في مقالين سابقين (الأول والثاني)، كنا قد ناقشنا أسباب اتخاذ الدول قرار التخلف عن سداد ديونها، والتي كان أكثرها شيوعاً هو العوامل المؤسسية والسياسية، يليها عبء الديون المرتفع. ولكن إلى أي مدى يكون عبء الديون مرتفعاً؟ أيضاً، متى قد تضطر دولة ما للتخلف عن سداد ديونها بغض النظر عما سيحدث؟ وكيف يمكن للدول أن تضمن الاستدامة المالية؟

محددات الاستدامة المالية

دعونا أولاً نُعرِّف الاستدامة المالية من وجهة نظر الدول. يمكن الاستدلال على الاستدامة المالية لأي دولة عن طريق قياس مدى قدرة اقتصاد تلك الدولة على خدمة الدين العام. فعلى سبيل المثال، في الآونة الأخيرة، قبل هذا العام، أصبحت الاستدامة المالية في أوروبا وبعض الاقتصادات المتقدمة على المحك حيث كان هناك ثلاثة اتجاهات، اثنان سلبيان وآخر إيجابي:
 
- الارتفاع في مستوى الدين الحكومي كنسبة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي (وله تأثير سلبي على الاستدامة المالية).
 
- الانخفاض في متوسط معدل النمو الاقتصادي ولنسميه G (وله تأثير سلبي على الاستدامة المالية).
 
- الانخفاض في أسعار الفائدة ولنسميها R (وله تأثير إيجابي على الاستدامة المالية).
 
في الفترة الماضية، كان مستوى الدين الحكومي كنسبة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي يرتفع بدون أن يُقلق المستثمرين حيث أن R كانت منخفضة بشدة وفي بعض الحالات قد تكون R سالبة، أي أن تكلفة الاقتراض كانت شبه غير موجودة وهو ما كان يُعوَّل عليه في زيادة الاستثمارات. ولكن على العكس، بدأ G في اتخاذ اتجاهاً مخالفاً مؤخراً لينخفض هو أيضاً مع الوقت، مما قد يدعو للقلق مستقبلاً عندما تتغير الاتجاهات وتتأثر الاستدامة المالية وقد تبدأ قريباً مشكلة التخلف عن سداد الديون في الظهور.
 
(G > R) = استدامة مالية
 
ولمعرفة إذا ما كان هناك استدامة مالية أم لا، يمكننا استخدام متباينة اقتصادية مبنية على العلاقة طويلة الأجل بين G من جانب وR من جانب آخر، وهو ما يمكن أن يشير إلى استدامة ديناميكية الديون. السيد بول شميلزنج، وهو باحث زائر في بنك إنجلترا، قام بدراسة بيانات 78% من الاقتصادات المتقدمة خلال ثمانية قرون من حيث أسعار الفائدة (R) والتي مالت إلى الانخفاض على مدار التاريخ. وقارن أسعار الفائدة بمعدل النمو الاقتصادي (G) في كل دولة حيث اتضح أن الفرق بين R وG اتخذ أيضاً اتجاه منخفض على مدار السنين وهو ما يبشر بمعدلات نمو اقتصادي شديدة الانخفاض.

الفكرة هي أنه كلما كانت R في دولةٍ ما أقل من G (أي G > R)، كلما كان هناك استدامة لديناميكية الديون بمعنى أن الاقتراض لن يؤدي إلى ارتفاع نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي. والعكس صحيح، كلما كانت R أعلى من G (أي G < R)، لن يكون هناك استدامة لديناميكية الديون، وبالتالي سنجد نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تنمو إلى ما لا نهاية وهو ما يستدعي الحاجة لتحقيق عجز أقل أو فائض أعلى في الموازنة العامة للدولة للإبقاء على نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي دون تغيير وأيضاً الحاجة لتخفيض أسعار الفائدة.
 
وبالتالي، عند دراسة الوضع المالي لأي دولة قبل الاستثمار في أدوات الدين التي تُصدرها، يجب على المستثمر أن يتأكد أولاً أن سعر الفائدة (R) أقل من معدل النمو الاقتصادي (G) على المدى الطويل، بحيث أن اقتراض الدولة في المستقبل لن يؤثر بالسلب على وضعها المالي. أما إذا كانت R أعلى من G، فيجب عندئذٍ على حكومة تلك الدولة وضع خطة مالية لا تفترض فيها أسعار فائدة منخفضة أو أقل من معدل النمو الاقتصادي في المستقبل في أي حال من الأحوال. أي أن وجود فوائض مالية أولية هو أساسي لإعادة الاستقرار المالي والاستدامة المالية لتلك الدولة.
 
ولذلك في الوضع الحالي مع ارتفاع أسعار الفائدة وتوقعات بانخفاضات في معدل النمو، يبدو أن  2023 سيكون "عام الديون" بعدما أخذ هذا العام لقب "عام التضخم"!
 
الخلاصة .. نصغّر الـ R ونكبّر الـ G!

 

(إعداد: عمرو حسين الألفي، رئيس قسم البحوث في شركة برايم لتداول الأوراق المالية في مصر وهو حاصل على شهادة المحلل المالي المعتمد "CFA") 

( للتواصل zawya.arabic@lseg.com) 

#مقالرأي