28 06 2016

السندات الحكومية تلي المعدن الأصفر في الأفضلية الاستثمارية نظرا لاستقرارها

لا شك أن عديدا من المستثمرين حول العالم يعانون أوقاتا عصيبة الآن. فالأسواق الدولية في حالة من الاهتزاز والتقلب والضبابية حول المستقبل منذ قرر الناخب البريطاني الانحياز إلى خيار الخروج من الاتحاد الأوروبي.

وخلال يوم واحد خسرت الأسواق العالمية أكثر من تريليوني دولار أمريكي. ولا يزال الاسترليني يتعرض إلى المزيد من الخسائر، حيث فقد 2 في المائة من قيمته أمام الدولار عندما فتحت الأسواق الآسيوية صباح أمس، إضافة إلى هبوطه بما يقارب 8 في المائة يوم الجمعة الماضي. لكن هبوط الاسترليني لم يصب الاقتصاد البريطاني وحدة بالضرر، بل أصاب اليابان معه أيضا، فقد انخفض سعر صرف العملة البريطانية في مواجهة الين الياباني، ومثل ذلك ضربة مؤلمة لليابانيين، إذ سيؤدي هذا التطور إلى تراجع الصادرات اليابانية نتيجة ارتفاع قيمة الين، ما دعا الحكومة اليابانية إلى أن تطلب من محافظ البنك المركزي الياباني اتخاذ جميع الإجراءات اللازمة لضمان انخفاض قيمة العملة المحلية.

وفي ظل هذه الأوقات الصعبة كان السؤال الذي يطرحه جميع المستثمرين: ما الاستثمار الآمن الآن؟ "الاقتصادية" توجهت بهذا السؤال إلى ثلاثة من المختصين الاستثماريين في بريطانيا حول ما أفضل أشكال الاستثمار التي يمكن أن يلجأ إليها المستثمر حاليا؟

وبينما اتفق الثلاثة بشأن بعضها فإنهم اختلفوا حول أخرى. وكان الإجماع على أن الذهب هو الملاذ الآمن في تلك الأوقات المضطربة وحتى نهاية العام على أقل تقدير.
 
أليكس استون المختص في مجال الاستثمارات الدولية قال لـ "الاقتصادية": "الذهب تقليديا يعد الملاذ الآمن في مثل تلك الأوضاع، وخلال الأزمة الراهنة قفز سعر الذهب 8 في المائة في يوم واحد وتلك أعلى زيادة له منذ عام 2008، واليوم واصلت التدفقات إلى صناديق استثمار الذهب التنامي من حيث القيمة وبلغت أعلى مستوى لها منذ عام 2012".

ويعتقد الدكتور ارون بلنت الاستشاري في المجموعة الدولية للاستثمار أن هذا هو الوقت الملائم للاستثمار في الذهب حيث قال لـ "الاقتصادية": "إن أسعار التسليم الفوري للذهب ارتفعت بنحو 1.5 في المائة لتصل إلى 1.335.55 للأونصة في بورصة سنغافورة أمس وسط توقعات بأن يصل سعر الأونصة إلى 1.424 بنهاية العام، وتلك القفزة السعرية ستعتمد على مدى هيمنة حالة عدم اليقين في الأسواق، فكلما زادت حدة التوتر في الأسواق العالمية وتراجع سعر صرف الاسترليني ارتفع سعر الذهب".

أما جيل المون المختص في مجال النظم الاستثمارية فقالت لـ "الاقتصادية": "الحيازات الخاصة بصناديق التداول في الذهب ارتفعت خلال يوم الجمعة وأمس بنحو 17.5 طن متري من الذهب ليبلغ الإجمالي لديها الآن 1.922.1 طن وهو أعلى مستوى تحققه منذ تشرين الأول (أكتوبر) 2013، وبذلك ارتفعت قيمة أصولها بما يقارب 4.3 مليار دولار".

ولكن إذا كان المعدن النفيس يحتل رأس القمة بالنسبة لأفضل أشكال الاستثمار في الوقت الراهن، فمن يحتل المرتبة الثانية. هنا تتباين الآراء نسبيا حول من يلي الذهب في الأفضلية.

ويعتقد كل من الدكتور آرون بلنت وجيل المون أن السندات الحكومية تلي الذهب في الأفضلية الاستثمارية، مؤكدين أن ما تحققه من عائد وضمان الحكومة لها ومرونة العديد من السندات الحكومية في عمليات البيع، يضمن للمستثمرين درجة عالية من الاستقرار. إلا أن المختص الاستثماري اليكس استون يشير إلى أن أسعار السندات تتباين وفقا للعرض والطلب وهو ما يمكن أن يعرض أصحابها للخسارة أو المكسب، وذلك على الرغم من ثبات أسعار الفائدة عليها، لكن الثلاثة يتفقون على أنها ستكون أفضل في الأوقات الراهنة من الأسهم.

ولكن ماذا عن العملات الأخرى غير الاسترليني، إلا يتيح ارتفاع سعر صرف الدولار والين مجال أفضل للاستثمار؟ يشير المختصون الثلاثة إلى أنه في اللحظة الراهنة يبدو الاسترليني أسوأ العملات أداء، ولكنهم مع ذلك يشيرون إلى خطورة الاستثمار في العملات في الوقت الراهن، خاصة إذا واصل سعر صرف العملة البريطانية في الهبوط، وارتفعت أسعار صرف العملات الأخرى، ما قد يدفع بحكومات تلك البلدان إلى التدخل لكبح جماح هذا الارتفاع المتواصل، وغالبا ما تلجأ الدول إلى الحد من تنامي قوة عملتها أو إضعافها، عن طريق زيادة أسعار الفائدة كوسيلة لجذب أو إبعاد المستثمرين عن الإقبال على العملة المحلية.

وتشير جيل المون إلى أن ارتفاع سعر صرف الفرنك السويسري في مواجهة الاسترليني بنحو 6.6 في المائة دفع البنك المركزي السويسري إلى التدخل السريع وطرح كميات ضخمة من الفرنك في الأسواق للحد من ارتفاع قيمته.

مع هذا فإن الدكتور ارون بلنت يعتقد أن الين الآخذ في الارتفاع في مواجهة العملة البريطانية سيواجه ضغطا حكوميا للحد من تلك الزيادة حفاظا على الصادرات، بينما يختلف الأمر بالنسبة للدولار.

وقال ارون لـ "الاقتصادية": إن الاقتصاد الأمريكي في وضع أفضل نسبيا، وأعتقد أن الاستثمار في الدولار جيد الآن، فمن غير المتوقع آن يقوم مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي برفع سعر الفائدة قريبا".

لكنه يحذر أيضا من أن الإفراط في اقتناء الدولار على المستوى الدولي إذا أخذت الأزمة العالمية جراء تصويت البريطانيين للانسحاب من الاتحاد في التفاقم قد تدفع واشنطن إلى التدخل عبر آليات السياسة المالية لخفض قيمة الدولار".

وماذا عن أسهم الشركات هل يجب الابتعاد عنها في الوقت الحالي؟

يؤكد اليكس استون المختص في مجال الاستثمارات الدولية أنه يجب التعامل مع الأسهم بحذر شديد، ففي مثل الأوضاع الراهنة تعد سوق الأسهم مليئة بالمحاذير والمخاطر، حيث قال لـ "الاقتصادية": إذا كنت ستستثمر في المملكة المتحدة فاحذر أسهم شركات البناء والتشييد أو الشركات التي تعتمد في عوائدها على الأسواق المحلية، فاحتمال الركود الاقتصادي وارد بشدة، وأغلب أسهم تلك الشركات ستتعرض للخسارة، أما الشركات التي تحقق أرباحها نتيجة التجارة مع الخارج فإنها ستكون أفضل حالا".

ولكن جيل المون تحذر أيضا من أن تلك القاعدة قد يجانبها الصواب أحيانا كثيرة قائلة: "حتى أسهم الشركات التي تحقق أرباحها نتيجة التجارة مع العالم الخارجي، قد تصاب بخسائر إذا ما اتخذت أوروبا إجراءات عقابية عنيفة تجاه لندن، أو أن نطاق الاضطراب الاقتصادي تفاقم وتراجع معدل التجارة الدولية بصفة عامة".

وبقدر اتفاق المختصين الثلاثة على أن الذهب وسيلة مثلى للاستثمار في الوقت الراهن، فإنهم اتفقوا أيضا على أن الاحتفاظ بأموالك في المصارف في أوقات الأزمة لربما يمثل حلا جيدا بالنسبة لصغار المستثمرين أو لمن لا يمتلكون خبرات استثمارية كافية، لكنهم يدعون إلى المقارنة بين سعر الفائدة ومعدل التضخم قبل الإقدام على تلك الخطـوة، ومع هذا يقول اليكس استون المختص في مجال الاستثمارات الدولية: إنه لا يفضل ذلك الأسلوب إذا كان سـيتضمن بيع أحد المستثمرين ما لديه من أصول لأن البيع في أوقات الأزمة غالبا ما يترافق مع خسائر، ولكن لن يكون للمستثمر من بديل آخر غير التخـلص مما لديه من أصول وإيداع ما لديه من أموال في البنك، إذا كان على يقين من أن الأوضاع الاقتصادية المستقبلية ستكون أكثر سواء مما هي عليه في الوقت الراهن.

© الاقتصادية 2016