المياه والدول العربية.. ماذا تقول لنا الأرقام والتجارب الحديثة؟

مقال رأي مقدم من عبدالسميع فلفل، المستشار الاقتصادي بالمركز الدولي لإدارة سلاسل القيمة بكندا و الحكومة الكندية

  

زاوية عربي 

المقدمة
  
قبل أكثر من ثلاثين عام حذرت دراسات تسمى بدراسات النظرة المستقبلية - التي تدرس عرض وطلب الموارد المائية - بان العديد من بلدان العالم سوف تواجه عجز متزايد في تلبية احتياجاتها من المياه خلال عقود قليلة.  

 
وحذرت بعض هذه الدراسات من بعض السيناريوهات التي نعيشها الآن مثل عجز بعض الحكومات عن تلبية احتياجات السكان من المياه كما حدث خلال السنوات القليلة الماضية في مدينة كيب تاون بجنوب أفريقيا وتزايد التوتر الإقليمي في بعض مناطق العالم كما هو الحال الآن بين مصر وإثيوبيا. 
 
لاقت هذه التنبؤات صدى عند بعض الحكومات وإداراتها المحلية والتي بدأت في تقديم مبادرات لإدارة مواردها المائية بطريقة أكثر استدامة مثل مبادرات الري المستدام في استراليا وولاية كاليفورنيا بالولايات المتحدة الأمريكية. 
  
إلا ان الكثير من الجهات المختصة وخصوصا في بلادنا العربية لم تستعد بالقدر الكافي لمواجهة العجز المتوقع في تلبية احتياجاتها المائية وبالتالي تفاقمت الأزمة حتى أصبح ما يزيد عن ملياري شخص يعيشون في بلدان تعاني من عجز شديد فى مواردها المائية كما ان 4 مليار انسان يعانون من شح شديد في المياه خلال شهر واحد في السنة على الأقل كما ورد في تقرير الأمم المتحدة العالمي عن تنمية الموارد المائية في العام الماضي بعنوان "لن يترك أحد بدون مياه". 
  
الشرق الأوسط، دول مجلس التعاون ومصر 
 
عند دراسة الوضع المائي في منطقة الشرق الأوسط نجدها من أكثر المناطق المهددة بتزايد عجز المياه بسبب الزيادة المستمرة في الطلب لتلبية احتياجات النمو السكاني وندرة المياه المتجددة بالإضافة الى الاعتماد المتنامي على مصادر المياه الغير متجددة مثل مياه الخزانات الجوفية الغير متجددة.
  
ويزيد من تفاقم الوضع عند النظر لمعدلات استهلاك المياه والمتاح منها فى بلدان مجلس التعاون الخليجي ومصر بشكل خاص ونرى الآتي: 


(المصدر: منظمة الاغذية و الزراعة التابعة للأمم المتحدة) 
  
تعتبر دول مجلس التعاون الخليجي ومصر من أفقر دول العالم من حيث إجمالي نصيب الفرد السنوي من المصادر المحلية المتجددة للمياه العذبة (أي الناتجة عن الأمطار) في عام 2017. 
  
تحتل الكويت المركز الأخير أو 182 بنصيب صفري من المياه للفرد تسبقها البحرين في المركز181، تسبقها مصر في المركز 180 (ولكن وضع مصر يبدو أفضل كثيرا عند احتساب مصدرها الخارجي من المياه و المقدر ب 55.5 مليار متر مكعب من مياه نهر النيل سنويا)، تسبقها الإمارات في المركز 179، وتسبقها قطر في المركز 178.  
  
بينما تحتل السعودية المركز 175 وتأتى عمان في المركز 161. 
  
ومع هذا الوضع الحرج فان معدلات الاستهلاك تبدو كما لو انها في معزل عن حقيقة الأمور كما تشير الأرقام التالي ذكرها: 


(المصدر: منظمة الاغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة) 
  
تحتل مصر المركز ال15 من بين 76 دولة من حيث أعلى استخدام للمياه منسوبا لعدد السكان في عام 2017 تليها السعودية في المركز ال18. أما عمان فجاءت في المركز ال35 تليها قطر في المركز 37 ثم البحرين في المركز 44. 
  
ولم تتوفر بيانات عن الاستخدام في كلا من الكويت و الإمارات.
 
ومع هذه الفجوة المتزايدة بين المتاح و المطلوب من المياه، ينبغي على هذه الدول ان تسارع في إيجاد حلول غير تقليدية لإدارة مواردها المائية. 
  
ولنكون أكثر وضوحا سنقدم سريعا ولكن بشكل مفصل بعض المقترحات القابلة للتنفيذ والتي قد تساهم بإيجاد حلول.
  
ينبغي على الدول الاستثمار في ايجاد تكنولوجيات مبتكرة تعمل على رفع كفاءة استخدام الموارد، فعلى سبيل المثال يجب ايجاد و سهولة تبني أصناف زراعية اقل احتياجا للمياه العذبة، طرق ري أكثر كفاءة، تحسين طرق تدوير وإعادة استخدام المياه، و كذلك تبني طرق غير ضارة بالبيئة لتحلية المياه المالحة.  
  
يمكن لهذه الدول ان تختار ما يناسبها من سياسات مالية تهدف الى ترشيد الاستهلاك من المياه سواء عن طريق تسعير المياه او فرض ضرائب أو عوامل تحفيزية أخرى قد تكون مناسبة. 

 
ولنكون أكثر عمليا دعونا نلقي نظرة سريعة على جنوب أفريقيا وماذا فعلت لمواجهة أزمتها المائية في 2018: 
  
مدينة كيب تاون استطاعت اصلاح أزمة ندرة المياه بها عن طريق فرض قيود صارمة على استخدم المياه مثل تقنين المسموح به وكذلك تم حظر ملء حمامات السباحة وغسيل السيارات والنوافير. 
  
وكذلك فرضت غرامات كبيرة على الأسر التي تستخدم كميات كبيرة من المياه. كما قامت المدينة بوضع حد يومي لإمدادات المياه إلى العقارات وإدخال حدود صارمة على حصص المياه الزراعية.  

 
اما بالنسبة للدول العربية التي لديها موارد عابرة للحدود كما هو الحال بالنسبة لنهر النيل بمصر و باقي دول حوض النيل، فكما شاهدنا في أزمة مصر وإثيوبيا - فإن الاتفاقيات التاريخية والمعاهدات الدولية وحدهما لا تشكلان ضمان لحصول أحد الأطراف على كامل حقوقه لأسباب عديدة ومنها على سبيل المثال التغيرات السياسية أو التنموية في بلد معين او تغير ميزان القوى الإقليمي. 
  
وبالتالي فانه في هذه الحالة، ينبغي على هذه الدول الآخذ بعين الاعتبار ما سبق من اقتراحات أيضا بجانب إيجاد حلول تلائم جميع أطراف الأزمة مثل دعم مشاريع تنموية او اقتصادية فنيا و/أو ماليا في البلدان المجاورة والتي تتقاسم نفس المصدر المائي. 
  
وفي النهاية جميع الأزمات المائية لها حلول ولكن ما تحتاجه حقيقة هو أرادة سياسية وهو شيء - كما أثبت لنا التاريخ- يبدو أصعب من مجرد الأمنيات و النوايا الطيبة.
  
  
 
*تم التواصل مع عبد السميع عبر موقع WriteCaliber
(تحرير ياسمين صالح، yasmine.saleh@refinitiv.com)

© Opinion 2020

المقال يعبر فقط عن عن أراء الكاتب الشخصية
إخلاء المسؤوليّة حول المحتوى المشترك ومحتوى الطرف الثالث:
يتم توفير المقالات لأغراض إعلامية حصراً؛ ولا يقدم المحتوى أي استشارات بخصوص جوانب قانونية أو استثمارية أو ضريبية أو أي نصائح أو أراء بشأن ملاءمة أو قيمة أو ربحية استراتيجية أستثمارية معيّنة.

المزيد من مجلس التعاون الخليجي