بعد إغلاق استمر منذ 17 أبريل، تم الإعلان عن استئناف إنتاج النفط في  حقول النفط الليبية  التي تعرضت للحصار، علّها تعوض عن ما خسرته من نفط قُدر بـ 500 ألف برميل يومياً أو حوالى نصف ما كانت تنتجه.  

النفط هو مصدر الإيرادات الوحيد للدولة ومشهد إغلاق الحقول متكرر ليعكس الأزمة السياسية المستمرة ولكنه يأتي في وقت ألقت الحرب الروسية -الأوكرانية بظلالها على أسعار النفط التي لا تزال تحلّق فوق الـ100 دولار للبرميل. 

"الصراع الداخلي في ليبيا وعدم قدرة قطاع النفط على الحصول على التمويل اللازم يكبد العالم وليبيا خسائر كبيرة، وبدل من أن تكون ليبيا جزء من الحل في أزمة الطاقة الحالية فإنها جزء من المشكلة،" بحسب أنس الحجي وهو خبير في قطاع النفط.

ووفقاً لتقرير شهري صدر هذا الشهر عن منظمة أوبك لشهر مايو بلغ إنتاج ليبيا بحسب مصادر ثانوية قرابة 900 ألف برميل يوميا في أبريل مقارنة بمليون برميل يوميا تقريباً في مارس. 

حجم الخسائر

تجاوزت خسائر ليبيا 400  مليون دولار في الأسبوع الواحد جراء الإغلاقات، وفقاً لحجي الذي نقل هذه التقديرات عن تقرير نشرته منصة "الطاقة" المتخصصة في أخبار الطاقة. 

أما وزير النفط الليبي محمد عون  فقدر خسائر القطاع بـ50 إلى 60 مليون دولار يوميا عن كل يوم إقفال، بحسب بلومبرج. 

وأكد مصدر ليبي رفض الإفصاح عن اسمه لموقع زاوية أنه رغم انه  قد تم مؤخرا رفع الحصار عن الحقول ولكن يحتاج الإنتاج إلى الوقت كي يصل إلى الذروة أي 1.2 مليون برميل يوميا وهو مستوى ما قبل الحصار. وقدر المصدر وصول إنتاج النفط اليومي خلال الحصار إلى 790  ألف برميل يوميا. 

وقال "لن يعود الإنتاج إلى الطاقة القصوى بشكل فوري، سيبقى منخفض بسبب تراجع طاقة التخزين في الحقول والموانئ."

لا يزال قطاع الطاقة الليبي يعاني من سنوات من الاضطرابات منذ الإطاحة بمعمر القذافي عام 2011. 

" تحتاج الدول المنتجة للنفط التي شهدت الحروب والنزاعات إلى عقود كي يستقر إنتاجها إلى مستويات ما قبل الحرب. وليست ليبيا باستثناء فقد شهد إنتاجها تقلبات كثيرة وسيستمر على هذا المنوال طالما بقي وضعها السياسي هش،" في تصريحات أدلت بها كارول نخلة الرئيسة التنفيذية في كريستول انرجي لموقع زاوية عربي.

"ورقة ضغط  اقتصادية" 

وصف محللون مشهد إغلاق الحقول والموانئ بورقة ضغط يستخدمها الفرقاء المتناحرين لتحقيق أهداف سياسية.

وكانت المؤسسة الوطنية للنفط الليبية قد أعلنت في 18 أبريل عن تعليق الإنتاج في حقل الشرارة، وهو أكبر حقولها، بعد يوم من إغلاق حقل الفيل بسبب "دخول مجموعة من الأفراد ومنع المستخدمين من الاستمرار في الإنتاج."

وبحسب رويترز، ظهر محتجون في ميناء الزويتينة في فيديو متداول عبر وسائل التواصل الاجتماعي أعلنوا من خلاله عن تعليق الإنتاج في الميناء والحقول لحين مغادرة  رئيس الوزراء الليبي عبد الحميد الدبيبة.

ويرفض الدبيبة - الذي تتخذ حكومته طرابلس مقر لها - منذ فبراير الماضي تسليم السلطة لرئيس الحكومة المكلف من البرلمان فتحي باشاغا الذي يحظى بدعم من شخصيات نافذة في شرق ليبيا لا سيما خليفة حفتر وهو قائد ما يُعرف بـالجيش الوطني الليبي.

وحاول باشاغا تسلم السلطة في طرابلس هذا الشهر لكن أعمال العنف حالت دون ذلك.

 "إغلاق الحقول النفطية هو دليل مباشر على الأزمة السياسية التي تتكشف حاليا بين الدبيبة وخليفة حفتر،" بحسب جلال حرشاوي، الباحث والمحلل المتخصص في الشأن الليبي.

وأضاف حرشاوي، في حديث لزاوية عربي، إن "القيادة العامة (للجيش الوطني التابع لحفتر) هي التي تعمد لفرض حصار نفطي في محاولة لزيادة الضغط الدولي –على الأخص من الدول الغربية - على الدبيبة"، مضيفا: "أمل حفتر هو أن يتخلى الدبيبة عن منصبه ويغادر".

وتزامنت أزمة الإغلاق مع عودة عبد الحكيم بلحاج  وهو سياسي إسلامي ليبي برز في حقبة ما بعد القذافي، وقاد جماعة مسلحة ساعدت في الإطاحة بالقذافي عام 2011 والتي لا تزال ظروف عودته "غير واضحة"، بحسب هاميش كينر محلل الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لدى شركة فيرسيك مابلكروفت المتخصصة في استشارات المخاطر.

وفي السابق كان يعارض بلحاج قوات حفتر. وبما أن حفتر متحالف مع باشاغا من المحتمل أن بلحاج  في طرابلس لدعم حكومة الدبيبة. 

غاز ليبيا

"المشكلة لا تقتصر على النفط حيث أن ليبيا كانت في السابق مصدرة للغاز المسال، وليبيا والعالم لا يستطيع الآن الحصول على ذلك الغاز،" وفقاً للحجي.

في بودكاست الشهر الماضي لـ"جلف إنتليجنس" وهي مجموعة استشارات استراتيجية في الشرق الأوسط تركز على الطاقة والموارد الطبيعية، قالت لوري هايتايان مديرة منطقة الشرق الأوسط في معهد حوكمة الموارد الطبيعية، "لا أحد يهتم بأزمة ليبيا رغم تداعياتها على النفط والغاز... بدون وساطة في الأزمة الحالية بليبيا سنحتاج غالبا للتفكير في أن نفط ليبيا لن يكون متوفر لموازنة السوق،" مع غياب 3 ملايين برميل من النفط الروسي.

"وحتى الإيطاليين الذين قد يحصلون على الغاز من ليبيا، باتوا الآن مهتمين أكثر بالعمل مع الجزائريين لأن الإمدادات الجزائرية أكثر استقرارا ووفرة،" بحسب هايتايان.

مشاكل مالية

يقول المحللان حرشاوي وكينر إن الشرارة التي أشعلت فعليا حصار حقول النفط والموانئ مؤخرا في ليبيا كانت تحويلات مالية من الإيرادات النفطية  بقيمة 6 مليار دولار من المؤسسة الوطنية للنفط الى حكومة الدبيبة في 13 أبريل الماضي.

وتتعارض هذه التحويلات مع توجيهات سابقة لرئيس مجلس النواب عقيلة صالح بعدم التعامل مع حكومة الدبيبة التي انتهت ولايتها عندما تعذر حصول انتخابات رئاسية العام الماضي  ترشح فيها صالح والدبيبة.

وطالب المحتجون الذين حاصروا حقل الشرارة ومن قبله حقل الفيل بإقالة رئيس المؤسسة الوطنية للنفط مصطفى صنع الله.

ولطالما كان يُنظر لصنع الله على أنه نجح طوال سنوات الاضطرابات في ليبيا في النأي بمؤسسة النفط عن الصراعات السياسية وابقى موقفها حيادي، وهو ما يجعل الدعوات الأخيرة لإقالته غير مألوفة.

ويقول حرشاوي إن السبب وراء تغير الموقف إزاء رئيس مؤسسة النفط "بالتحديد هو ترتيب 13 أبريل الذي نُظر إليه على أنه أمر عزز القدرة المالية لحكومة الدبيبة...(في حين أن) حفتر وداعميه يريدون خنق حكومة الدبيبة إلى أن تنهار".

لكن كينر قال "صنع الله كان بالتأكيد يفضل إبقاء مؤسسة النفط بمعزل عن السياسة، ورأى على الأرجح أن تحويل هذه الأموال ضروري لأنه مكَّن المؤسسة من الوصول إلى أموال تحتاجها لعملياتها".

وأوضح أن  المؤسسة تقوم بإيداع عائدات النفط في حساب بالبنك الليبي الخارجي الذي تتحكم به، لكن صنع الله والمؤسسة لا يمكنهما استخدام تلك الأموال مباشرة، إذ يجب تدويرها من خلال حسابات الحكومة أولا.

وقبل الكشف عن التحويل المالي من مؤسسة النفط للحكومة، أعلنت حكومة الدبيبة عن خطة لتطوير قطاع النفط والغاز، وكذلك اعتماد ترتيبات مالية طارئة لمؤسسة النفط للعام 2022 بقيمة 37.6 مليار دينار ليبي (7.9 مليار دولار).

وبحسب حرشاوي، لم يعد بإمكان مؤسسة النفط البقاء حيادية بعد الآن بالنظر إلى الدور السياسي للغاية الذي تتطلع له من خلال التحكم بتحويلات عائدات النفط للحكومة.

هل من انتخابات قريبا؟

يرى المحللان حرشاوي وكينر أن ليبيا لن تشهد انتخابات في المستقبل القريب.

ويعتقد حرشاوي أن الانتخابات لن تُنظم على الأرجح في السنتين أو الثلاثة المقبلة في حال تمكن باشاغا من دخول طرابلس وكذلك نجاحه في التعجيل برحيل الدبيبة، معللا ذلك بأن "الحكومة الجديدة ببساطة لن ترغب في الرحيل".

وكان من المقرر إجراء انتخابات رئاسية في ديسمبر يعقبها انتخابات برلمانية. وكان السبب الرئيسي وراء تأجيل الانتخابات، عدم التوافق على قاعدة دستورية تُجرى الانتخابات الرئاسية والبرلمانية بموجبها، ويشير كينر إلى أن المحادثات  التي استضافتها القاهرة بين الليبيين في أبريل للوصول لقاعدة دستورية انتهت دون التوصل لاتفاق.

#تحليلمطول

(إعداد مريم عبد الغني وريم شمس الدين، تحرير ياسمين صالح، للتواصل rim.shamseddine@lseg.com)

للاشتراك في تقريرنا اليومي الذي يتضمن تطورات الأخبار الاقتصادية والسياسية، سجل هنا