لبنان : المصائب لا تأتي فرادى

مقال رأي مقدم من محمد طربيه أستاذ محاضر ورئيس قسم العلوم المالية والاقتصادية في جامعة رفيق الحريري بلبنان

  

زاوية عربي 

مقدمةسريعة 

تعصف بلبنان منذ حوالى العام أزمات اقتصادية ومالية ومصرفية أبرزت بشكل حاد الانقسامات السياسية والاجتماعية الطبقية المتراكمة خلال عقود طويلة من الفساد والهدر وتآكل المؤسسات والقانون. ثم أتى فيروس كورونا ليزيد الوضع سوءا ويثقل كاهل المواطن المرهق والذي بات يشاهد تعب السنين وجني العمر يتبخر أمام عينيه. على ما يبدو، هي إذا كما قال ويليام شيكسبير "عندما تأتي المصائب، فإنها لا تأتي كالجواسيس فرادى.... بل كتائب كتائب كالجيش". 

المواطنيدفعالثمنوينتفض....مؤقتا 

ويعاني اقتصاد لبنان منذ أشهر عديدة من حالة "سقوط حر" على حد توصيف خطة الحكومة الإنقاذية بعد أن دخل في مرحلة الركود التضخمي -أي ارتفاع التضخم وتباطؤ نمو الاقتصاد- الذي يدفع ثمنه عادة الطبقات الفقيرة والمتوسطة. فالليرة اللبنانية قد خسرت الكثير من قيمتها بعد أن تراجعت في مواجهة الدولار الأميركي من 1500 الى 4000 ليرة مقابل الدولار الواحد في السوق الموازية وانخفضت معها القدرة الشرائية نتيجة التضخم وارتفاع الاسعار وبات الحد الأدنى للأجور لا يكفي لشراء السلع الأساسية لأكثر من أسبوع واحد. 

وأغلقت العديد من المؤسسات أبوابها وسرحت الموظفين لديها من دون سابق إنذار فيما عمدت مؤسسات أخرى الى إلزام الموظفين بدوام جزئي مقابل نصف أو حتى ربع راتب، وحذر البنك الدولي من انكماش كبير في الاقتصاد وتوقع ارتفاع نسبة الفقر من 33% الى ما يزيد عن 50%. 

 ثم ظهرت أزمة شح الدولار مع انخفاض الاحتياطي الأجنبي لمصرف لبنان وفقدان السيولة لدي المصارف في حين تبلغ نسبة الدولرة (الودائع بالدولار) في المصارف أكثر من 70%. وأدى الشح بالدولار الى صعوبات في تمويل استيراد السلع الأساسية مثل النفط والقمح والدواء. 

وانعكس الشح أيضا على حركة سحوبات المودعين حيث حددت المصارف سقف لسحوبات الدولار بلغ حوالي 200 دولار أسبوعيا قبل ان تقوم بالتوقف تماما بناء على تعميم صادر عن مصرف لبنان لتقوم بدفعها بالليرة على أساس سعر صرف 3000 ليرة عن كل دولار في حين بلغ سعر الصرف في السوق الموازية حوالي 4200 ليرة مقابل الدولار. 

وكان لبنان قد شهد في 17 أكتوبر احتجاجات شعبيه واسعه رفضا للواقع الاقتصادي والاجتماعي المتردي المنتج للأزمات والفساد، سقطت بموجبها الحكومة السابقة وشكلت حكومة جديدة قالت إنها انبثقت من رحم انتفاضة اللبنانيين وتمثل آمالهم وتطلعاتهم. اعتبرت الحكومة أن مهمتها مواجهة التحديات واستعادة الثقة الدولية وتحويل الاقتصاد من ريعي الى منتج، رغم ما أسمته التركة الثقيلة التي سببتها الحكومات السابقة. 

ورغم فرصة المئة اليوم، إلا انها لم تستجب لمطالب المحتجين، لا بل سعت الى احتواء المظاهرات وإجهاضها. ساعدها في ذلك فيروس كورونا الذي شل البلاد وعمق الأزمة الاقتصادية ولكنه جمد المظاهرات الى حد ما. وبدل أن تستغل الحكومة الفرصة وتظهر جدية في العمل، استمرت في النهج السابق القائم على الهدر والمحاصصة السياسية والطائفية. 

المستقبل: غامضومجهول 

لا يبدو المستقبل مطمئن للبنانيين في ظل التخبط والعشوائية التي تتسم بهما القرارات الحكومية المتعاقبة. على الرغم من أن الحكومة قد أعلنت خطة تصورت فيها رؤيتها للإنقاذ إلا أنها أقرب الى التفكير بالتمني وغير قابلة للتنفيذ في ظل ما تواجهه من اعتراضات داخلية وخارجيه وفي ظل الانقسامات الداخلية بين السلطات المالية والنقدية والمصارف والمجتمع المدني. 

تعتمد الخطة بشكل كبير على برنامج مع صندوق النقد الدولي ومساعدات دولية مثل إعادة تفعيل مؤتمر سيدر. إلا ان هذه المساعدات مقرونة بإصلاحات قد يأس المجتمع الدولي من إرادة وقدرة السلطات اللبنانية على تطبيقها، ما جعل صندوق النقد وممثل مؤتمر سيدر الى الإعلان بوضوح أن الإصلاحات أولا ثم المساعدات. 

خلفيةعنمؤتمرسيدر 

انعقد مؤتمر "سيدر" في باريس في أبريل 2018 والذي تعهدت فيه عدة دول بإعطاء قروض ومنح للبنان بحوالي 11 مليار دولار لتمويل مشروعات بنية تحتية في إطار خطة قدمتها الحكومة اللبنانية تتضمن بعض الإصلاحات، حسب البيان الصادر عن المؤتمر. 

رفضوخلافات    

رفض البنك المركزي خطة الحكومة وظهرت الخلافات بين الطرفين على طريقة احتساب الخسائر وبات كل طرف يرمي مسؤولية الأزمة على الآخر، الأمر الذي دفع صندوق النقد لدعوة الطرفين الى توحيد الرؤية والاتفاق على الأرقام والحسابات قبل العودة الى المفاوضات.   

ورفضت الخطة أيضاً جمعية المصارف التي قدمت خطة بديلة واعتبرت أن الخطة الحكومية لا تقوم بتوزيع عادل للخسائر بين الأطراف اللبنانية كافة. ففي حين تريد الحكومة تحميل المصارف الخسائر من رأس مالها ، تطالب جمعية المصارف الحكومة بتحمل مسؤولياتها وإعادة تسديد الديون التي تخلفت عن سدادها. 

أما المجتمع المدني والمغتربون اللبنانيون فقد رفضوا الخطتين معتبرين أن الحكومة تريد تحميل الخسائر للمواطن بدلا من القيام بإصلاحات جوهرية تعيد لهم حقوقهم، وهم فقدوا الثقة بالمصارف وقدرتها على إدارة الأموال بعد ان أساءت أداء الأمانة وأقرضت الحكومة أموالهم رغم معرفتهم بعدم قدرة الحكومة على السداد. 

في غياب المساعدات الدولية بانتظار الإصلاح ، وانقطاع التدفقات المالية من المغتربين لانعدام الثقة أولاً وتباطؤ الاقتصاد العالمي ثانيا نتيجة انتشار فيروس كورونا، يبقى أمام اللبناني خياران: إما الهجرة بحثا عن حياة كريمة عله يجدها على أبواب إحدى السفارات أو الصمود في انتظار المجهول القادم. 

لقراءة مقال سابق لمحمد 

كورونا والكويت، كيف يبدو الوضع؟ 

* تم التواصل مع محمد عبر موقع  WriteCaliber 

(تحرير: تميم عليان، للتواصل yasmine.saleh@refinitiv.com) 

© Opinion 2020

المقال يعبر فقط عن عن أراء الكاتب الشخصية
إخلاء المسؤوليّة حول المحتوى المشترك ومحتوى الطرف الثالث:
يتم توفير المقالات لأغراض إعلامية حصراً؛ ولا يقدم المحتوى أي استشارات بخصوص جوانب قانونية أو استثمارية أو ضريبية أو أي نصائح أو أراء بشأن ملاءمة أو قيمة أو ربحية استراتيجية أستثمارية معيّنة.