استراتيجيات إدارة الدين العام.. هل يعمل زر إبطال القنبلة بكفاءة..؟ (2) 

مقال رأي مقدم من إسراء أحمد، المحللة الاقتصادية بزاوية عربي

  
صورة تعبر عن أموال

صورة تعبر عن أموال

Getty Images

في مقال سابق، عرضنا بعض أهم المفاهيم المتعلقة باستراتيجيات إدارة الدين العام، ولماذا هي مهمة إلى هذا الحد، خاصة في ظل أزمة تزيد من حدة التحديات التي تواجهها المالية العامة في العالم كله بشكل عام، والدول النامية بشكل خاص. وكما ذكرنا، فإن محفظة الدين العام للدولة تتسم بالضخامة والتعقيد، وبالتالي تتطلب إدارتها قدر كبير من الحرص للتأكد من قدرة الدولة على توفير احتياجاتها التمويلية والوفاء بالتزاماتها في توقيتاتها وبمخاطر متزنة وبأقل التكاليف. 

ولكي تحقق استراتيجيات إدارة الدين العام الهدف منها، لابد أن تكون أولا مرتبطة بإطار واضح وصحيح للاقتصاد الكلي. فالدين العام ليس قضية منفردة بذاتها وإنما هي نتاج تفاعلات الاقتصاد الكلي بجميع جوانبه، من نشاط إنتاجي ومعدل نمو وكفاءة مؤسسية تؤثر على تحصيل الضرائب مروراً بكفاءة الإنفاق العام ثم السياسة النقدية وأسعار الفائدة ونوع نظام سعر الصرف القائم وغيرها.

وعند التحدث عن إدارة الدين العام، لابد أن ترتبط بإطار أكثر شمولاً لسياسات اقتصادية كلية تضمن تحقيق الأهداف التي وضعت الاستراتيجية لأجلها بالأساس. 

فمثلاً، لن تستطيع محاولات إدارة الدين أن تحقق أهدافها إذا تبنت دولة ما سياسات مالية عامة أو سياسات سعر صرف غير ملائمة لاقتصادها الكلي وغير مستدامة بما يتسبب في انعدام ثقة المقرضين وبالتالي طلبهم لعلاوات مخاطر أعلى لإتاحة التمويل، مما يقفز بتكلفة الاقتراض للدولة لأعلى، بما يحول دون مستهدفات تقليص تكلفة الاقتراض.

أو مثلاً، عند تبني سياسات غير ملائمة للنمو الاقتصادي المطلوب، قد يعزف المقرضون عن إتاحة تمويل طويل الأجل، مما يضع اقتصاد الدولة المقترضة في مصيدة الدين قصير الأجل ومخاطر التجديد العالية والمتكررة. 

ولذا، تعتمد استراتيجية فعالة لإدارة الدين على عوامل كثيرة، منها الآتي: 

العامل الأول، هو وجود إطار كلي لمستهدفات الاقتصاد خلال المدى المتوسط، بمؤشرات واضحة يسهل قياسها وتقييم الأداء فيها، شاملة معدل النمو الاقتصادي، مؤشرات المالية العامة كالعجز الكلي للموازنة والرصيد (العجز أو الفائض) الأوّلي، نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي، نسبة الدين المحلي للناتج وأيضاً نسبة الدين الخارجي، وتكوينه بالعملة وتوزيع الدائنين، متوسط أجل الدين بالسنوات ومتوسط تكلفة الدين باختلاف آجاله. 

العامل الثاني، هو وضع استراتيجية الدين وقبلها مستهدفات الاقتصاد الكلي، في إطار افتراضات (واقعية) للأداء المستهدف من ناحية، وللمخاطر الخارجية من ناحية أخرى، والأخذ في الاعتبار أهم العوامل التي تؤثر على المسار النقدي العالمي والمخاطر المختلفة التي تؤثر بشدة على فرصة الدول النامية بالذات على الحصول على التمويل وتكلفته. 

العامل الثالث هو سلامة التنظيم والإدارة، حيث لابد من وجود إطار قانوني وتنظيمي يوضح بشكل كامل أصحاب سلطة الاقتراض وإصدار الديون الجديدة وأن يكون هذا الإطار محدد بشكل دقيق للصلاحيات والأدوار المختلفة، وأن يكفل قدر كافي من المساءلة والتدقيق الدوري ومحاسبة الجهات المسؤولة عن إصدار الدين من ناحية وإدارته من ناحية أخرى. 

عامل آخر هام، وهو ضرورة الوقوف على الحد الفاصل بين التنسيق اللازم بين صناع السياسات المختلفة (مالية ونقدية) والقائمين على إدارة الدين العام، وبين ضرورة الفصل والاستقلالية بين إدارة الدين والسياسة النقدية من ناحية أخرى.

حيث يذكر صندوق النقد في توجيهاته ضرورة عدم وجود أي تصورات أن قرارات إدارة الدين العام تتأثر بمعلومات المصادر المطلعة داخل دوائر صنع السياسة النقدية ومسار أسعار الفائدة، ويجب عدم اعتبار هدف تخفيض تكلفة الدين هو بمثابة تفويض بخفض أسعار الفائدة أو التأثير على الأوضاع النقدية بغير ما تستدعي أوضاع الإنتاج والأسعار، فقط لإتاحة تمويل منخفض التكلفة للحكومة وحدها، أو اتخاذ قرارات السياسة النقدية باعتبارات إدارة الدين العام فحسب. 

ولذا، وكما نرى، تعتبر عملية إدارة الدين العام بمثابة مهارة تنسيق كمي وكيفي عالي المستوى بين العديد من الخطوط المتداخلة، وبين مؤسسات مختلفة ورؤى ومصالح قد تتطابق في أوقات وتتباين في أوقات أخرى. وقد تلجأ في الوقت الحالي العديد من الدول لتحديث ومراجعة استراتيجيات إدارة الدين العام لديها، لتحاول التأكد أن اقتصاداتها لا تعمل وفي داخلها قنبلة موقوتة قد تحدث الكثير من الضرر في وقت صعب بطبيعته. 

(إعداد: إسراء أحمد، المحللة الاقتصادية بزاوية عربي، وعملت إسراء سابقا كاقتصادي أول بشركة شعاع لتداول الأوراق المالية - مصر، وكذلك شركة مباشر لتداول الأوراق المالية، بالإضافة لعملها كباحث اقتصادي في عدة وزارات مصرية)

(للتواصل: yasmine.saleh@refinitiv.com)

لقراءة مقال سابق لنفس الكاتبة:

كيف دخل السودان الحلقة المفرغة...؟  

لماذا خفضت موديز تصنيفها الائتماني لتونس؟ 

© Opinion 2021

المقال يعبر فقط عن أراء الكاتب الشخصية
إخلاء المسؤوليّة حول المحتوى المشترك ومحتوى الطرف الثالث:
يتم توفير المقالات لأغراض إعلامية حصراً؛ ولا يقدم المحتوى أي استشارات بخصوص جوانب قانونية أو استثمارية أو ضريبية أو أي نصائح أو أراء بشأن ملاءمة أو قيمة أو ربحية استراتيجية استثمارية معيّنة.