احتجاجات العراق..ما جذورها وهل تعبر الجسور نحو التغيير؟

خبراء: أسباب اقتصادية لتحرك الشباب العراقي وعجلة التغيير بدأت تدور

  
احتجاجات العراق..ما جذورها وهل تعبر الجسور نحو التغيير؟
Reuters/Wissm al-Okili

من سنان صلاح الدين محمود ، الصحفي بموقع زاوية عربي

*تم إعادة نشر القصة لإضافة اقتباسات حول الإنفاق في الموازنة

لأكثر من شهر ونصف الآن لم يهدأ الشارع العراقي الذي يشهد احتجاجات شعبية غير مسبوقة مطالبة بتغيير النظام السياسي الذي حكم البلاد منذ سقوط نظام الرئيس الأسبق صدام حسين في عام 2003 على يد تحالف دولي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية.

ولم يقتنع المتظاهرون بالإجراءات العاجلة التي أعلنتها الحكومة والبرلمان منذ بداية التظاهرات في الأول من أكتوبر والتي تضمنت تقديم منافع اجتماعية على شكل مساعدات مالية وعينية وتفعيل قضايا فساد إداري ضد مسؤولين سابقين مع وعود بتعديلات وزارية ودستورية وتغيير قانون ومفوضية الانتخابات.

وبدأت الاحتجاجات تتسع في العاصمة بغداد ومدن الوسط والجنوب العراقي من أماكنها المعتادة في الساحات الرئيسية إلى المناطق التجارية والمنشآت الحيوية مع دعوات للإضراب في المؤسسات الحكومية والتي استجاب لها البعض من أجل زيادة الضغط، حسب التقارير الاعلامية.

ونتجت عن محاولات المتظاهرين الوصول إلى المناطق الحيوية - ومنها ما يعرف ب "المنطقة الخضراء" في بغداد حيث مقرات الحكومة الرئيسية والسفارات الغربية - مواجهات مع القوات الأمنية أدت إلى مقتل أكثر من 300 متظاهر وجرح الآلاف منهم لحد الآن، حسب تقارير صحفية ومنظمات حقوق انسان دولية.

احتجاجات أكتوبر تختلف عن سابقاتها بأنها بدأت عفوية من قبل شريحة من الشباب وتفتقد إلى قيادة واضحة وتتسارع فيها الأحداث.

رأي خبير

يقول الخبير في معهد الدراسات الإقليمية والدولية في الجامعة الأمريكية في السليمانية، أحمد طبقجلي، في اتصال هاتفي مع زاوية عربي من بغداد: "من أجل فهم لماذا الشباب هو المحرك الأساسي للمظاهرات يجب أن نفهم طبيعة الاقتصاد الذي نعيش فيه والذي فيه الدولة مثل الأم الحنون هي التي توفر فرص العمل والدعم للخدمات مثل الكهرباء...الخ ومثل هكذا وضع لا يمكن أن يستمر".

وأضاف أحمد أن النظام الاشتراكي للبلد والاقتصاد الريعي – الذي تشكل فيه إيرادات النفط نسبة حوالي 95% من إيرادات الموازنة بحسب البيانات الحكومية – أدى إلى أن تكون ثلاثة أرباع الموازنة مخصصة إلى القطاع الحكومي وإهمال تحفيز القطاع الخاص حيث أن الإنفاق الاستثماري يشكل ربع الموازنة فقط ونصفه موجه لقطاع النفط، كما أن الحكومات المتعاقبة لم تضع في الحسبان النمو السكاني الهائل في العراق والذي يشكل الشباب النسبة الأكبر فيه ولم تضع الخطط لاستيعاب حوالي 800 ألف شخص يدخلون سوق العمل سنويا.

وقال أحمد ان القطاع الخاص "ضئيل وصغير جدا" بسبب ضعف البيئة التشريعية والإجراءات الحكومية لتحفيزه ولا يمكنه استيعاب طلبات التوظيف "وهكذا أصبح الطريق مسدود أمام الشباب وفقدوا الثقة بالسياسيين فقدان تام". ويضيف أحمد "مشكلتنا تحتاج إلى حل جذري والحل الجذري مشكلته أنه قاسي. الحكومة لا يمكن لها أن توظف الناس ويجب عليها إلغاء الدعم على الخدمات مثل الكهرباء لأنه بالنهاية سيدمر البلد ويجب عليها الشروع بإصدار قوانين حديثة وتبسيط الإجراءات التي تخص القطاع الخاص لتحفيزه" وهو ما يرى أنه لا توجد بوادر من الحكومة تجاهه حتى الآن.

خلفية عن وضع الاقتصاد العراقي

وحسب البنك الدولي في تقرير عن حال الاقتصاد العراقي صدر الشهر الماضي، فقد نما الناتج المحلي الإجمالي خلال النصف الأول من العام الحالي بنسبة 4.8% مقارنة بذات الفترة من العام الماضي بفضل الزيادة في الإنتاج النفطي محققا انتعاش بعد انكماش في السنتين الماضيتين متأثرا بانخفاض أسعار البترول.

وقدر البنك نسبة البطالة في المجتمع العراقي ب 9.9% خلال عامي 2017 و 2018، كما أن 22.5% من السكان يعيشون في فقر، حسب التقرير.

دعم الشخصيات الدينية البارزة

المتظاهرون حظو بدعم شخصيات دينية مهمة مثل المرجع الديني والقائد الروحي للطائفة الشيعية، آية الله السيد علي السيستاني، والذي طالب بإصلاحات على رأسها تشريع قانون جديد للانتخابات وتأسيس مفوضية انتخابات وهو ما ساهم في استمرار التظاهرات.

كذلك أيد رجل الدين الشيعي الشاب مقتدى الصدر، والذي يدعم كتلة سياسية مشاركة في البرلمان والحكومة، الاحتجاجات وطالب بتنحي الحكومة وإجراء انتخابات مبكرة.

وقد حذر السيد على السيستاني في خطبة الجمعة الماضية السياسيين بأنه ليس "بإمكانهم التهرب من استحقاقات الإصلاح الحقيقي بالتسويف والمماطلة...إذ لن يكون ما بعد هذه الاحتجاجات كما كان قبلها في كل الأحوال."

للمزيد حول تأثير السيستاني والصدر في المشهد السياسي العراقي: علي السيستاني ومقتدى الصدر.. أبرز القادة الشيعة في العراق، فمن هم؟

رأي الخبراء

ويعتقد أحمد طبقجلي أن السيد علي السيستاني يدرك أنه في حال حل الحكومة "فان العراق سيسقط في الفوضى لذا يريد أن يقول للسياسيين أن الطريق مسدود ويريدهم أن ينفذوا التغيير بأيديهم".

ويقول هادي جلو مرعي، رئيس مركز القرار السياسي للدراسات، وهو هيئة مستقلة تقوم بإعداد بحوث سياسية واقتصادية، في محادثة هاتفية مع زاوية عربي من بغداد أن السيد علي السيستاني لا يريد لهذه التظاهرات "أن تكون هبة ثورية وتنطفئ كسابقاتها ولكن يريد لها تأثير مباشر وتغيير للواقع".

التأثير على الاقتصاد

منذ اندلاع التظاهرات تأثرت الحياة العامة والاقتصادية على وجه الخصوص بشكل كبير بسبب إجراءات الحكومة بفرض حظر للتجوال وقطع للشوارع وخدمة الإنترنت لعدة أيام.

وأجبر المتظاهرون الحكومة على وقف العمل لعدة أيام بميناء أم قصر الحيوي الذي يدخل منه ما بين 70% إلى 80% من احتياجات البلد من السلع الأساسية، حسب تصريحات مسؤولين عراقيين. وقدرت الحكومة الخسائر جراء تعثر العمل بالميناء بأكثر من 6 مليار دولار، حسب تصريحات حكومية.

رأي الخبراء

يعتقد واثق الهاشمي، رئيس المجموعة العراقية للدراسات الاستراتيجية، وهو مركز للأبحاث مستقل مقره بغداد، في حديث هاتفي مع زاوية عربي "أن متغيرات كثيرة ستحصل خاصة بعد خطاب المرجعية الذي أعطى زخم كبير للمتظاهرين". وأضاف أن اندلاع التظاهرات في إيران ولبنان سوف يزيد من حماس المتظاهرين للبقاء.

وأضاف واثق: "المشهد فيه تأزيم كبير في المرحلة القادمة، صراعات كبيرة وربما حتى التدخلات الخارجية سوف تكون لها أوجه عديدة في هذه المرحلة".

ويرى هادي جلو مرعي أن الأمور تتجه إلى استمرار التظاهرات ولكن بسلمية أكثر خاصة بعد مؤشرات بتغيير طريقة تعاطي الحكومة مع المتظاهرين – عندما انسحبت في الأيام الماضية من جسرين رئيسيين في بغداد بدون مواجهات حسب التقارير الصحفية – وايضا ان هناك تحرك من قبل الحكومة والبرلمان لتلبية بعض المطالب.

وقال هادي: "الشعب العراقي يدرك الآن أنه بدأ يؤثر حتى لو بنسبة ليست عالية ولأول مرة يدرك أن عجلة التغيير بدأت تدور حتى لو كانت بطيئة وأن حراكه سيؤتي ثماره".

(وقد عمل سنان سابقا مراسلا لوكالة الأنباء الأمريكية AP في بغداد)

(تحرير: تميم عليان، للتواصل: yasmine.saleh@refinitiv.com)

© ZAWYA 2019

إخلاء المسؤوليّة حول المحتوى الأصلي
تم كتابة محتوى هذه المقالات وتحريره من قِبل ’ ريفينيتيف ميدل ايست منطقة حرة – ذ.م.م. ‘ (المُشار إليها بـ ’نحن‘ أو ’لنا‘ (ضمير المتكلم) أو ’ ريفينيتيف ‘)، وذلك انسجاماً مع
مبادئ الثقة التي تعتمدها ريفينيتيف ويتم توفير المقالات لأغراض إعلاميةٍ حصراً؛ ولا يقترح المحتوى أي استشارات بخصوص جوانب قانونية أو استثمارية أو ضريبية أو أي آراء بشأن ملاءمة أو قيمة أو ربحية أي استراتيجية معيّنة تتعلق بالاستراتيجية الأمنية أو المحافِظ أو الاستثمار.
وبموجب الحد الذي يسمح به القانون المعمول به، لن تتحمّل ’ ريفينيتيف ‘، وشركتها الأم والشركات الفرعية والشركات التابعة والمساهمون المعنيون والمدراء والمسؤولون والموظفون والوكلاء والمٌعلنون ومزوّدو المحتوى والمرخّصون (المشُار إليهم مُجتمعين بـ ’أطراف ريفينيتيف ‘) أي مسؤولية (سواءً مجتمعين أو منفردين) تجاهك عن أية أضــرار مباشــرة أو غيــر مباشــرة أو تبعيــّة أو خاصــة أو عرضيّة أو تأديبية أو تحذيريّة؛ وذلك بما يشمل على سـبيل المثـال لا الحصـر: خسـائر الأرباح أو خسارة الوفورات أو الإيرادات، سـواء كان ذلك بسبب الإهمال أو الضـرر أو العقـد أو نظريـات المسـؤولية الأخرى، حتـى لـو تـم إخطـار أطـراف ’ ريفينيتيف ‘ بإمكانيـة حـدوث أيٍ مـن هـذه الأضرار والخسـائر أو كانـوا قـد توقعـوا فعلياً حدوثهـا