في 31 يوليو الماضي، غادر رياض سلامة منصبه كحاكم لمصرف لبنان بعد انتهاء ولايته الرسمية والتي دامت 30 عام، وتولى نائبه الأول وسيم منصوري المنصب بالإنابة بموجب قانون النقد والتسليف بعد أن تعذر تعيين حاكم جديد في ظل الفراغ الرئاسي وحكومة تصريف الأعمال. 

ويعتبر تسليم مهام حاكم مصرف لبنان المركزي من رياض سلامة إلى وسيم منصوري حدث مهم في لبنان، لأنه يأتي في ظل التحديات الاقتصادية والمالية الكبيرة.

وعود كثيرة 

وضع وسيم منصوري شروط مهمة لتنفيذ مهمته كحاكم مصرف لبنان. أعلن عن هذه الشروط قبل تسلمه منصبه، حيث أكد أن القيادة الجديدة للبنك المركزي تعتزم فرض قيود صارمة على إقراض الحكومة، وأشار إلى أن الإقراض لم يعد خيار وأن التمويل يتطلب قانون. هذا القانون سيساهم في دفع رواتب القطاع العام وتنشيط الإدارة وتأمين الأموال للدواء.

ودعا منصوري إلى التخلص التدريجي من منصة "صيرفة" التي يديرها مصرف لبنان، وأكد أن تحرير سعر الصرف وتوحيده يجب أن يتم بحذر للحفاظ على الاستقرار النقدي، ويجب أن يتم بالتوافق مع الحكومة.

أقر مجلس الوزراء اللبناني في جلسته التي عُقدت يوم 7 سبتمبر، اعتماد منصة "بلومبيرغ" بديلا عن "صيرفة" لعمليات تبادل العملات. ويأتي هذا القرار بعد مرور حوالي عامين على إطلاق "صيرفة" من قبل الحاكم السابق لمصرف لبنان، رياض سلامة.

وفي ما يتعلق بالأزمة الاقتصادية في لبنان، وصف منصوري الوضع بأنه "أمام مفترق طرق"، وأكد أن الحل الوحيد يكمن في إصلاح المالية العامة وأن وقف تمويل الدولة بالكامل لا يمكن تحقيقه فجأة. يجب أن يتم ذلك بشكل تدريجي وبالتعاون بين الحكومة ومجلس النواب ومصرف لبنان ضمن خطة متكاملة تكفل استعادة أموال المودعين المحتجزة في المصارف اللبنانية. 

ودعا الحكومة إلى تنفيذ إصلاحات مهمة في القوانين المالية وميزانية الدولة خلال 6 أشهر.

تحديات كبيرة 

للمرة الثالثة منذ تأسيس مصرف لبنان المركزي، يتبوأ منصب الحاكم شخص ذات خلفية قانونية لا مصرفية. في المرة الأولى، انتقل المحامي والقاضي إلياس سركيس من موقع حاكم مصرف لبنان المركزي إلى رئاسة الجمهورية. وفي المرة الثانية، تسلم النائب والمرجع القانوني الراحل إدمون نعيم المنصب خلال فترة صعبة جدا اقتصاديا وسياسيا وعسكريا بين 1985 و1991. 

والآن، يتولى وسيم منصوري المنصب، حيث يتمتع بمؤهلات قانونية تشمل دراسة القانون الدستوري. خبرة وسيم منصوري تتضمن العمل كمستشار قانوني لوزارة المالية ومستشار قانوني للبرلمان في السنوات الأخيرة. وتتميز تلك الخبرة بالتركيز على الالتزام بالمعايير الدولية والمعاملة الفنية والقانونية للقضايا.

على الرغم من أن تجربة سركيس كانت في ظل نظام مالي وسياسي مستقر، فإن تجربة منصوري تأتي في ظروف صعبة اقتصاديا وسياسيا. حاليا، يتولى المنصب في وقت تراجعت فيه قيمة الليرة اللبنانية بنسبة كبيرة ويشهد البلد توترات سياسية وانقسامات عميقة. 

أثارت خلفية منصوري القانونية وغير المصرفية مخاوف بعض الخبراء في لبنان من أنه قد لا يتمتع بالمهارات المطلوبة من الناحية المصرفية الفنية لمعالجة الأزمة الاقتصادية فمنصوري محامٍ بالدرجة الأولى.

وهل سيواجه منصوري بسبب خلفيته القانونية وغير المصرفية، معارضة المصارف؟ في ظل دعوته لإعادة هيكلة المصارف وهي إحدى مطالب صندوق النقد الدولي؟ 

بالطبع، من السابق لأوانه القول إذا ما كانت خلفية منصوري القانونية وغير المصرفية ستشكل عائق في أداء مهامه. 

يختلف منصوري عن سلامة في الشفافية. فقد أصدر منصوري تعميماته الجديدة في وسائل الإعلام، وعقد مؤتمر صحفي لشرح هذه التعميمات. في المقابل، كان سلامة، الذي يخضع حاليا للتحقيقات القضائية وتظاهر عدد من اللبنانيين ضده منذ انكشاف الأزمة الاقتصادية، يصدر تعميماته من دون أي تفسير أو توضيح. 

ويبدو أن منصوري يسعى إلى بناء الثقة مع جميع الأطراف المعنية، بما في ذلك المصارف والمواطنين.

بالطبع، من السابق لأوانه القول إذا ما كان منصوري سيحافظ على مستوى الشفافية الذي قدمه في الشهر الأول من تبوأ المنصب. إلا أن الخطوات التي اتخذها حتى الآن تشير إلى أنه يسعى إلى أن يكون أكثر شفافية.

في هذا الإطار، سجّل الحاكم بالإنابة لمصرف لبنان، وسيم منصوري، تحسينا كبيرا في مستوى الشفافية بعد تبنيه سياسة جديدة للإفصاح عن البيانات التي لم تكن متاحة للعلن.

في بيان أصدره في 17 أغسطس، قام مصرف لبنان للمرة الأولى منذ الأزمة بتقديم أرقام تفصيلية حول الموجودات الخارجية السائلة والالتزامات الخارجية المماثلة.
 
بغض النظر عن نوايا الإصلاح التي يبديها الحاكم الجديد. أظهرت الأرقام التي نشرها منصوري أن الموجودات الخارجية السائلة لمصرف لبنان بلغت حوالي 8.6 مليار دولار في 31 يوليو. 

وتشمل هذه الموجودات حسابات جارية، وودائع آجلة، وأوراق مالية دولية. وتُضاف إلى هذه الأصول محفظة سندات الحكومة اللبنانية (اليوروبوندز) التي تقدر قيمتها السوقية بحوالي 387 مليون دولار، بينما كانت تُقدر بقيمة اسمية تبلغ 4.2 مليار دولار بوقت سابق.

هذه الموجودات تتقاطع مع الالتزامات الخارجية السائلة التي تبلغ حوالي 1.27 مليار دولار، مما يعني أن صافي الموجودات الخارجية السائلة بعد خصم الالتزامات ومحفظة اليوروبوندز لا يزيد عن 7.3 مليار دولار. يتعين متابعة تطور هذه الأرقام وضرورة إجراء مزيد من النقاش والمراجعة لضمان الشفافية والاستدامة المالية لمصرف لبنان.

فتح الصندوق الأسود للنظام المالي هو تحدي كبير ولن يكون سهل. منصوري يمكن أن يتخذ هذه الخطوة نظرا لأنه يمتلك وجهة نظر مختلفة وجديدة، ولكنه يعرف أيضا أنه سيواجه معارضة قوية من جهات متورطة في المرحلة المظلمة السابقة. 

في مسألة الأرقام، لا بد الاستناد إلى المعايير الدولية المعترف بها مثل IFRS ومعايير SDDS التي تقدمها صندوق النقد الدولي لنشر البيانات والتي لم يكن سلامة يتبعها. هو عامل مطمئن للسوق قيام منصوري بتصويب الممارسات المحاسبية وستعزز هذه الخطوة الشفافية المالية.

أما المسألة الأخرى، فتتعلق بانتمائه الطائفي كشيعي، وهو أول شخص من هذه الطائفة يتسلم منصب حاكم مصرف لبنان منذ تأسيس المصرف قبل 60 عام، حيث كان هذا المنصب مخصص تقليديا للمسيحيين الموارنة. 

وبحسب رويترز، هناك قرابة بعيدة بين منصوري ونبيه بري رئيس مجلس النواب ورئيس حركة أمل وهو حزب لبناني شيعي.

في كل حال، يعتبر الوقت مبكرا للغاية للقيام بتقييم شامل لأداء منصوري في الشهر الأول من ولايته كحاكم مصرف لبنان (بالإنابة). على مدى الشهر الواحد، يصعب تحقيق تغييرات جذرية في الوضع الاقتصادي والنقدي في لبنان. مع ذلك، من المهم متابعة تطورات الوضع النقدي والاقتصادي بدقة خلال هذه الفترة.

في الشكل تقدم منصوري بالأداء، أما في المضمون، فالكلمة الفصل لم تحن بعد.

(إعداد: محمد طربيه، أستاذ محاضر ورئيس قسم العلوم المالية والاقتصادية في جامعة رفيق الحريري بلبنان)  
 
#مقالرأي

(للتواصل zawya.arabic@lseg.com)