هل يطلق كورونا عصر العملات المشفرة؟

مقال رأي مقدم من محمد طربيه أستاذ محاضر ورئيس قسم العلوم المالية والاقتصادية في جامعة رفيق الحريري بلبنان

  
صورة تعبر عن عملة البتكوين

صورة تعبر عن عملة البتكوين

REUTERS/Dado Ruvic/Illustration

بعد حشد البشرية جمعاء ضد كورونا ، تتجه الأفكار إلى كيف سيكون العالم مختلف بعد الأزمة. مع اندفاع الشركات للتكيف مع العالم الجديد للتباعد الاجتماعي، أدى الوباء إلى تسريع الاتجاه نحو التجارة الرقمية.

يريد المستهلكون دائمًا مستويات اعلى من الخصوصية والأمان لأموالهم  قد تقدمها العملات المشفرة وعليه يجب أن يشمل هذا التحول اعتماد واسع النطاق للعملات الرقمية، والتي توفر حماية مالية وخصوصية أقوى للمستهلكين. 

 دخول التشفير عالم الأعمال.. التحديات والعواقب 

بالنسبة لمعظم القرن العشرين، كان التشفير مخصص لاحتياجات الأمن القومي، و حتى عام 1992، لم تسمح الولايات المتحدة، كمسألة تتعلق بالأمن القومي، بتصدير تكنولوجيا التشفير. ولكن ابتداء من تسعينات القرن الماضي ، بدأ رواد الأعمال الأوائل عبر الإنترنت في المطالبة باستخدام التشفير في التجارة الإلكترونية، بحجة أنه  ضروري لحماية أرقام بطاقات الائتمان للعملاء وكلمات المرور والمعلومات الأخرى التي يتم إدخالها عبر الإنترنت. واتضح وقتها أن نفس تقنية التشفير الأمنية يمكن أن تكون مفيدة للجميع. 

امتنع صانعو السياسة وإنفاذ القانون في الولايات المتحدة في البداية عن هذا الدفع باتجاه التشفير على نطاق واسع. من وجهة نظرهم، فإن الخصوصية للجميع تعني الخصوصية للإرهابيين وتجار المخدرات وغاسلي الأموال. ولكن هذا غير صحيح، فإن تعزيز الحماية المالية للمستهلك لا يعني إطلاق العنان للمجرمين، حيث لا يزال لدى وكالات إنفاذ القانون مجموعة واسعة من الأدوات تحت تصرفها، بدءًا من استدعاء عمليات تبادل العملات المشفرة إلى فحص التحويلات من وإلى العملات الورقية.  

وبالرغم من ان الجدل حول التشفير لا يزال  محتدم، الا انه يمكن القول و بشكل حاسم، ان توقعات المستهلكين منذ التسعينيت قد تغيرت. يتم الآن تشفير الغالبية العظمى من العمليات على الإنترنت. ولكن أضيف في حياتنا مجال جديد لم يعد فيه الخصوصية هي القاعدة: معلوماتنا المالية الشخصية.  

 فبموجب القانون، يتعين على الشركات المالية جمع المعلومات الشخصية عن عملائها. تنتهي هذه المعلومات في نهاية المطاف في قواعد البيانات عبر الإنترنت، ووقتها تصبح هدف مغري للقراصنة. في عام 2017، كشفت شركة التصنيف الائتماني Equifax أن خرق للبيانات قد كشف معلومات حساسة حول أكثر من 147 مليون مستهلك، أو أقل بقليل من نصف سكان الولايات المتحدة. ولكن لحسن الحظ ، هناك حل يلوح في الأفق. 

أموال مجهولة 

تحمل العملات المشفرة وعد بإنشاء نظام مالي منفتح بشكل أكثر مع إمكانيات لا محدودة مثل تحويلات أموال فورية، وتكاليف أقل، وحماية خصوصية المستهلك بشكل كبير.

فعندما اكتسبت عملة البتكوين شعبية لأول مرة، افترض الكثير من الناس خطأً أنها كانت أموال مجهولة المصدر. في الواقع، لأنها تستخدم تقنية  البلوكشين، فإنها تعتبر كانها تستخدم دفتر عام  يسجل مسار رقمي لكل معاملة. وقد أنشأت بورصات العملات المشفرة مثل Coinbase برامج قوية لمكافحة غسيل الأموال وبرامج "اعرف عميلك" الخاصة بهم تنافس برامج أي مؤسسة مالية. 

تعد العديد من التطورات الحديثة في تقنيات العملات المشفرة بنقل خصوصية المستهلك إلى مستويات أعلى، ومن المؤكد أنها ستكون مثيرة للجدل. ولكن، مثل تطبيقات المراسلة المشفرة، سوف تصبح متاحة بشكل متزايد. 

المستقبل

 بدون شك، أن هذه الابتكارات قد أزعجت البنوك والهيئات التنظيمية وبعض وكالات إنفاذ القانون. ولكن مثلما احتاج الإنترنت المبكر إلى التشفير لتمكين التجارة الرقمية، تحتاج العملات المشفرة إلى حماية الخصوصية لإطلاق العنان لقوتها وإمكاناتها الكاملة. سواء كان المرء بحاجة إلى الحماية من الأنظمة الاستبدادية أو جامعي البيانات أو المجرمين، فإن أفضل طريقة لضمان عدم اختراق البيانات المالية الحساسة هي تجنب الاضطرار إلى جمعها في المقام الأول. 

بعد أن شاهدت الولايات المتحدة تستفيد بشكل كبير من إنشاء شركات الإنترنت الرائدة في العالم ، تعمل العديد من البلدان الآن على جذب الجيل القادم من شركات العملات الرقمية. بالنسبة للبلدان التي تفكر في سياسة العملات المشفرة، فإن أفضل نهج، كما هو الحال دائمًا، سيكون تحقيق توازن بين إنفاذ القانون والأمن السيبراني من ناحية والخصوصية والابتكار والقدرة التنافسية الاقتصادية من ناحية أخرى. 

سيطالب المستهلكون في المجتمع الحر دائمًا ويتوقعون مستويات معقولة من الخصوصية. حياتنا المالية ليست استثناء. لحسن الحظ، يمكن للعملات المشفرة إصلاح بعض أكثر المشكلات المربكة في الخدمات المالية. ولأننا كلنا نخطط لإعادة البناء اقتصاديا بعد جائحة كورونا، يجب أن نسمح لهذه التقنيات بالنمو.

لقراءة مقالات سابقة لمحمد:

لبنان في زمن التسويات الكبرى أوالحروب الكبرى

سلطنة عمان : أحلام كبيرة تصطدم بالواقع الصعب؟ 

لبنان : المصائب لا تأتي فرادى  

كورونا والكويت، كيف يبدو الوضع؟   

قرار الطرح العام أو الاستمرار كشركة خاصة.. هل هو اختيار بين جنة ونار؟ 

العراق الجريح: بلد الفرص الضائعة

لبنان إلى  أين ؟  

السودان: الصفقة والفرصة التي لا تفوت  

الكويت: الوضع الصعب

  (للتواصل: yasmine.saleh@refinitiv.com)

© Opinion 2020

المقال يعبر فقط عن عن أراء الكاتب الشخصية
إخلاء المسؤوليّة حول المحتوى المشترك ومحتوى الطرف الثالث:
يتم توفير المقالات لأغراض إعلامية حصراً؛ ولا يقدم المحتوى أي استشارات بخصوص جوانب قانونية أو استثمارية أو ضريبية أو أي نصائح أو أراء بشأن ملاءمة أو قيمة أو ربحية استراتيجية أستثمارية معيّنة.

المزيد من الآراء