PHOTO
04 08 2016
( التقرير من إعداد التميمي وشركاه باللغة الإنجليزية، ومترجم للعربية بواسطة "زاوية عربي")
في ظل هذه الأوقات الاقتصادية المليئة بالتحديات، تسعى بعض الشركات جاهدةً إلى أن تتعامل مع الضغوطات المالية التي تواجهها ويكترث الممولون لقدرة عملائهم على توفير الإجراءات والترتيبات المالية؛ ولذا يُعد نظام الإعسار عنصرًا هامًا في استقرار النظام المالي، وكثيرًا ما يُنظَر إلى نظام الإعسار القانوني في دولة الإمارات العربية المتحدة على أنه الأقل نموًا ولا يزال لم يُختبر بدرجة كبيرة. هذا وتهدف هذه المقالة إلى دراسة تطبيق نظام الإعسار ومدى فاعليته في دولة الإمارات العربية المتحدة والنظر في الآثار المترتبة عليه والمشكلات الأساسية المحيطة وكذا الإعسار من منظور المدينين والدائنين التجاريين.
تشكَّلت الأحكام الرئيسية لقوانين الافلاس في دولة الإمارات العربية المتحدة ضمن القانون الاتحادي رقم 18 لسنة 1993 (فيما يُعرَف "بالقانون التجاري") الذي يُنظِّم إجراءات الإفلاس، والقانون الاتحادي رقم 2 لسنة 2015 (فيما يُعرَف "بقانون الشركات") الذي يُنظِّم إجراءات التصفية. وتعتبر التصفية عملية يتم من خلالها إنهاء وجود الشركة والذي قد يكون ذو صلة بالإعسار (لكن ليس دائمًا). هذا وسنركز في هذه المقالة على الإفلاس في دولة الإمارات العربية المتحدة.
الإفلاس
يجوز للتاجر -بموجب القانون التجاري - أن يُعلِن إفلاسه إذا توقف عن سداد ديونه التجارية أو علَّق سدادها حال استحقاقها نتيجة عدم الاستقرار المالي أو نقص الرصيد المتاح. ومع مراعاة لبعض الاستثناءات، يُنظِر إلى الفرد أو الشركة التي تزاول نشاطًا تجاريًا بصفته"التاجر" بموجب القانون التجاري؛ وبرغم ذلك، تنطبق أحكام الإعسار على الشركات المسجلة في المنطقة الحرة، ما لم تُعفَى هذه المناطق الحرة من الامتثال لهذه الأحكام. هذا ويتمتع مركز دبي المالي العالمي- على سبيل المثال- بإطار قانوني وتنظيمي متميز في هذا الشأن.
هذا ويجوز للتاجر أو النائب العام أو المحكمة أو الدائن أن يُشرع في تقديم عريضة الإفلاس؛ ومن وجهة نظر الدائن، يكون التاجر قد ارتكب جريمة الإفلاس متعمدًا إذا علَّق سداد دفعة لأكثر من ثلاثين (30) يومًا وعجز عن تقديم عريضة الإفلاس خلال مدة مماثلة.وفي الواقع، فإننا لم نرى، رغم ذلك، السلطات المعنية تتابع مثل هذه الجريمة؛ فإذا تغير مستوى المقاضاة لهذه الجرائم، فمن الممكن أن يُثار نظام الإفلاس بصورة أكثر تكرارًا كنتيجة لسعي التاجر لحماية نفسه.
أما في حالة تقديم عريضة لإعلان الإفلاس ضد أي تاجر، تُصدِر المحكمة حكمًا بإعلان الإفلاس وتُخوَّل المحكمة لتحديد موعد مؤقت لتعليق السداد، مع الأمر بإغلاق مكان عمل المدين وتعيين أمين تفليسة. هذا وينص القانون التجاري على أنه لا يجوز إعادة تاريخ تعليق السداد إلى مدة تزيد عن عامين اعتبارًا من تاريخ إصدار حكم الإفلاس؛ وينطوي هذا على آثار تتعلق بنظام المعاملات السالفة كما هو منصوص عليه أدناه.
كما لا يجوز إنهاء إجراءات الإفلاس إلا إذا: (1) تم تسديد الديون إلى كافة الدائنين؛ (2) أو كان عن طريق التسوية القضائية؛ أو (3) كان عن طريق تنازل الشركة عن جميع أصولها لصالح دائنيها.
وفور إعلان الإفلاس، يجوز أن يسري القرار الرسمي بتأجيل دفع الديون بحيث لا يتخذ الدائن أي إجرءات ضد المدين. وبرغم هذا، لا يؤثر ذلك بأي حالٍ من الأحوال على حقوق الدائنين المكفولين لإنفاذ الضمان، ويُعد ذلك أحد العوامل التي نعتقد بأن عدم وجود ظاهرة الإفلاس في دولة الإمارات العربية المتحدة تُعزى إليه.
المعاملات القابلة للإبطال
يحق للدائن أن يطعن في أي من معاملات ما قبل الإفلاس التي أبرمها المدين لفترة تقررها المحكمة، مع مراعاة الحد الأقصى لمدة تبلغ سنتين قبل إصدار الحكم بالإفلاس:
· جميع التبرعات باستثناء الهدايا الصغيرة المألوفة؛
· دفع الدين لأجل قبل استحقاقه، بصرف النظر عن طريقة هذه التسوية؛
· دفع الديون المباشرة بخلاف الطريقة المتفق عليها للسداد؛
· تقديم ضمان للديون القائمة مسبقًا؛
· المعاملات التي تضر بالدائنين، حيث يُنظَر إلى المستفيد باعتباره على دراية بأن التاجر قد انقطع عن سداد ديونه.
هذا وتتمثل المعالجة للطعن الناجح في إعادة الأطراف إلى وضعهم الأصلي.
مسؤولية أعضاء مجلس الإدارة
بموجب نظام دولة الإمارات العربية المتحدة، وإضافة إلى الواجبات العامة التي يُناط بها عضو مجلس الإدارة أمام الشركة، يجوز لعضو مجلس الإدارة أن يقع تحت طائلة المسؤولية المدنية والجنائية على السواء في حال أُعلِن إفلاس الشركة.
أما إذا كانت أصول الشركة غير كافية لتلبية ما لا يقل عن 20% من ديونها، يجوز للمحكمة أن تأمر أعضاء مجلس الإدارة، مجتمعين أو منفردين، بسداد ديون الشركة، كليًا أو جزئيًا، بيد أنه إذا تبين للمحكمة أن (أ) أعضاء مجلس الإدارة مسؤولون عن أي خرق أو انتهاك بموجب قانون الشركات؛ (ب) هذا الخرق أو الانتهاك تسبب في الإخلال بالسداد.
هذا ويُعد أعضاء مجلس إدارة الشركة أو مديروها أو المصفون مسؤولين من الناحية الجنائية إذا ثبُتَ أنهم ارتكبوا أيٍ من المخالفات أو الجرائم المنصوص عليها في المادة 879والمادة 882 من القانون التجاري، والتي تتعلق بأعمال وتصرفات أعضاء مجلس الإدارة لإخفاء ملكية الشركة والوضع المالي لها؛ وإضافة إلى ذلك، يشمل قانون العقوبات أحكام تعاقب المديرين المتورطين في أنشطة احتيالية متعلقة بالإفلاس.
ومن هنا، يتعين على المدينين أن يضعوا في اعتبارهم العواقب والآثار المترتبة على المعاملات السالفة ومسؤولية أعضاء مجلس الإدارة المحتملين الناشئة عن معاملة تفضيلية للدائنين في حالة الإفلاس.
أما إذا تجاوزت خسائر شركة ذات مسؤولية محدودة نسبة 50% من حصتها في رأس المال، فإنه يتعين على أعضاء مجلس الإدارة إخطار المساهمين؛ بينما إذا تجاوزت الخسائر نسبة 75% من حصة الشركة في رأس المال، عندئذ يجوز للمساهمين الحائزين على نسبة أكثر من 25% من الشركة المطالبة بحلها.
وبصرف النظر عن المسؤولية الشخصية المذكورة أعلاه، فإنه من الصواب أن الإفلاس يندُر الشروع فيه في دولة الإمارات العربية المتحدة (على النقيض من الأنظمة القضائية الأخرى حيث يشرع المدينون أو أعضاء مجلس الإدارة بإجراءات الإعسار لتحصين أنفسهم والحد من المسؤولية التي قد تقع عليهم).
التسوية
يمكن تجنب إصدار حكم الإفلاس عن طريق شروع المدين في إجراءات التسوية مع دائنيه، وتتوافر مثل هذه التسوية في شكل (1) تسوية وقائية و (2) تسوية قضائية.
التسوية الوقائية
تسمح عملية التسوية الوقائية للمدين (باستثناء الشركات المساهمة والشركات التي شرعت في حالة التصفية فعليًا) بالتقدم بطلب لإجراء وقائي لتجنب الإفلاس خلال عشرون (20) يومًا من التوقف عن سداد الديون؛ ويجب أن يكون المدين قادرًا على إثبات أنه قد زاول أعماله بشكل مستمر خلال السنة التي سبقت تقديم الطلب، وأنه قد امتثل خلال هذه الفترة لجميع أحكام القانون المطبقة.
وباعتباره جزءًا من إجراءات التسوية، يجب على المدين أن يقدم طلب بإعادة سداد ديونه بحيث يسدد ما لا يقل عن خمسين (50%) بالمائة من الدين خلال ثلاث (3) سنوات اعتبارًا من تاريخ التصديق على هذا الإجراء.
أما في حال وافقت المحكمة على أن تنظر في الطلب، فإنها ستُعيِّن قاضيًا وأمين تفليسة لهذا الإجراء.وستُوجَّه الدعوة للدائنين للاجتماع مع أمين التفليسة وستُعلَّق جميع إجراءات التنفيذ ضد المدين.
كما سيكون هذا الإجراء- حال إتمامه - مُلزِمًا لجميع الدائنين غير المكفولين إذا وافق الدائنون الذين يشكلون الأغلبية الذين يحق لهم التصويت في الاجتماع (وثُلُثي الديون التي يمثلها هؤلاء الدائنون الذين يحق لهم التصويت في الاجتماع) على هذا الطلب. أما إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق في الاجتماع، يجوز تمديد المداولات؛ وعقب التصويت، يجوز لأي شخص ذو مصلحة أن يُعَقِّب على الإجراء وسيقوم القاضي إما بإلغاء الإجراء أو التصديق عليه خلال ثلاثة (3) أيام اعتبارًا من انقضاء تلك الفترة، حيث يحق لأي شخص ذو مصلحة أن يعقِّب على ذلك الإجراء. وسيكون هذا الإجراء - إن صُدِّقَ عليه - مُلزِمًا لجميع الدائنين العاديين سواء أدلوا بأصواتهم أم لا. وأما إذا عجز المدين عن تنفيذ شروط الإجراء، يجوز للمدين أن يشرع في إجراءات طلب التسوية.
ونظرًا للاشتراطات الصارمة للتسوية الوقائية، لم تُستَخدم هذه التسوية الوقائية على الإطلاق.
التسوية القضائية
عقب إعلان الإفلاس، يجوز للقاضي أن يشرع في التسوية القضائية حيث تُوجَّه الدعوة إلى الدائنين والمدين وأمين التفليسة لحضور اجتماع التسوية. وبالمثل، يجوز اقتراح مخطط تسوية وإقراره من جانب أغلبية الدائنين (هؤلاء الحائزين على نسبة الثلث أو ما يزيد عن ذلك من إجمالي الديون)؛ ويجوز أن تؤدي التسوية القضائية إلى منح المدين فترات طويلة لتسوية ديونه، ويجوز أن ينطوي عليها الإعفاء من بعض الديون عن طريق التسوية التي يتعين على المدين تسديدها باعتباره دينًا طبيعيا.
وفور الموافقة على إجراء التسوية من قبل المحكمة، يحتفظ المدين بكامل حقوقه وسلطاته في إدارة أعماله الخاصة؛ وبِناءً على ذلك، ينتهي واجب أمين التفليسة، ويتعين على المدين أن يستلم منه جميع ممتلكاته ودفاتره وأوراقه المتعلقة بالإفلاس.
أما في حالة بطلان التسوية (على سبيل المثال، حينما يكون المدين قد ارتكب إفلاس احتيالي فور الموافقة على التسوية) أو إنهائها (على سبيل المثال، إذا عجز المدين عن تنفيذ شروط التسوية)، يجوز للدائنين تقديم طلب الغاء إلى المحكمة وستقوم المحكمة بتعيين قاضٍ وأمين تفليسة وستأمر بتشميع ممتلكات المدين وإغلاقها؛ كما سيوجِّه أمين التفليسة الدعوة إلى الدائنين الجُدُد لتقديم مستندات ديونهم للتحقق منها وفقًا لإجراءات التحقق من الديون.
وعلى غرار التسوية الوقائية، فإن التسوية القضائية لم تُختبر في دولة الإمارات العربية المتحدة.
التصفية عقب الإفلاس
في حالة عدم إبرام أي اتفاقية بين المدين ودائنيه أو كان المدين عاجزًا عن تسوية ديونه بصرف النظر عن إجراءات الإفلاس، يمكن أن يؤدي الإفلاس إلى تصفية نشاط التاجر أو الشركة.
وفور بدء إجراءات التصفية، يتم تعيين المصفيين وعندئذ ينقطع سريان صلاحية أعضاء مجلس الإدارة، ويكتسب المصفي الصلاحيات للحفاظ على أصول الشركة ورفع المطالب القانونية والدفاع عنها؛ وعقب بيع الأصول واستيفاء الديون وتوزيع أي مبالغ متبقية على مساهمي الشركة، ويتم حل الشركة فور تسجيل إتمام التصفية في السجل التجاري.
التحليل العملي
من الناحية التاريخية، كانت حقوق الدائنين في استرداد الديون هي أساس نظام الإعسار في دولة الإمارات العربية المتحدة، في حين لم تكن خيارات إعادة الهيكلة الودية للمدين بموجب الإطار التشريعي خيارًا سليمًا بسبب تلك الاشتراطات القانونية الصارمة من وجهة نظرنا. وعوضًا عن ذلك، يُعمَل بإعادة الهيكلة التوافقية غير الرسمية.
كما يمكن أن نلاحظ من خلال مناقشاتنا أعلاه، بأن الإجراءات الحالية للإفلاس والتسوية تُسيَّرها المحاكم والتي قد يُنظَر إليها باعتبارها غير مؤكدة وطويلة ومرهقة؛ وفي حالة غياب الرسمية عن إجراءات المحكمة، لا يُشجَّع المدينين على إعادة هيكلة التزاماتهم ويطلبون الحماية قبل أن يتفاقم الوضع المالي. ومن خلال خبراتنا، تعد الحلول التوافقية في كثير من الأحيان مجدية لأن ضغط الدائن أكبر من المدينين الاستباقيين.ومن وجهة نظر الدائنين، لا توجد حوافز إيجابية مواتية للدخول في إجراء تسوية نظرًا لأن المحكمة تركت العملية دون أن تمنحهم تأثيرًا نافذًا على الشروط والجدول الزمني للتسوية؛ وبناءً عليه، لجأ الأطراف وبطريقة تقليدية إلى المفاوضات التجارية الخاصة بعيدًا عن المحكمة أو فيما يتعلق بالدائنين المكفولين، إنفاذ ضماناتهم من خلال العمليات التي تمت تجربتها واختبارها في الواقع.
وفي حين يوفر التشريع الحالي آليات للتسوية الوقائية، لكن من حيث الواقع، يندر استخدام هذه التسوية للمدينين نظرًا للاشتراطات الصارمة للتسوية القضائية.
إصلاح القوانين
نظرًا لأوجه القصور في نظام الإعسار الحالي، كان القانون الاتحادي المقترح بشأن إعادة الهيكلة المالية والإفلاس ("القانون الاتحادي المقترح") هو المتداول لبعض الوقت، والذي يهدف إلى تحديث نظام الإعسار ليتناسب بصورة أفضل مع احتياجات بيئة الأعمال الحالية.
كما إنه من المتوقع أن يعمل القانون الاتحادي المقترح - من بين أمور أخرى- على الآتي: (1)إدخال أساس أكثر تحديدًا لبدء إجراءات الإفلاس في شكل كلا من التدفق النقدي (بما يعني توقف المدين عن الاجتماع أو سداد الديون) والميزانية العمومية (بما يعني عدم تغطية أصول المدين للالتزامات) لاختبار الإعسار؛ (2) تيسير إجراءات الإنقاذ التي تهدف إلى إصلاح إجراءات التسوية الوقائية الحالية بما في ذلك، إجراءات إعادة التنظيم المالي المتوفرة للمدينين الذين يواجهون صعوبات مالية، لكنهم لم يصلوا إلى حد الإعسار بعد، وذلك لإبرام "اتفاقية موافقة" مع دائنيه؛ (3) توفير المزيد من التوجيه والإرشاد بشأن تطبيق وآثار أحكام التراجع وأوضاع الدائنين المكفولين مقابل الدائنين غير المكفولين عند التصفية.
وقد شق قانون الإفلاس المقترح طريقه من خلال عملية تشريعية رسمية منذ عام 2009؛ ويبقى لنا أن نتابع سير هذا القانون عند دخوله حيز التنفيذ وبأي صيغة، ولذا، وفي الوقت الحالي، يظل القانون الحالي هو المعمول به.
© Al Tamimi & Company 2016







