (التحالف الكبير) بمبدأ (الاعتراض او الفيتو المتبادل) اما بشكل غير رسمي او تضمينه وثيقة الدستور، وذلك بغية ضمان حماية مختلف مكونات المجتمع المتعدد وعناصره.
ج. ترتبط الخاصية الثالثة (بقاعدة النسبية) سواء على صعيد النظام الانتخابي ام تشكيل الحكومة، ام تمثيل مختلف الاطراف على مستوى الوظيفة العمومية. يكمن مقصد هذا المبدأ في تجنب (استحواذ الفائز على كل شيء) كما هو الحال في الديمقراطية التمثيلية، في الديمقراطية التوافقية، يساعد مبدأ النسبية على جعل اختيار السياسات نابعا من (حكومة التحالف) وليس من حكومة الاغلبية التي قررتها نتائج صناديق الاقتراع، علما ان (النسبية) هنا تتحقق بطريقتين: اما بالرفع من تمثيل المكونات الصغيرة، او باعتماد قاعدة المساواة، وفي الحالتين معا تروم النسبية مضاعفة حماية المجموعات الصغيرة في المجتمع المتعدد.
د. تتعلق الخاصية الرابعة بمدى قدرة كل مكون من مكونات المجتمع المتعدد على الاستقلال بادارة شؤونه الداخلية، ان الاستقلال الداخلي لكل عنصر في تدبير اموره بنفسه يعزز الديمقراطية التوافقية ويتيح فرص استقرارها واستمرارها. تلك بشكل اجمالي المقومات الاساسية لقيام الديمقراطية التوافقية في مجتمع متعدد، وهي وان وردت في متن كتابات (ارنت ليبهارت) وغيره من الباحثين جذابة ومغرية للدول التي تعذر بناء الديمقراطية الثمثيلية فيها، بسبب الانقسامات الدينية واللغوية والاثنية والعرقية والجهوية، فان ثمة من انتقدها وشكك في قدرتها على تحقيق الديمقراطية وتشييد نظام ديمقراطي مستقر وفعال .(4)
اما الدكتور كمال المنوفي فقد اطلق عليها الديمقراطية الطائفية وهذا التوصيف المناسب للديمقراطية المطبقة في العراق لسبب منطقي هو ان اولا : الديمقراطية تقوم على مبدأين اساسيين الاول هو الحريات (الديمقراطية السياسية والديمقراطية الاجتماعية) والثاني هو الاليات ، المؤسسات (التداول السلمي للسلطة) . وثانيا : الديمقراطية التوافقية التي تبناها البعض كرؤية ستراتيجية لحسم النزاعات الداخلية قد تطورت في دول ذات تقاليد ديمقراطية عريقة وكان ذلك من اجل الحفاظ على تماسك الدولة وتمثيل جميع الفئات الاجتماعية في العملية الديمقراطية وعملية صنع القرار السياسي .(5)
بينما العراق لم يشهد تجربة ديمقراطية حقيقية متكاملة حتى وان شهدها في العهد الملكي الا انها تجربة متواضعة وكان يمكن ان تؤسس لقاعدة ديمقراطية مترسخة سرعان ماتم الاجهاز عليها فالعراق الملكي عرف الكثير من الحرية والقليل من الديمقراطية ، وتوالت الجمهوريات تباعا رسخت نموذج جديد الا وهو ديمقراطية الحزب الحاكم الواحد وادلجت المجتمع العراقي بمفهوم احادية الفكر والممارسة وحتى تجربة المجلس الوطني كانت تحت سلطة وهيمنة الحزب الحاكم وتدريجيا تم العمل على عسكرة المجتمع وتطويع جميع مؤسساته ضمن هذا الاطار استمر الحال الى سقوط النظام السياسي العراقي والاحتلال الامريكي عام 2003 .
ولنتذكر ان التجربة العراقية بعد عام 2003 ركزت على موضوعة الحريات (قانون ادارة الدولة للمرحلة الانتقالية لسنة 2004 ودستور 2005 ) ولكنها اهملت الجانب الثاني المتعلق بالمؤسسات وبعملية التداول السلمي للسلطة فالديمقراطية ليست مجرد انتخابات وبناء الديمقراطية لا يعتمد على النوايا الحسنة للقوى السياسية الحاكمة، وحتى عندما يتحقق التداول في السلطة يواجه مشكلات وصراعات حادة ، فالمبدأ الثاني يحتوي الاول ويعوق فاعليته ويقيده وهو اقرب الى التداول الخشن للسلطة (مثال ذلك تشكيل الحكومات منذ 2005 الى الان --- الحكومة الاولى استغرقت خمسة اشهر والاخيرة عشرة اشهر) . (6) وهذا دليل على ان العراق غير مؤهل للانتقال الى ديمقراطية التوافق من دون ان تكون له ممارسة ديمقراطية وخبرة في العمل السياسي التوافقي .
اضف لذلك ان رؤية اغلب الاحزاب السياسية العراقية للديمقراطية مازالت ملتبسة وغير واضحة المضمون، فهناك تناقض ما بين الايديولوجية الحزبية وبين التطبيق، فالاحزاب الاسلامية (الشيعية والسنية) مازالت تعاني من ازمة تكيف الديمقراطية (التي تعني ابجدية حكم الشعب بالشعب) مع مفهوم الحاكمية لله وولاية الفقيه، فضلا عن اشكالية تكييف مفهوم الشورى الاسلامي مع مفهوم الديمقراطية الحديث، اما الاحزاب الماركسية فلها ازمتها المتعلقة بالتناقض بين الديمقراطية وبين مقولة دكتاتورية الروليتاريا بوصفها مقولة مركزية وبين اقتصاد السوق والمبادرة الفردية كملازم للديمقراطية وبين مقولة التخطيط المركزي للاقتصاد وملكية الدولة لوسائل الانتاج، اما الاحزاب الليبرالية فما زالت تعيش ازمة التناقض بين مرجعيتها الليبرالية الحرة وبين غياب الممارسة الديمقراطية داخل هيكل الحزب الذي لم يتجاوز ازمة شخصنة الحزب وهي ازمة تطال جميع الاحزاب العراقية على اختلاف انتمائاتها ومنها الاحزاب الكردية، على الرغم من ان الاخيرة عبرت عن تجاوب للديمقراطية خصوصا بعد عام 1991 الا انها مازالت اسيرة للشخصنة والزعامات العشائرية .(7)
ان احدى محركات الازمة السياسية في العراق تتمثل بملف التوازن بمؤسسات الدولة، اضافة الى المحاصصة الوظيفية التي قامت على اساس التمثيل الطائفي والعرقي وتولي عناصر غير كفوءة في ادارة الوزارات او على صعيد الوكلاء والمدراء العامين نزولا الى الادارات الصغيرة وابعاد الكفاءات واصحاب الخبرة من التكنوقراط ولهذا فالاداء الحكومي في العراق يفتقر لبرنامج حكومي جامع شامل والى ادارة رشيدة، ولنتذكر ان اهم شروط الحكم الصالح تتمثل بما يلي :(8)
1-المشاركة:- هي امكانية المشاركة في صنع القرار دون اعتبار للجنس اما بصورة مباشرة او بصورة غير مباشرة عن طريق المجالس التمثيلية المنتجة التي تمثل مصالحهم ديمقراطيا وتتطلب المشاركة الحرية في تشكيل الجمعيات والاحزاب وحرية التعبير.
2-حكم القانون:- يعني مرجعية القانون وسيادته على جميع المواطنين دون استثناء وانطلاقا من حقوق الانسان بشكل اساسي، وهو الاطار الذي ينضم العلاقات بين المواطنين من جهة، وبينهم وبين المواطنين من جهة اخرى، كما انه ينضم العلاقات بين مؤسسات الدول، كذلك تؤمن هذه القواعد الحقوقية العدالة والمساواه بين المواطنين وهذا يتطلب وضوح القوانين وشفافيتها وانسجامها في التطبيق.
3-الشفافية:- تعني توافر المعلومات الدقيقة في مواعيدها وافساح المجال للاطلاع عليها وقد تم تفصيل ذلك سابقا.
4-الاستجابة الجيدة:- تعني ان المؤسسات تتميز بسرعة الاستجابة والقدرة على خدمة جميع المواطنين دون استثناء.
5-التوافق:- ويعني القدرة على التوسط والتحكم بين المصالح المتضاربة من اجل الوصول الى اجماع واسع حول مصلحة الجميع وان امكن حول المصلحة العامة والسياسة العامة .
6-المساواة:- بمعنى امكانية الرجال والنساء وكل طبقات الشعب الحصول على فرص متكافئة ومتساوية لتحسين احوالهم الاقتصادية والمعيشية .
أ-الفعالية و القوة على التاثير:- تعني القدرة على تنفيذ المشاريع بنتائج جيدة وسريعة بحيث تساعد على التغير في الاحوال المعيشية والاقتصادية وخلق فرص للمواطنين وتنفيذ احتياجاتهم.
ب-المساءلة:- تعني المحاسبة على كل التصرفات الاجهزة الحكومية.
ج-الرؤية الاستراتيجية:- هي الرؤية المنطقية من المعطيات الثقافية والاجتماعية الهادفة الى تحسين شؤون الناس وتنمية المجتمع والذات البشرية .

 

 

 

 

 

 

الجزء الثاني
2- نماذج تطبيق الديمقراطية التوافقية
إن الديمقراطية التوافقية جاءت كترياق لما سمى بطغيان الأغلبية فى النظم الديمقراطية البرلمانية فى البلاد النامية المتعددة العرقيات والديانات بما يتيح للمجموعات المختلفة التى تضم تلك العرقيات والديانات التى تعيش في وطن واحد، المشاركة في السلطة ونيل نصيبها من الثروات أيضاً وتنتفى بالتالى دواعي الإحتراب الداخلى والشعور بالغبن والتهميش فيتحقق الإستقرار .
وقد حدد البروفسور (ليبهارت) الذى نظّر وروج لهذا النوع من الديمقراطية متأثراً بتجربة هولندا وبلجيكا وسويسرا خصائص هذه الديمقراطية التوافقية في:
1- قيام حكومة تحالف عريض في سياق الديمقراطية البرلمانية.
2- أن يكون للأقلية حق الإعتراض على السياسات (الفيتو) على القرارات، (بالطبع التى تخصها) أو أن تتخذ القرارات بالتراضي.
3- يقوم الحكم على قاعدة التمثيل النسبى.
4- تتمتع الأقاليم بحكم ذاتى.
ويشير إلى ظروف إن توفرت تضمن نجاحاً أكبر لهذا النوع من الديمقراطية هي:-
1- توفر توازن للقوى بين المجموعات المختلفة.
2- انبثاث أفراد المجموعات المختلفة وجوداً على كافة مستويات السلم الإجتماعى والإقتصادى للمجتمع (أى فى الخدمة العامة والعسكرية وكافة مستويات الحكم والإدارة).
3- توفر ولاء تام وقوي للدولة( أى يفوق الولاءات الجزئية للقبيلة أو الجهة أو المجموعة).
4- أن يكون البلد غنياً صغير الحجم والمساحة. (9).
وقد تعرضت النظرية للكثير من النقد، فعلى مستوى النظرية عيب عليها إفتراض سيطرة النخب التامة على المجموعات المختلفة وهو إفتراض نظرى حيث كثيراً ما يحتدم الخلاف على أرض الواقع فى داخل المجموعة الدينية أو العرقية بما قد يفضى إلى التشرذم والانشقاقات، ورأى آخرون أنها تقدح فى أصل الديمقراطية القائم على رأى الأغلبية وهناك رأى طرف ثالث أنها تكرس وتقنن الإنقسامات العرقية أو الدينية داخل البلد الواحد وتعيق الانصهار المطلوب بين مكوناته، وعاب عليها آخرون إغفال الطبقة الإقتصادية والإجتماعية كوحدة بينما حصرت الوحدة فى الإنتماءات العرقية. ومن الإنتقادات ايضاً أن النظرية قد أغفلت العوامل الخارجية الإقليمية والدولية وأثرها على نجاح التجربة وفشلها.
وعلى مستوى الإنتقادات للتجربة العملية فسأشير لأكثر من دراسة هنا. أولاها ورقة الباحث (داركو أنجلوف) التي أعدها عام 2004 تحت عنوان \" مشكلات التوافقية من لدن هولندا إلى مقدونيا .\"
أشار فى البداية الى نجاح التوافقية فى هولندا ونجاحها الجزئى فى بلجيكا وفشلها الذريع فى قبرص وتعثرها حالياً فى مقدونيا حيث تبدو الأقلية الألبانية وكأنها ترنو ببصرها تلقاء كوسوفو (ذات الأغلبية الألبانية) وتبدو زاهدة أصلاً في الانصهار في موطنها مقدونيا. ويشير فى هذا الموضع إلى أن التوافقية قد أغفلت هذا الاحتمال، إحتمال أن تكون إحدى المجموعات العرقية أو الدينية ليست راغبة أصلاً فى الإندماج أو التعاطى مع المجموعات الأخرى.
ويبدأ التحليل بهولندا التى يقول إن التوافقية التي اعتمدت فيها فى خمسينيات القرن الماضى قد نجحت نجاحاً لا نظير له (وهو ما دفع ليبهارت لبلورة التنظير لها). ويعزى ذلك النجاح إلى أن هولندا متجانسة من الناحية العرقية ما عدا منطقة صغيرة فى شمال غرب البلاد تعرف تاريخياً ب (فريزلاند) ولها لغة خاصة بها. لكن التنوع الذى استوجب إعتماد التوافقية حتى عام 1960 كان فى الدين إذ أنها تضم كاثوليك وبروتستانت. يقول( واليوم لم يعد للفوارق الدينية بين المذهبين المسيحيين وبينهما وبين العلمانيين أى أهمية وغدا المجتمع متجانساً ولم يعد منذ الثمانينيات ضرورة للإستمرار فى الديمقراطية التوافقية)..... ويرى أن من اسباب النجاح أيضاً أن هولندا من دول الرعاية الاجتماعية بالإضافة إلى ثرائها. أما فى حالة بلجيكا فالتوافقية لا زالت صامدة لكنها تواجه صعوبات جمة حيث تتقاسم أرض المملكة مجموعتان يجمعهما دين واحد هو الكاثوليكية وتفرقهما اللغة والثقافة. هما الفلمش وأقلية المالون التى تتحدث الفرنسية. يقول(إن التوافق على القضايا وتمرير القرارات ظل أمراً فى غاية الصعوبة)..... ويعزو تلك الصعوبات لحداثة الدولة فى بلجيكا مقارنة بالإرث الهولندى الطويل ولوجود مجموعتين فى بلجيكا لا يتحدثان ذات اللغة ولا يتساكنان.ثم تناول بعد ذلك تجربة التوافقية الفاشلة فى قبرص نظرا لإنتماء المجموعتين اليونانية والتركية لبلدين اتسم تاريخهما بالعنف والدماء هما تركيا واليونان بالإضافة لإختلاف الثقافة والدين. أما في مقدونيا- يقول (فمنذ اعتماد التوافقية فى عام 1990 فإن مبدأ منح الأقليات حق النقض قد عطل التداول داخل أروقة الحكم حول القضايا واصاب فاعلية الحكومة فى مقتل وعوضاً عن أن يحقق مبدأ التمثيل النسبى العدالة فى حظوظ جميع الأقليات من حيث مشاركتها على مستوى التمثيل السياسى وحظوظها فى الخدمة المدنية وفى المخصصات المالية والتنموية, فإن التمثيل النسبى فى مقدونيا كما هو الحال فى سواها فى المجتمعات المتعددة الثقافات والديانات قد جعل هذه الأقليات هى التى تحدد السياسات لا على مستوى مناطقها وحسب - وهو غاية إعتماد التوافقية- بل على المستوى الإتحادى أيضاً كما تحول مفهوم الأنصبة المتساوية إلى نظام (كوتات) أفضى إلى زيادة وتيرة وتكثيف التمايز العرقى و الإثنى) وخلص إلى أن التوافقية لن تكون وصفة صالحة ما لم تتحلى قيادات النخب فى المجموعات العرقية والدينية فى الدول المتعددة العرقيات والديانات بالعزيمة والإخلاص فى إنتهاج التوافقية كتجربة ديمقراطية هدفها توحيد الدولة وجعلها أكثر تجانساً فى نهاية المطاف .
وحول تجربة التوافقية فى لبنان كتب الأستاذان بالجامعة الأمريكية فى بيروت : سمير مقدسى وماركوس ماركتانر ورقة أكاديمية بعنوان \" فى مصيدة الديمقراطية التوافقية-لبنان مثالاً\". وخلصا إلى أن التوافقية التى إعتمدت فى لبنان منذ الخمسينات لإشراك ثمانية عشر طائفة دينية فى إدارة البلاد قد كرست ما جاءت للقضاء عليه وهو الطائفية السياسية وفشلت فى منع الحرب الأهلية التى استمرت 16 عاماً . ورغم التعديلات التى طرأت على الصيغة الأولى للتوافقية عام 1989 فقد ظلت الدولة ضعيفة وعاجزة عن تطبيق برامج سياسية وإدارية فعالة. واعترفاً بفضيلة التوافقية فى لبنان, هى نجاحها فى قسمة السلطة الطائفية التى خلقت مناخاً من حرية التعبير والتعددية الإعلامية والمداومة على إجراء الإتنخابات البرلمانية بنجاح وخلصا الى ان التوافقية تصلح كتدابير انتقالية في دول متعددة الثقافات تفضي في النهاية الى كيانات اكثر انسجاما .
وفى إفريقيا أشارت الدراسة إلى فشل هذا الأنموذج فى منطقة البحيرات العظمى وإلى عثرات صاحبت تطبيقه فى البداية فى جنوب إفريقيا حيث استعر الجدل بين شعب الزولو فى الشرق الذى تمثله حركة إنكاتا وبين المؤتمر الإفريقى من جهة وبين أقلية الأفريكانا البيضاء.(10)
وأنوه هنا إلى أنى لم أشر بالقدر الكافى إلى العوامل الخارجية والإقليمية التى أدت لفشل التوافقية فى بعض البلدان مثل وجود لبنان فى منطقة ملتهبة فى الشرق الأوسط ووجود مقدونيا فى منطقة البلقان التى ظلت لقرون ساحة إقتتال وكذلك منطقة البحيرات فى إفريقيا.
وجدير بالذكر أن الجيوبولتيك يساهم سلباً وإيجاباً فى نجاح هذه الوصفة وهو عامل لا ينبغى إغفاله

3- فرضيات التأسيس التوافقي العراقي
ان مناقشة فرضيات التأسيس التوافقي العراقي يفترض مايلي :
* الفرضية الرمزية : وتتمثل بهوية الوطن والمواطن .
* الفرضية المؤسسية : وتتمثل بالبناء المؤسسي للمؤسسات الدستورية والقانونية والسياسية ووحدة القرار السياسي وصناعة السياسات الحكومية
* الفرضية المجتمعية : والمتمثلة بأحترام حقوق الانسان ومؤسسات المجتمع الاهلي والمدني
* الفرضية النظمية : وتتمثل بتوصيف النظام السياسي العراقي : الديمقراطية التوافقية والفيدرالية .
بالنسبة الى الفرضية الاولى فالديمقراطية التوافقية في العراق عجزت عن بناء الاستقطاب المجتمعي العمودي ورسخت الخطاب السياسي المحدد بشريحة اجتماعية معينه وهذا خلق حالة من التمزق العاطفي ، بعبارة ادق تسييس الهويات الفرعية الاجتماعية ( الطائفية والمحلية والاثنية )على حساب الهوية الام الجامعة والمعبرة عن المستوى الوطني الجمعي .
ان احلال الديمقراطية الطائفية محل الديمقراطية التوافقية اثر بشكل كبير على بناء الهوية الوطنية والمواطنة فمازالت ازمة الهوية تمثل احدى تحديات النظام السياسي العراقي .
ان اضعاف الهوية الوطنية وتغييب المواطنة بوصفها احدى اسس بناء الدولة الحديثة المعتمدة على المساواة بين المواطنين وبناء رمزية وطنية جمعية تخترق الولاءات والانتماءات المذهبية والاثنية والدينية ، وذلك لان هذا النموذج من الديمقراطية ذا بناء واستقطاب مجتمعي عامودي يؤكد على الروابط الاولية ( القوميات والاديان والطوائف ) وتعظمها على حساب الرابط الجمعي الوطني .
ولم يقتصر تسييس الهويات على الجانب الطائفي بل امتد ليشمل الجماعات الاثنية ايضا ، والجماعات الاثنية المنزوعة الحقوق السياسية وجدتالطريق المناسب للحصول على حقوقها من خلال الديمقراطية التوافقية القائمة على اساس تأكيدها على ان يكون ناك مشاركة سياسية فعالة للاثنيات كافة سواء اكانت صغيرة ام كبيرة تتمتع بهويات جماعية تتدخل المنافسة فيما بينها من جهة وبينها وبين شركاء العملية السياسية من جهة اخرى لتأمين حصتهم الشرعية في النظام الجديد ، وعلى هذا الاساس طور الكرد سياستهم الاثنية فبعد عام 1991 تم بناء تجربة الاقليم (اقليم كردستان ) الذي يعبر عن وطن الكرد ، وقد ضاعف ترسيخ الهوية الكردية التي ادت للمرة الاولى في تاريخ العراق الى تسييس هويات اثنية اخرى ولاسيما التركمان والاشوريين على حساب الهوية الوطنية العراقية الجامعة .(11)

الفرضية الثانية وتتمثل بهشاشة البناء المؤسسي ، فعملية التوافق العراقي لم تبنى على اساس الايمان بالديمقراطية التوافقية وشروطها واليات عملها وانما على اساس الصفقات والمساومات والاتفاقيات سواء المعلن منها او غير المعلن ورسخت اسس المحاصصة بل عملت جاهدة على اعتبارها قواعد للاجتماع السياسي في العراق ، بل ان المحاصصة الطائفية اصبحت واحدة من ادوات العمل السياسي مما جعل صناعة السياسة العامة في العراق متعثرة وعشوائية وغير مبرمجة وانما خاضعة للاجتهادات والممارسات الطائفية في ظل اجواء انعدام الثقة بين الكتل البرلمانية ، وغياب التوازن بين في توزيع الصلاحيات بين السلطات الثلاث .
تمثـل ظاهرة أزمة تعطيل القرار السياسي إحـدى مؤشرات الواقع العراقي ، فمنذ بـدء المسار الديمقراطي بعد (2003م) وهذه الظاهرة تتوالى متخذة صوراً عدة مشخصة إشكاليات يحفل بها البناء السياسي الجديد وتجسد القرارات التي يتم التصويت عليها في البرلمان العراقي تمهيداً لإقرارها ، أحد هذه الأزمات التي تعاني من عدم الانفراج الدائم ، فالجدل الدائم بين القوى السياسية الممثلة في البرلمان يعكس بدرجة كبيرة اختلافاً بينياً في رؤية وتصور هذه القوى حول طبيعة هذه القرارات والنتائج المترتبة عليها ، ولأجل التأكيد عـلى ذلـك تـم اختيار عينة من هذه القرارات التـي ولدت بعـد مخاض كبير ومناقشات حادة وصلت حد الخلافات بين الكتل البرلمانية من أجل التصويت عليها( على سبيل المثال لاالحصر الجدل حول الميزانية ، الجدل حول قانون الاقاليم ، قانون المحكمة الاتحادية وغيرها ) .
في العراق بعد تطبيق الديمقراطية التوافقية تم توزيع المناصب على أساس المحاصصة التوافقية ، إذ أنها نظام سياسي مؤقت يخرج عن بعض القواعد العامة في العمل الديمقراطي يقوم مضمونه في الظاهر على أساس توزيع المناصب الوظيفية بين مكونات المجتمع القومية أو الدينية أو الطائفية أو السياسية على أساس نسبة المكون الاجتماعي العددية إلى المكون الاجتماعي العام ، فالمحاصصة الطائفية تقوم على أساس توزيع المناصب الوظيفية وفقاً لمعيار الانتماء لطائفة معينة على أساس نسب الطائفة العددية إلى المكون الطائفي العام ، وعلى هذا الأساس تم توزيع جميع الوظائف الرسمية السياسية في العراق ففي الديمقراطية التوافقية يكون النائب ممثلاً لجماعته الطائفية أو الدينية أو الإثنية ، وقليلاً ما نشاهد نائب يطرح وجهات نظر خارج إطار موقف لمنطقته أو جماعته الاجتماعية ، وفي حال كان النائب أو لمجموعة نواب وجهات نظر تناقض الكتلة أو الجماعة الاجتماعية فأنها لا بد أن تنسلخ عن الرأي والتكتل الجمعي للجماعة الاجتماعية ، وتشكل جماعة فرعية لا تخرج بأي حال عن السياقات الجمعية للجماعة الاجتماعية ، كما نلاحظ أن لرئيس الجماعة أو الكتلة الاجتماعية صوت قد يساوي أو يفوق أصوات نواب كتلته ، وفي البرلمان يكون الجلوس على أساس جماعات اجتماعية ، وفي التصويت ينتظر الجميع رأي رئيس الكتلة ، ولذلك فإن القرار التشريعي وبالتحديد في القرارات المهمة لا يتم وفق قاعدة أغلبية الأصوات وحسب رأي النائب واستجابة القرار لمصلحة عموم الشعب ، بل يتم من خلال توافقات بين قادة الجماعات أو الطوائف ومحكومة بالتوازنات واستجابة لمصالح الجماعة الاجتماعية والتصويت وفق قاعدة أغلبية نواب المجالس التشريعية يكون تصويتاً لاحقاً للتوافقات التي تتم خارج قاعة البرلمان ، إذ إن تلك التوافقات السياسية التي تتم بينهم لا تتم بسهولة في وقت قصير ، بل أنها تحتاج إلى مدة طويلة للوصول إلى تلك التوافقات ، وهذه التوافقات تؤدي إلى إشكالية في رسم السياسة العامة لأنه يؤدي إلى تعطيل القرار السياسي ومن ثم يؤخر تشريع ذلك القرار أو القانون الذي يؤثر على العملية السياسية في العراق . (12)
أن انعدام التوازن بين المجاميع الرئيسة المكونة لأعضاء البرلمان لا يعكس وجود عقدة بين أبناء الشعب بقدر ما يعكس عقداً بين من هم مسئولون عن اتخاذ القرارات داخل البرلمان ، هذا المظهر المهم لعدم التوازن أخذ ينعكس على مستوى الخطاب السياسي لهذه المجاميع ، فوجدنا كتلاً برلمانية تتولى خطاباتها بشكل واقعي وأخرى معارضة بشكل انفعالي والمحصلة النهائية لعدم التوازن أخذت تنعكس في القرارات النهائية التي تصدر بموافقة وإجماع هذه الكتل داخل البرلمان ، وهذه القرارات باتت تعاني من أزمات تبدأ من فترة صنع القرار وحتى عملية الإقرار النهائي بصيغته التشريعية والتصديق عليه في مجلس الوزراء .
ان عجز البرلمان العراقي عن اداء وظيفته التشريعية والرقابية يعود الى سببين اولهما : الولاء الحزبي ، فالاغلبية البرلمانية المسيطرة على الحكومة تحد من ارادة نوابها على انتقاد السياسات التنفيذية ، فليس من المفيد لعضو الأغلبية التدقيق فـي أقرب حلفاءه السياسيين إليه أو فـي حزبه الخاص ، فضلاَ عن ضغوطات تمارس من قيادات الأغلبية تحث الأعضاء علـى التزام الصمت ، ممـا أسهم بإضعاف دور البرلمان هـو شمول الحكومة علـى الكتل المنضوية كافة تحت قبـة البرلمان ، تحت مسمى (حكومة الشراكة الوطنية) وإنهــاء أي معارضــة برلمانيــة ، والسبب الثاني هو اتعدام التعاون الحكومي او لنقل فقدان التواصل بين السلطة التنفيذية والتشريعية بين الحكومة والبرلمان تكاد تكون العلاقة بينهما تصادمية غير تعاونية ، فالسلطة التشريعية وحدها حق المراقبة على أداء الحكومة ، إذن فلا يجوز للأخيرة تلك الوظيفة من خلال إصدار تعليمات مانعة ، حيث صدر خلال الدورة التشريعية (2006م - 2010م) من رئاسة الوزراء كتاب إلى البرلمان يمنع بموجبه محاسبة أي وزير سابق ولاحق ، فضلاَ عن أن الوزير حين يتم استدعاءه إلى البرلمان فإنه يأخذ رأي رئيس الوزراء في الذهاب من عدمه ، وفي أحيان كثيرة يكون الخيار الثاني هو الأغلب ما شجع بعضهم بعدم الذهاب واللامبالاة للبرلمان ، والأكثر مـن ذلـك يستطيع الوزير طبقـاً لتلك التعليمات أن يمنـع استجواب الوكلاء وأصحاب الدرجات الوظيفية الخاصـة دون أخـذ موافقتـه وبالرغم من إلغاء ذلك الإجراء إلا أنه فعلياً ما زال العمل به ساري ، من جانب آخر فإن عرقلة الرقابة البرلمانية من جانب الحكومة يتمثل بوزارة الدولة لشئون مجلس النواب ، فمـع أن النظام الداخلي للبرلمان يشترط علـى الاستجواب تقديم طلب موقع عليه خمسة وعشرين نائب وموافقة رئيس البرلمان ، إلاإن الأمر قد يصل إلى حد ضرورة إستحصال موافقة تلك الوزارة كونه حلقة الوصل بين البرلمان والحكومة (وهي جزء من السلطة التنفيذية) الأمر الذي أفشل العديد من حالات الاستجواب .
اضف لذلك أن الطائفية أصبحت واحدة من أدوات العمل السياسي في العراق ، وأصبحت تستخدم من جميع الأطراف لأغراض دعائية ، وحتى أولئك الذين كانوا يدعون أنهم ضد الطائفة عنهم استخدموا نفيها عنهم وإلصاقها بمنافسيهم كوسيلة لحصول على مكسب ، هذا الواقع انعكس في قرارات السياسيين التي من المفروض أن تصب في مصلحة المجتمع الذي سعى لانتخابهم ، لا أن تسهم في تعميق حالة التوتر والاحتقان السياسي بين الكتل النيابية التي لا تمثلها . وبطبيعة الحال ، أن هذه الانتماءات الطائفية تكون عاملاً مؤثراً فـي إمكانية قبول أو رفض القرارات والقوانين التي تصوت عليها الكتل البرلمانية ن فتصبح حالة الفرز واضحة ومؤثرة بالنسبة للكتل التي تنتميل للطائفة نفسها وتكون قراراتها ذات انسيابية ودون عوائق على النقيض من ذلك الكتل التي تنتمي لطائفة أخرى فقراراتها تواجه انتقادات تحمل في طياتها طابع الرفض، ولذلك فإن القرارات والقوانين النهائية التي تتخذ دخل البرلمان تفتقر للكثير من المصداقية في النوايا من جانب ، وتعميق حالة التأزم السياسي من جانب آخر . (13)
نستنتج من ذلك أن شرط التوافق في المؤسسة التشريعية يعد آلية معطلة للقرار السياسي والتشريعي ، ومعطلة للدور الرقابي الذي يعد صمام الأمان من تعسف السلطة التنفيذية في الدول الديمقراطية ؛ وذلك لأن من أهم مميزات النظام الديمقراطي هو وجود المعارضة المشاركة في العمل السياسي من خلال البرلمان ، وهي بهذا المعنى جهة رقابية على الحكومة تنتقد أدائها وتقومه وتنبهها إلى مواطن الخلل ، إلا أن نظام المحاصصة التوافقية يلغي دور المعارضة الواقعية ؛ لأنها لها قدماً في الحكومة وقدماً في المعارضة ومصالح مع الحكومة تحجم الدور الرقابي .

ان ابرز المعوقات التي تواجه البرلمان العراقي يمكن ايجازها بما يلي :
أ . عدم قدرة البرلمان على ضمان ممارسة آليات الرقابة والمسألة إزاء الحكومة وبالرغم من تضمين النصوص القانونية لذلك ، وهذا يعود إلى أن الأغلبية البرلمانية المسيطرة على الحكومة لا تميل إلى نقد الحكومة ، ذلك أن النقد الذي سيوجهه أي عضو برلماني ضمن مكون الأغلبية المشكلة للحكومة يسري في أبعاده إلى نقد سلوك حزبه الخاص ، أو أقرب حلفائه الأساسيين ، وفي كلتا الحالتين فهو فعل يستهدف عمل الحكومة وإضعافها ، أو بيان السلبيات التي تتحكم بعملها ، ومن ثم فأن عمل من هذا النوع لا يمثل فعلاً إيجابياً لعمل الحكومة ، كما أن أغلب الكتل وبفعل ضغوطاتها تحث أعضائها على التزام الصمت .
ب. غياب التوازن في توزيع الصلاحيات بين السلطات في النظام السياسي ، إذ تهيمن السلة التنفيذية بشقيها (الرئاسة ومجلس الوزراء) على السلطة التشريعية في التطبيق ، وهذا التدخل الذي تمثله السلطة التنفيذية يمثل قيداً على السلطة التشريعية ، إذ كثيراً ما تتدخل السلطة التنفيذية في عمل البرلمان سواء في إصدار التشريعات (وليس فقط تقديم مشاريع القوانين) أم توفير الغطاء القانوني لوزرائها لمنع محاسبتهم ، فالوزير حين يتم استدعاؤه إلى البرلمان فإنه يأخذ رأي رئيس الوزراء ، وهذا الإجراء يسير بالتراتب ، بمعنى أن الوزير كذلك له حق منع استجواب القيادات الإدارية في وزارته ، علاوة على ذلك ضرورة موافقة الوزارة التي يتم تقديم الاستجواب لوزيرها ، وهذا الأمر يسقط فعلاً فكرة الرقابة .
ج. إذا كان أحد أبعاد منع سريان آلية الرقابة في البرلمان يعود إلى تدخل السلطة التنفيذية ، فإن ذلك لا يمنع انطلاق هذا الضعف مـن البرلمان ذاته ، إذ كثيراً ما تدخلت رئاسة البرلمان في منع استجواب بعض الوزراء فلقد حدث غير مرة أن تدخلت رئاسة البرلمان في الحيلولة دون استدعاء الكثير من الوزراء والذين ثبت تقصيرهم وارتكابهم العديد من الأخطاء كالفساد والرشوة ، وهذا يرجع إلى انتماءات أعضاء هيئة الرئاسة ذاته ، إن أهمية فكرة الرقابة وضرورتها كآلية أساسية لازمة يفرض استمرارها ضرورة مراجعة طبيعة النظام السياسي ليس فقط للتأكيد من تضمين آليات المسألة ومباديء الشفافية بما يخلق بيئة تساعد على التصدي للفساد ، وإنما أيضاً لضمان استقرار النظام السياسي . إن حداثة الخبرة والتجربة الديمقراطية ربما يمثل أحد الأسباب التي تسهم في تعطيل الدور الرقابي .

 

 

 

 

الجزء الثالث

وعلى صعيد رسم وصنع السياسات الحكومية وقياس الاداء الحكومي يمكن رصد ابرز المعوقات :
1 . معوقات في تحديد المشكلة وتعريفها ووضع سلم الأولويات للمشاكلات العامة ؛ بسبب ضعف أجهزة صنـع السياسات المبنية على أساس التوافقات والانتماءات الحزبية ، ما يجعل الجهاز الحكومي مبنـي علـى المحاباة وليس الكفاءة ، ويفتح مجال للاجتهاد والرؤية الحزبية والفئوية على حساب المنهج العقلاني.
2 .معوقـات فـي إعـداد المقترحات ومشاريع القوانين التـي تتناقض مـن خـلال رؤية متناقضة لمصالـح الفئـات والمكونات الاجتماعية وليـس كونهـا مشكلة عامـة ، مـا يؤدي إلى إخفاق في إقرار السياسة العامــة عــن طريــق مشاريـع قـرارات تلبــي الاحتيـاجات وحــل المشكلـة العامــة.
بجملة أخرى ، وباستعارة مراحل المدخل النظمي ، فإن الإشكالية تتمثل في مرحلة التكوين، أي استيعاب المطالب في أبنية النظام السياسي التشريعية والتنفيذية التي تكون متنافرة وتتعلق بمصالح فئوية .
3 . معوقات على مستوى تنفيذ السياسة العامة المتعلق ببناء الإدارة العامة وكفائتها ، بوصف الإدارة العامة والجهاز البيروقراطي الأداة الأساس في تحديد الخطوط الأولية للسياسة العامة، وفي وضع التشريعات والتعليمات موضع التنفيذ وإخراجها إلى الحيز العملي، وهو ما يتطلب أن تكون الإدارة العامة مبنية على أساس الكفاءة كمعيار لتولي الوظائف العامة، وبما أن معيار المحاصصة والتوافقية والتمثيل الاجتماعي في النظام التوافقي هو المعيار الغالب قبل معيار الكفاءة والتخصص ، فإن الإدارة ستكون ضعيفة.
4 .معوقات على مستوى تقويم آثار السياسة العامة ومحاسبة المقصرين، ففي مجال تنفيذ البرنامج الحكومي بالوزارة مثلاً أو في مجال تنفيذ الموازنة العامة في الجانب الاستثماري، نلاحظ هناك فرق بين فقرات البرنامج وأبواب الموازنة وبين المتحقق منهما في مشكلات الأمن والخدمات والمصالحة تستوجب تدخل البرلمان بوصفه سلطة تتمتع بوظيفة تشريعية ورقابية، غير أن هذه الوظيفة لم تكن فاعلة بدرجة كافية لتقويم آثار السياسة العامة ؛ بسبب التوافقية في السلطة التشريعية بالإضافة إلى التوافقية في السلطة التنفيذية. (14).
الفرضية الثالثة وتتمثل بحقوق الانسان العراقي فرغم وجود وزارة لهذا الموضوع وتشكيل ديكوري لمفوضية حقوق الانسان فهناك اجماع ان افضل مافي الدستور العراقي هو باب الحريات والاجماع نفسه يؤكد غياب بل انعدام التطبيق الفعلي للحريات وانتهاك صارخ لحق الانسان في كل الميادين .
ففي المجال الدستوري ونصوصه نلاحظ أن النظام السياسي التوافقي بعد العام (2003م) يشير في العديد من مواده إلى أهمية المجتمع المدني ودوره ، وشكلت الحريات العامة عنواناً لباب دستوري ، بوصفها مجالاً تبتعد الدولة فيه عن التدخل به والأكثر من ذلك ، أن الدولة ملزمة بالحفاظ وحماية هذا المجال وتهيئة مستلزمات نمـوه فقد نصت المادة (13) الفقرة (ج) على ((الحق بحرية الاجتماع السلمي وبحرية الانتماء في الجمعيات وهو حق مضمون ، كمـا أن الحـق بتشكيل النقابات والأحزاب والانضمام إليهـا وفقـاً للقانون هو حق مضمون)) وفي المادة (38)على ((تكفل الدولة حرية التعبير والرأي والنشر وحرية الصحافة .... وحرية الاجتماع والتظاهر السلمي)) ، أما المادة (39) فقد نصت على ((حرية تأسيس الجمعيات والأحزاب السياسية والانضمام إليها مكفولة ، وينظم ذلك بقانون)) ، أما المادة (45) نصت على ((تحرص الدولة على تعزيز دور مؤسسات المجتمع المدني ودعمها وتطويرها واستقلاليتها ... ، وينظم ذلك بقانون)) ، على الرغم من هذا التطور الإيجابي على الصعيد الدستوري فقط ، فإننا نلاحظ أن الدستور العراقي الدائم قد قيد عمل هذه المؤسسات بقانون يسن لاحقاً ، وكذلك بما لا يخل بالنظام العام والأدب .
كما شهدت الساحة العراقية بعد سقوط النظام تصدعاً وشرخاً كبيراً بفعل عوامل عدة بنيوية وموضوعية أحياناً وخارجية (إقليمية ، دولية) أحياناً أخرى وشهدت الساحة أيضاً ظهور العدد الكبير من مؤسسات المجتمع المدني مستفيدة من الظروف السياسية الجديدة فامتلأت الساحة السياسية بالعديد من الأحزاب السياسية والحركات والمنظمات بصورة ملفتة للنظر ، فضلاً عن ذلك لم تكن هذه المؤسسات التي ظهرت بعد سقوط النظام السابق من صنع الحكومة والدولة لأن هذه المنظمات ظهرت في حقبة غياب الدولة وانهيارها ، كمحاولة من أصحابها لسد الفراغ السياسي الذي نشأ بفعل السقوط ، لذلك فإن هذه المؤسسات كانت بعيدة عن تدخل القوات الأمريكية فضلاً عن أن بعض هذه المؤسسات قد تشكل عن طريق الأحزاب السياسية الجديدة التي تواجدت ، ولتصبح هذه المؤسسات ملحقاً من ملحقات الأحزاب ، ومع أن تأسيس هذه المؤسسات يعد مظهراً إيجابياً غير أن العديد منها تحمل بين ثناياها وفي أعماقها كثير من الرواسب وملامح مؤسسات المجتمع التقليدي (الأهلي) ، فكثير منها شكلت على أساس الهويات الفرعية وليس على أساس الهويات الوصف الحضاري المتمثلة بالمواطنة ، الأمر الذي أوجد أزمة داخلية حادة تتمثل في محاولة المزج بين الثقافة المدنية والثقافة التقليدية فأصبح الشكل الديمقراطي لهذه المؤسسات يعبر عن ثقافة مدنية لكن جوهر الممارسة هو تعبير عن ثقافة تقليدية ، إذ إن ما تمتلكه كيانات المجتمع الأهلي من هيمنة روحية وثقافية وما لها من مكانة مؤثرة جعلت منها مرجعيات تقليدية يكتسب منها الفرد العراقي هويته ويحدد انتماءه ، ويستمد منها حاجته للحماية ، وما يتوافر له من شعور أو ما يتوافر له من الشعور النسبي بالأمان ، وهو في كنف العشيرة ، أو المؤسسة الدينية أو التنظيم النقابي والمهني وأن سمة الرقة الاجتماعية التي تمتد عليها هذه الكيانات وتغلغلها في الريف وفي المدينة قد جعل منها وظيفية اجتماعية وطنية تمتلك من النفوذ والقوة ما قد يفوق ما للسلطة نفسها في مجالا بعينا ترتبط بسياقات الحياة اليومية المعيشية للناس وإن تقاليد الزعامة والقيادة فيم عظم المجتمع الأهلي ذات النفوذ الأكثر تأثيراً والتي تقوم على نظام الأفضلية أو التوريث والمستمرة مدى الحياة وما لهذه الزعامات من فروض الطاعة على الأفراد تجعلها ذات تبات نسبي تتميز بديمومة اجتماعية . (15)
إن الإشكالية الأساسية ، إن النظام السياسي العراقي بعد العام (2003م) يمثل شكلاً هجيناً بين متطلبات الحرية الفردية والمجتمع المدني وصيانتها بالنصوص الدستورية التي (قد تبقى نظرية دون تفعيل) ، وبين متطلبات الواقع السياسي العملي الذي يؤكد على التوافقية بين مكونات المجتمع العراقي وتمثيلها في السلطة ، أي تفريغ المحتوى الفردية وحرية الاختيار السياسي ومحاولة ترسيخ هذا الشكل التقليدي من البنى الاجتماعية ونقلها إلى مستوى التعبير السياسي وهو ما يتناقض مع مقولة الديمقراطية بوصفها مقولة حرية تتيح البدائل للفرد فـي تمثيل برنامج حـزب سياسي معين وتفضيله من بيـن عدة خيارات ، فالديمقراطية التوافقية تعامل مـع العلاقات الأولية والانتماءات الاجتماعية لذلك فهي تؤكد علـى وجود المجتمع الأهلي وجود الفرد فيه ولا تمنـح له حرية الاختيار في الدخول إلى المجتمع المدني .
الفرضية الرابعة تدور حول طبيعة النظام السياسي العراقي فهو حسب الدستور ديمقراطي برلماني فيدرالي . والاشكالية هنا تتمثل بالاقاليم الفدرالية والاقليم الفدرالي الكردي مالطروحات ومالرؤى التي يتم الاستناد عليها في التطبيق وهل هي توافقية مع مبدأ الديمقراطية التوافقية ام انها تنزع نحو تجسيد التقسيم والانفصال .
وهذا يتطلب التوضيح والاعلان عن المقاصد فأذا كان الشروع في تأسيس دولة العراق قائم على ركيزتين متفق عليها هما الديمقراطية التوافقية والفيدرالية وهاتان الركيزتان في تصور القوى السياسية وخاصة الكردية تمثل الضمانة لعدم قيام نظام تعسفي واستبدادي ، فهل نجحوا اصحاب المشروع التوافقي في ارساء الاسس الصحيحة للنظام الديمقراطي التوافقي وبالتالي قطع الطريق امام الطموحات والرغبات الانفصالية خوفا من عودة الاستبدادية .
(4) الخلاصة:
الأزمة المستعصية بين الديمقراطية الحقيقية والديمقراطية التوافقية

تجسد الازمة العراقية حالة جيدة للازمة المستقرة ، فمنذ عام 2003 والمسرح السياسي العراقي يشهد دوامة من الازمات السياسية المتتالية ، والازمة السياسية الحالية لاتختلف عن سابقاتها من الازمات السياسية فقد جاءت لتبقى طالما بقي النظام السياسي العراقي في صيغته الحالية ، لقد اصبح العراق مصنعا للازمات السياسية ولايمكن الحديث عن العراق دون الحديث عن ازمة سياسية ماضية او حاضرة او لاحقة وفي كل ازمة تبحث الاسباب وتقدم الحلول وتفتح المنافذ السياسية للخروج من الازمة ثم تظهر ازمة جديدة وبشكل جديد وعناصر جديدة وهكذا الحال في العراق ترحيل الازمات دون ايجاد الحلول والمعالجات .
ويمكن في نهاية البحث ايجاز حقيقة الديمقراطية التوافقية في العراق بالنقاط التالية :
1 . التغيير في العراق جاء كما يقول الساسة العراقيون بمفاهيم جديدة لتكريس الديمقراطية وبناء دولة المواطنة والمؤسسات الدستورية، التي يكون فيها الشعب مصدر السلطات وتكون صناديق الاقتراع هي صاحبة القول الفصل في اختيار قادة البلاد،
إلا أننا وجدنا أن النظام السياسي الجديد في العراق بعد التغيير قد تم بناؤه على أساس حكومة الشراكة، والذي يعني مشاركة الجميع في الحكم وفي صناعة القرار بعيدا عن نتائج الانتخابات وبعيدا عن رأي الناخب العراقي وفق ما يسمى بالديمقراطية التوافقية، وهي ديمقراطية جديدة ابتدعتها القوى السياسية لضمان مصالحها ووجودها في السلطة؛ حيث تفرض هذه الآلية إشراك الجميع في الحكومة ومؤسسات الدولة حسب حجم المكون والحزب والطائفة وضرورة توافق الجميع على أي قرار سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي يتعلق بمستقبل البلاد قبل إقراره، الأمر الذي جعلنا نشهد ولادة حكومة مترهلة وبطيئة يحاول كل طرف فيها الدفاع عن حقوق الطائفة والمذهب والقومية التي ينتمي إليها بعيدا عن الهوية الوطنية..
ومن خلال تقييم حقيقي لواقع هذه الحكومة وآلية الديمقراطية التوافقية نقول بأنها لم تتمكن من إنضاج الفكر الديمقراطي لدى النخب السياسية ولم تساهم في ترسيخ المفاهيم الديمقراطية الحقيقية بما يساعدنا في بناء الدولة المدنية الحديثة، بل على العكس من ذلك نجد أن بعض القوى السياسية أصبحت تتمسك بمفاهيم المحاصصة الطائفية لتكون تلك القوى في موضع الدفاع عن وجودها ضمن السلطة أكثر من العمل على تحقيق مسؤوليتها في إدارة الدولة وحرصها على البناء الديمقراطي .(16)
2 . الغريب في موضوعة الديمقراطية التوافقية العراقية ان اغلب القوى السياسية الحالية قد تبنت التداول بهذا النموذج عندما كانت في المعارضة واكدت عليه في بياناتها ومؤتمراتها التي عقدت في الخارج خاصة في مؤتمرات لندن وصلاح الدين , وبعد عام 2003 كان مجلس الحكم التطبيق الفعلي لهذه الممارسة ثم وجدت الاطار التأسيسي لها في قانون ادارة الدولة والدستور العراقي عام 2005 ، وجاءت مبررات التأسيس التوافقي في العراق على اساس التنوع القومي والديني والمذهبي لمكونات الشعب العراقي ولاجل السعي بأرتقاء الفسيفساء العراقي الى الابداع والتميز من خلال ضمان مشاركة الجميع في بناء الوطن ، وكحل واسلوب للحيلولة دون تحول الانقسامات الى اشكال غنف دموية وحروب اهلية ولوضع اساس للتعايش والتوافق عبر تقاسم السلطة ... هذا الطرح النظري لم يتحقق على ارض الواقع السياسي العراقي فالحلول والمعالجات التي قدمتها ديمقراطية ارنت ليبهارت التوافقية لم تحقق هدفها في العراق فالتجربة التوافقية تنطلق من قاعدة ديمقراطية راسخة وليست ناشئة والعراق لم يشهد طوال تاريخه السياسي الحديث والمعاصر تجربة ديمقراطية تؤهله للانتقال الى مرحلة التوافق الديمقراطي .
لقد أشار الدكتور (كمال المنوفي) في كتابه القيم (نظريات النظم السياسية)، إلى أن الدول الديمقراطية ذات التنوع الاجتماعي، تستند في نجاح الديمقراطية فيها إلى ما أسماه بـ(الديمقراطية الطائفية)، وقوام هذه الديمقراطية هو((أن الميول الصراعية المتأصلة في بنية المجتمع التعددي تقابلها ميول تعاونية أو تصالحية على مستوى زعماء المجموعات المكونة له، ومن شان السلوك التعاوني النخبوي كبح جماح العنف على الصعيد القاعدي ومن ثم تحقيق الاستقرار السياسي)) (17)
وعند التأمل الدقيق في هذا الكلام نكتشف طبيعة المأزق الخطير الذي يواجه بناء الديمقراطية في العراق، حيث إن التنوع الاجتماعي لا يصاحبه وجود نخب تصالحية أو تعاونية تخفف حدته وتوجهه نحو السلام والانسجام، بل على العكس توجد نخب تهيجية تلعب على وتر التنوع خدمة لأهداف ضيقة مرتبطة بالسلطة ومن يتولى الحكم، نخب تحرص على صب زيت الإنا الخادع على نار التنوع العدائي وصولا إلى أهدافها ، فيتم تضخيم الإنا السني في مواجهة الإنا الشيعي، والإنا العربي في مواجهة الإنا الكردي أو ألتركماني أو الكلدوآشوري، وبالعكس، حتى صار المواطن في هذا البلد يسأل نفسه كل يوم ألف مرة، ألا يوجد تنوع اجتماعي في بقية دول العالم..... فلماذا نكتوي بنار تنوعنا بدلا من أن يكون ذلك سبيلا إلى ترقينا وتطورنا؟
3 . أن تشكيل حكومة المحاصصة (الشراكة) قد تزامن مع ظروف خاصة كان العراق يمر بها - ونقصد هنا عدم استقرار الوضع الأمني وغياب الثقة بين الكتل السياسية - الأمر الذي انعكس على علاقة المكونات الموجودة في المجتمع العراقي، مما جعل القوى الوطنية تقدم تنازلات عن بعض حقوقها والخروج بحكومة يأخذ الجميع فيها حصته بما يتلاءم مع حجمه وحجم مكونه وطائفته في محاولة لبناء أجواء من الثقة بين الشركاء، والمضي معا في طريق بناء العراق من خلال بناء دولة المؤسسات الدستورية وأهمها المؤسسة التشريعية والتنفيذية والقضائية والتعاون فيما بينها خدمة للشعب العراقي.
ولكن ما حدث بعد ذلك لم يكن كما تم التخطيط له، حيث لم يعمل الجميع بروح الفريق الواحد، فتحول الشركاء إلى خصوم في جميع جوانب العملية السياسية ومعرقلين لكثير من البرامج الحكومية التي كانت الحكومة تسعى إلى تنفيذها عبر السنوات الماضية، فرفع الشركاء راية الاعتراض والعرقلة للمشاريع الحكومية ووقفوا في طريق تشريع القوانين التي تسهم في بناء الدولة، وانعكست المحاصصة سلبيا على عمل مؤسسات الدولة سيما البرلمان الذي أصبح ساحة للصراعات والمساومات السياسية بعيدا عن دوره التشريعي والرقابي
وقد كانت عملية عرقلة كثير من القوانين في البرلمان العراقي مثالا على تلك الصراعات التي تعكس سياسة الاعتراض التي يتخذها البعض في عرقلة عمل الدولة والحكومة، وتقف في طريق بناء العراق وتسليح جيشه وإعادة بناء البنى التحتية للبلد الذي عانى من الحروب والحصار والتدمير لعقود طويلة وينتظر المواطن فيه دوره في الحصول على الاهتمام والخدمات التي يستحقها.(18)
4 . ان القيادات والنخب العراقية في مختلف توجهاتها الدينية والسياسية ، تهرب من دفع مستحقات التنمية السياسية حيث ان هذه المستحقات تتطلب بعض التنازلات من القيادات والنخب، ان ما تجمع عليه القيادات العراقية في الوقت الحاضر هو بقاء النظام السياسي القائم مع ترميمه من حين لآخر لأنه يحفظ لها دورها النخبوي ويحافظ على مصالحها الخاصة على حساب المصالح العامة وعلى حساب المواطن والوطن ، وهم في كل يوم يرددون الرغبة في اصلاح النظام السياسي وتعديل الدستورلكنهم يريدون الاصلاح الشكلي الذي لايمس جذور الازمة العراقية ولايحقق الاستقرار والامن للعراق .
5 . واخيرا وليس اخرا ومن خلال ما تمت الاشارة اليه حول الديمقراطية التوافقية فلعل المشكلات تبدو واضحة وفي مقدمتها حق النقض الذي قد يعارض أهم مبادئ الديمقراطية وهو مبدأ الاغلبية في اتخاذ القرارات خصوصاً اذا ما كانت هذه القرارات ذات ضرورة ستراتيجية وقومية للدولة.حيث ان القرارات الصادرة أو التشريعات لايمكن أن تمرر دون موافقة قادة هذه الفئات كما يشير بذلك روبرت دال وهي من جانب آخر تجعل المشكلة الائتلافية قائمة لأن أي طرف ينبغي أن يحقق قبول لدى الطرف الآخر.
ولعل مشكلة ايجاد حالة التوازن والتكافل في القرارات السياسية قد يكون أمر في غاية الصعوبة خصوصاً ما اذا كانت القرارات تتعلق بفئة معينة حيث ان خطورة المواقف تتعلق بالقرارات المتخذة بشأنها وهذا ما لابد أن يأخذ بنظر الاعتبار في محاولة دراسة وتحليل مثل هذا النوع من النظم.
اذ قد تكون ادارة عملية الحكم ذات صعوبة في مجال التفاوض خصوصاً اذا ما تعلق الأمر بالمصالح وهذا ما يشكل في أدبيات الاستراتيجية أحد المعطيات المهمة في نشوء الأزمة والذي قد يؤدي الى مشكلات خطيرة لا يمكن معالجتها في ضوء التهديدات المتبادلة ووما يزيد الأمر تعقيداً دخول أطراف خارجية أقليمية ودولية تعمل على تأجيج الأزمة الداخلية مؤدية بذلك الى حرب أهلية.
يبقى ان نقول ان البحث في اشكاليات النظام السياسي العراقي ومدى ملائمة نموذج الديمقراطية التوافقية من عدمه يتطلب المراجعة التقويمية الجادة لتشخيص السلبيات والايجابيات والانفتاح على جميع الابعاد التاريخية التي تغذي الصراع السياسي في العراق والتي انتجت وخلقت تراكمات سياسية ثقيلة مازال التعبير عنها ايديولوجيا او دينيا او قوميا بوصفها مبررات لسلوك معين .
واخيرا نتساءل اين يكمن الخلل؟ هل بتبني نموذج الديمقراطية التوافقية ام بالقائمين على تطبيقها ؟ هل يكمن بحداثة التجربة؟ ام ان الفرضيات التي طرحناها تبقى هي المتغيرات الرئيسية التي لها الفصل في نجاح او اخفاق النظام الديمقراطي الفدرالي التوافقي .
مصادر البحث
1 . د.رشيد عمارة ، الديمقراطية التوافقية : دراسة في السلوك السياسي العراقي ، مجلة زانكوى سليماني ، العدد (30) ، تشرين الاول 2010
وكذلك لمزيد ن التفاصيل حول الديمقراطية التوافقية ينظر :ارنت ليبهارت : الديمقراطية التوافقية في مجتمع متعدد ، ترجمة حسني زينه ، معهد الدراسات الاستراتيجية ، بيروت ، 2006
2 . نقلا عن احمد مالكي ، مستقبل الديمقراطية التوافقية في المغرب ، موقع صحيفة الجريدة
3 . نقلا عن المصدر السابق .وللمزيد ينظر : الطيب زين العابدين : الديمقراطية التوافقية ، 4 ركائز للوصول لحكم رشيد في السودان ، 11/29/ 2012
وايضا ينظر : جميلة غريب ، الديمقراطية بين الواقعية والتوافقية ، 11/6/2012 موقع الشمال دوت كوم .
4 . نقلا عن المصدر السابق .وكذلك للمزيد ينظر: ثلاث مقالات للاستاذ انطوان نجم حول الديمقراطية التوافقية
.by Lebanese Resistance by LF-Kataeb-NLP-Cedar Guards-Tanzim (Notes) on Tuesday, July 17, 2012
مهدي جابر مهدي ، اشكالية تعثر الديمقراطية في العراق بعد عام 2003 ، الحوار المتمدن /1/12/2012 5 .نقلا عن
6 . ينظر مهدي جابر مهدي ، اشكالية تعثر الديمقراطية في العراق بعد عام 2003 ، المصادر السابق .
7 . ينظر مها جابر سلمان الربيعي ، النظام السياسي في العراق : بحث في الديمقراطية التوافقية واشكالياتها (2003- 2009) رسالة ماجستير غير منشورة مقدمة الى كلية العلوم السياسية /جامعة النهرين ، 2011
8. ينظر د.وصال نجيب العزاوي ، قياس جودة نظام الحكم : انموذج فاعلية الاداء الحكومي ، مجلة العلوم السياسية ، كلية العلوم السياسية ، جامعة بغداد ، 2011
9 . نقلا عن الخضر هارون ، ورقة الدكتور الطيب زين العابدين حول الديمقراطية التوافقية : ارضية للحوار الوطني ، منتدى الباحثين والطلاب .
10. نقلا عن المصدر السابق .وكذلك ينظر : غسان سالم ، قراءة في كتاب الديمقراطية التوافقية مفهومها ونماذجها ، الحوار المتمدن ، العدد 2762 في 7/9/2009
11. المصدر السابق . وكذلك ينظر شذى ظافر الجندي ، هل نحن في حاجة الى الديمقراطية التوافقية في المرحلة الانتقالية نحو الديمقراطية والدولة المدنية ، الحوار المتمدن ، العدد 3474 في 1/9/20116 .
12. ينظر مها جابر سلمان الربيعي : مصدر سابق .
13. نقلا عن المصدر السابق : الفصل الثالث
14. المصدر السابق . وايضا ينظر : علي فارس حميد ، الديمقراطية التوافقية : رؤية في المفهوم والنشأة ، موقع المركز العراقي الامني بتاريخ 3/10/2010
15. المصدر السابق .
16 . د.كمال المنوفي ، نظريات النظم السياسية ، وكالة المطبوعات ، الكويت ، 1985
17. محمد صادق جراد ، الديمقراطية التوافقية ، الشرق الاوسط ، 18 نوفمبر 2012
18. المصدر السابق .


ملحق
قراءة في الفصل الثاني لكتاب ارنت ليبهارت \"الديمقراطية التوافقية في مجتمع متعدد

\"إن المجتمع التعددي هو المجتمع المجزأ بفعل الانقسامات الدينية أو الأيديولوجية أو اللغوية أو الجهوية أو الثقافية أو العرقية؛ كما أنه المجتمع الذي تنتظم بداخله الأحزاب السياسية، ومجموعات المصالح، ووسائل الإعلام والمدارس، والجمعيات التطوعية، على أساس الانقسامات المميزة له \".
تعرضت العديد من المصطلحات في عالم السياسة الى التحريف والخلط فكلمة «الديمقراطية»! تناولتها بعض النظم السياسية بما فيها النظم الديكتاتورية المستبدة وحرصت على أن تكون صفة الديمقراطية ملازمة لها .
شهد القرن العشرون انتشارا للديمقراطية خارج أوروبا في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، بسبب فشل النظم اللاديمقراطية، ونمو اقتصاديات السوق،والانتعاش الاقتصادي، وتطور الثقافة السياسية, ولكن لم يكن التجانس القومي يمثل القاعدة الشاملة للبلدان الديمقراطية بل ظهرت عدة استبدادات لذلك وجب التفكير في إيجاد حل ففكر السياسيون بإيجاد حل وهو استخدام الفيدرالية أو الحكم الذاتي والتجربة التوافقية التي ظهرت بعد حرب العالمية الثانية لفشل الأنظمة الديمقراطية التي تعتمد على الأكثرية
بدأت مساعي بناء التوافق و النهوض بمفهوم \"الديمقراطية التوافقية\" لحاجات المجتمعات الغير متجانسة من الناحية القومية مثل( النمسا، بلجيكا، هولندا، سويسرا وكندا ) ولم تصدر هذه المساعي عن أي نظرية مسبقة .
جاءت نظرية التوافقية، بعد التجربة وليس قبلها، اننا لا نملك أي تنظير إزاء النظرية التوافقية. حتى اكتسبت هذه النظرية شكلها الملموس على يد مفكرين سياسيين بارزين منهم آرنت ليبهارت، وغيرهارد لمبروخ، علماً ان ثمة عدد كبير من دارسي هذه النظرية.
يفسر \"آرنت ليبهارت\" \"الديمقراطية التوافقية\"، بانها تعني النظام الذي تتعدد فيه مصادر السلطة، ويكون أقرب الى النظم الديمقراطية من دون التمكن من الوصول إليها. أما الاستقرار السياسي الذي يشكل شرطاً مفصلياً للديمقراطية التمثيلية عند \"آرنت\"، فيتحقق حين يضمن النظام السلم المدني، ويتأسس على المشروعية (Legitimite) والفعالية (Efficacite) ويكون قادراً على تقليص العنف المدني وترشيد إمكانيات اللجوء إليه .

عناصر الديمقراطية التوافقية:
1.الاستقلالية الفئوية: الفكرة مأخوذة إلى حد بعيد من النظام الملّي حيث تتمتع الطوائف بإدارة شؤونها الداخلية
2 . النسبية التي تطبق بصورة خاصة في الانتخابات العامة حيث تسمح لأكبر عدد من المواطنين باختيار ممثليهم إلى السلطات التشريعية
3 .حق ممارسة الفيتو الذي يعطى عادة إلى الأطراف الرئيسية في البلاد الائتلاف الواسع .
السمة الاساسية للديمقراطية التوافقية هي ان زعماء القطاعات في المجتمع لتعددي تتعاون في ائتلاف واسع لحكم البلاد ويضم هذا الائتلاف كما في نظم الديمقراطية التوافقية أبرز وأهم الأحزاب أو الجماعات السياسية في البلاد، والغرض منه - كما يقول التوافقيون - إقامة \"كارتل حاكم\" يوطد النظام الديمقراطي والوحدة الترابية للبلاد. ويتطلب الائتلاف الكبير قيام أحزاب قوية ذات انتشار واسع، وقيام تكتلات نيابية قادرة على تكوين أكثريات مستقرة، وتمتلك برامج واضحة تشكل أساساً للعلاقة مع المواطنين ولإقامة التحالفات المزدهرة. والائتلاف الكبير يتطلب اعتراف الأطراف الرئيسية ببعضها بعضاً واتفاقها على أساس البرامج والتطلعات والأهداف المشتركة.
الانفصال والتقسيم
هنالك تخوف من النظام الفدرالي على الديمقراطية التوافقية وذلك لان قيام قطاعات متمايزة اقليمية اذا مااقترن بما تمنحه الفيدرالية من استقلال ذاتي جزئي ربما اتاح اندفاعا اضافيا للمطالبات بمزيد من الاستقلال الذاتي وعندما ترفض هذه المطالبات فقد يعقب ذلك الانفصال ثم الحرب الاهلية حسب رؤية نوردلينغر.
ويرد عليه بان هناك ثلاثة انواع من الحلول لهذه المشكلة:
1 . ازالة الطابع التعددي للمجتمع وتقليصه بصورة جوهرية عبر الاستيعاب
2 . الحل التوافقي الذي يقبل بالنقسامات التعددية باعتبارها لبنات البناء الاساسية لنظام ديمقراطي مستقر
3 . تقليص التعدد عبر تقسيم الدولة الى دولتين منفصلتين متجانستين او اكثر
: مساوئ الديمقراطية التوافقية
انها ليست على درجة كافية من الديمقراطية *
. * النموذج التوافقي يشبه \"المجتمع الطائفي\" في تصنيف وليام كورنهاوزر
* وربما كان لمجتمع شديد التجانس والامتثالية نفس التأثير الكابت لحرية الأفراد
* فالديمقراطية التوافقية تفضي الى تقسيم المجتمع التعددي الى عناصر أكثر تجانساً واستقلالي
* التوافقية ليست نظاماً مثالياً، فالاخاء يعني السلام \"الايجابي\"، ولكن في المجتمع التعددي يعتبر التعايش الديمقراطي السلمي أفضل بكثير من السلام غير الديمقراطي ومن ديمقراطية غير مستقرة يمزقها التصارع بين القطاعا
* عجزها المحتمل عن إحلال الاستقرار السياسي والحفاظ عليه
* فمن الممكن للعديد من سماتها أن تقود الى التردد وعدم الفعالية
* المشكلة الأكثر خطورة هي الجمود؛ أما مشاكل عدم الفعالية الإدارية والكلفة فهي صغيرة نسبياً