كورونا.. تغييرات جاءت لتبقى

تحليل سريع

  
صورة لرجل وطفل في أحد شوارع القاهرة، مصر، 11 يناير 2021، رويترز

صورة لرجل وطفل في أحد شوارع القاهرة، مصر، 11 يناير 2021، رويترز

REUTERS/Mohamed Abd El Ghany

في مقال سابق، وصفنا جائحة كوفيد – 19 بالزائر الثقيل الذي جاء بدون دعوة، وكأي ضيف غير مرغوب به لا يمكن تحديد متى سيغادر أو ماذا سيكون حالنا حين يرحل. 

لقراءة المقال السابق ذكره: خلف الأقنعة: زوار غير مرغوب فيهم..

كورونا سيغادر ونحن سنتغير

ومع عاصفة اقتصادية وإنسانية شهدها سكان الأرض بسبب الجائحة، لنا أن نتوقع بعض التغيرات التي سببها الفيروس ولكن لا نتوقع أن تزول بزواله، فتأثير كورونا لا يتعلق فقط بمعدلات نمو منخفضة أو انخفاض وتذبذب أسعار النفط، ولكن تتعدى ذلك إلى تغيرات أكثر شمولاً، بعضها قد يحمل في طياته لمحة إيجابية، والبعض الآخر قد يكون كجراح تركت ندبات عميقة لا يسهل شفاؤها. 

كورونا لا تعرف التفرقة في الآثار الصحية، لكنها بالتأكيد تمارس آثارها الاجتماعية بعنصرية شديدة: نحن أمام مرض ليس له أبعاد محددة بعد في حجم الأضرار التي يلحقها بالناس باختلاف حالاتهم الجسمانية، فبين تكرار التحذيرات حول ضعف كبار السن وذوي الأمراض المزمنة، نرى كبار سن يمرضون ويشفون، بينما يخسر شباب حياتهم أمام الفيروس.

ومع تلك العشوائية الشديدة، يمارس كوفيد لعبته الفتاكة في الطبقات الاجتماعية المختلفة بالعنف ذاته، فيما يتعلق بالصحة على الأقل. إلا أن الجميع ليسوا على ذات القدر من التضرر اقتصادياً، فالفئات الأضعف للأسف كانت أكثر هشاشة وحساسية لآثار الجائحة.

فبينما استطاع البعض أن يمارس مهنته من وراء شاشة جهاز اللابتوب الخاص به، ويقوم بحضور الاجتماعات الافتراضية عبر الشاشات أو متابعة مهامه بالمكالمات والاتصالات عبر الإنترنت، وهو ما يعني إمكانية إنجاز ما تيسر من أعماله عن بعد، كان على الجانب الآخر فئة أقل حظاً بشكل عام وهي أيضاً أقل حظاً في أوقات الجائحة، تلك التي تعتمد معيشتها البسيطة على أعمال يومية تتطلب التعامل مع البشر، بدءاً من خدمات المعاونة المنزلية والتي تأثرت بشدة خلال العام الماضي ومروراً بالباعة الذين يفترشون الشوارع وليس انتهاءً بأصحاب المقاهي البسيطة، تلك الفئات التي تعتمد معيشتها على الانغماس في الزحام.

تعقيدات المشكلة

وما يجعل المشكلة أكثر تعقيداً هو وجود معظم تلك الخدمات في قطاعات غير محددة أو مرصودة، مما يعني أنها قد تكون بعيدة عن أيدي الحكومة التي قد تمتد أحياناً بمبادرة هنا أو إعانة هناك. وهذا لا يعني إلا شيئ واحد، هو أرقام جديدة سترصدها دراسات معدلات الفقر خلال السنوات القادمة. 

اقتصاديا، الدول النامية والاقتصادات الناشئة أًصبحت أكثر هشاشة: جاءت الجائحة في توقيت تعاني فيه الدول النامية بالأصل من مشاكل عدة في اقتصاداتها، واحدة من أهمها هي تصاعد الديون. ومع تباطؤ معدلات النمو تطفو مشكلة الديون والتمويل والهشاشة الشديدة تجاه تغيرات شروط الائتمان والمناخ النقدي العالمي. كل ذلك قد يقلص من قدرة الحكومات على الدعم المالي على الوجهين الاجتماعي (رعاية الفئات المتضررة وغيره) والاقتصادي (زيادة الإنفاق التوسعي لمحاولة انتشال الاقتصاد من الركود). 

هل نشهد جيل أقل حظاً؟ 

خلال العقد الأخير، أحرزت معظم الدول في مستويات الدخل المختلفة مكاسب على صعيد الاستثمار في مجال الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية، إلا أن الجائحة جاءت لتكشف بعض أوجه القصور الموجودة بالفعل من ناحية، ولتشكل خطر على المكتسبات التي حققتها تلك الدول من خلال جهود متواصلة لسنوات.

فمن ناحية، توجيه الإنفاق الصحي لمجابهة الجائحة وحشد طاقة القطاع الصحي لحصار الوباء بشكل ما يستنفذ الجهود المتاحة للخدمات الصحية المتوفرة لطب الأسرة مثلاُ، بما يتضمنه من رعاية أطفال وتطعيمات مختلفة. من ناحية أخرى، تأثر دخل الأسرة بسبب التبعات الاقتصادية للجائحة يؤثر على قرارات، وربما الخيارات المتاحة، للأسر منخفضة الدخل من حيث جودة التغذية للأطفال مثلاً. وهو أمر يظهر بوضوح بطبيعة الحال في الدول والمجتمعات الأكثر فقراً.  

وجه آخر لا يقل أهمية، ألا وهو التعليم ومدى جودته.

فالتعليم عن بعد لن يقدم المنتج النهائي ذاته لجميع الأطفال بنفس المساواة التي تقدمها المدرسة، وبالطبع ليست كل المجتمعات مستعدة لتلقي العلم عبر الإنترنت،وسيتحول جزء كبير من القدرة على التعلم من مجرد الاجتهاد الشخصي إلى جودة الاتصال بالإنترنت أو مدى استعداد الأسرة ذاتها وقدرتها على تهيئة الجو العام للتعلم وتوفير الأجهزة المطلوبة للتواصل مع مجتمع لمدرسة على نحو فعال. وبالطبع قد ينعكس الأمر على معدلات مرتفعة نسبياً للتسرب من التعليم المدرسي خاصةً للمجتمعات الفقيرة وللطلبة في سن صغيرة نسبياً. كل ذلك وعوامل أخرى أكثر تشعباً سيجعل الجيل الحالي معرض لافتقاد كثير من الأساسيات اللازمة لتأسيس رأس مال بشري مناسب لمستقبل مجتمعه. 

نظرة مختلفة للشركات 

نظرة مختلفة لتكلفة مقرات الشركات ولوجيستيات العمل، حيث أصبحت كلمة العمل من المنزل والعمل عن بعد معتادة.

فما حدث كان تجربة عملية، حتى إن لم نختر أن نجتازها، ولكنها أكسبت الجميع خبرة العمل عن بعد، بالطبع رحب بها الموظفون الذين وجدوا أنها فرصة لتحقيق المرونة في أعمالهم التي طالما سعوا إليها، ومن ناحية أخرى وجد المديرون وأصحاب العمل أنها ليست تجربة سيئة إلى هذا الحد الذي كانوا يعتقدونه.

هناك دراسات تجرى حالياً في بعض الدول حول إمكانية الاستمرار في نمط العمل عن بعد، وتجد العديد من الاستطلاعات أن ما يقارب نصف الموظفين يرغبون بالاستمرار في العمل عن بعد حتى بعد زوال الجائحة.

وإن كان الأمر على ناحية الموظف يعني مرونة وراحة وتوفير الوقت والطاقة، فإنها على ناحية الشركات تعني خفض نفقات عديدة منها استئجار المقرات والمبني الإدارية، تكلفة بند الأغذية للموظفين أثناء تواجدهم في مقر عملهم، بل وقد يخفض من تكلفة الضرائب العقارية لانخفاض مساحة المكاتب والمقرات المستخدمة. ولذا، من المتوقع أن يكون كورونا سبب في بداية نظرة جديدة للاستثمار في لوجيستيات العمل وإدارة العنصر البشري. 

قضايا البيئة... هل تستفيد؟

عن نفسي، لن أنسى أبداً تلك النسمة الرقيقة النظيفة التي اعتدت أن أشعر بها في شرفة منزلي خلال شهري إبريل ومايو من العام الماضي، رغم سكني في شارع مزدحم في الأحوال العادية. ورغم أني معتادة أن يكون هذا الوقت من العام بعيد نسبياً عن برد الشتاء ومكتظ بالأتربة وبعض الحرارة.

هنا، جاء كوفيد ليذكّر البشر ببعض ما فقدوه خلال انشغالهم بممارستهم لحياتهم اليومية التي يعيشونها، أو على الأقل التي اعتادوا أن يعيشوها قبل الجائحة.

وأحد أهم الأشياء التي يفتقدونها هي بيئة أقل تلوثاً.

بالفعل، رصدت بعض الأقمار الصناعية في بعض مناطق أوروبا وآسيا مستويات أقل من ثاني أوكسيد النتروجين، أحد ملوثات الهواء المنتشرة والتي اعتدنا استنشاقها بسبب احتراق الوقود، كما تشير بعض التقديرات إلى انخفاض انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون بشكل ملحوظ. فهل ينجح كوفيد فيما لم تنجح فيه مبادرات الحفاظ على البيئة بشكل كاف، بتوعية الدول الصناعية الكبرى والكيانات الرأسمالية بحجم الخسائر البيئية التي نتكبدها يومياً في حياتنا العادية؟ أم يعود الأمر إلى ما كان عليه بمجرد زوال الجائحة وربما بشكل أكثر شراسة؟ 

كل تلك الظواهر هي بمثابة تغييرات طويلة المدى، وهي تضيف أبعاد مختلفة لأزمة قد تكون الأشرس في حياة هذا الجيل، لكنها أزمة تنطوي على العديد من الدروس وأتاحت الوقت لإعادة النظر في العديد من الأولويات على الأصعدة الثلاثة، القومية والاجتماعية والفردية. 

(إعداد: إسراء أحمد، المحللة الاقتصادية بزاوية عربي وعملت إسراء سابقاً كاقتصادي أول بشركة شعاع لتداول الأوراق المالية - مصر، وكذلك شركة مباشر لتداول الأوراق المالية، بالإضافة لعملها كباحث اقتصادي في عدد من الوزارات المصرية)

(للتواصل: yasmine.saleh@refinitiv.com)

تغطي زاوية عربي أخبار وتحليلات اقتصادية عن الشرق الأوسط والخليج العربي وتستخدم لغة عربية بسيطة.

© ZAWYA 2021

بيان إخلاء مسؤولية منصة زاوية
يتم توفير مقالات منصة زاوية لأغراض إعلاميةٍ حصراً؛ ولا يقدم المحتوى أي نصائح قانونية أو استثمارية أو ضريبية أو أي آراء تتعلق بملاءمة أو قيمة ربحية أو استراتيجية ‏سواء كانت استثمارية أو متعلقة بمحفظة الأعمال . للشروط والأحكام