كورونا والاقتصاد ونحن ..كيف سنتغير؟  

مقال رأي مقدم من محمد طربيه أستاذ محاضر ورئيس قسم العلوم المالية والاقتصادية في جامعة رفيق الحريري بلبنان

  
صورة لشخص يحصل على التطعيم ضد كورونا في اليابان، طوكيو، فبراير 2021، رويترز

صورة لشخص يحصل على التطعيم ضد كورونا في اليابان، طوكيو، فبراير 2021، رويترز

إلى جانب التأثير البشري المأساوي ، كان لـجائحة كورونا تأثير اقتصادي عميق.

وضع الإغلاق العالمي نهاية مفاجئة للنمو الاقتصادي في الولايات المتحدة ودفع الاقتصاد العالمي إلى أعمق انكماش منذ الكساد الكبير في الثلاثينيات. 

 على الرغم من وجود دلائل على أن الفيروس تتم السيطرة عليه عالميًا، وخاصة مع بداية انتشار اللقاحات، وأن الحكومات بدأت في رفع القيود المفروضة على التنقل والتفاعل الاجتماعي، فإن هناك الكثير من  الشك في أن التعافي الاقتصادي يمكن ان يكون سريعًا.

 من المتوقع أن يتردد صدى آثار الوباء حتى فترة طويلة من زوال الجائحة.  

 سنحاول في هذا التحليل ان نركز على هذا الصدى ونفحص كيف يترك الوباء اثاره في الاقتصاد وكيف تتغير معه المعادلات الاقتصادية. ثم في المقال القادم سنبني توقعات طويلة المدى للاقتصاد العالمي.

سنحاول القيام بذلك من خلال دراسة وتحليل  العوامل الرئيسية لتشكيل التوقعات على المدى المتوسط والطويل للاقتصادات والأسواق. 

1-  الأوبئة والاقتصادات 

 تشير دراسات الآثار الاقتصادية للأوبئة إلى آثار كبيرة على المدى الطويل، حيث يتراجع النمو والعوائد على الأصول لفترة طويلة من الزمن بعد زوال الوباء.

 تغطي هذه الدراسات حالات تفشي المرض التي امتدت من الموت الأسود في القرن الرابع عشر حتى وباء H1N1 (إنفلونزا الخنازير) في عام 2009. 

  ويتم اليوم مقارنة كورونا بشكل متكرر بالإنفلونزا الإسبانية، والتي كانت قد أودت  بحياة 40 مليون شخص بين عامي 1918-1919، أو 2 % من سكان العالم  في ذلك الوقت، مما يعني حدوث 150 مليون حالة وفاة عند تطبيقه على سكان اليوم. 

  لحسن الحظ ، فإن الأنظمة الصحية المعاصرة والإجراءات الحكومية الأفضل لقمع الفيروس تعني أن الجائحة الحالية يجب ألا تكون قاتلة بنفس النسبة السابقة. مع ذلك ، وعلى الرغم من أن الحكومات قد تنجح في نهاية المطاف في الحد من التأثير الصحي للجائحة، إلا أن الآثار الاقتصادية وتكاليف الديون كبيرة. 

  2- الأوبئة والأشخاص 

 تترك الأوبئة ندوب، من حيث تأثيرها على الناجين وكيف يتصرفون في المستقبل.

من الناحية الاقتصادية، فإنها تغير ميزان الادخار والاستثمار في الاقتصاد.

  فبعد تلاشي الصدمة الأولية واحتواء المرض، عادة ما تكون الاستجابة الطبيعية للأسر والشركات أكثر حذراً. 

  البلدان التي رفعت بالفعل عمليات الإغلاق في الوباء الحالي تجد أن إنفاق المستهلكين بطيء في التعافي. ويشير التاريخ إلى أن هذا من المرجح أن يستمر. فعلى سبيل المثال، وجدت دراسة أعدتها كلية إدارة الأعمال في جامعة  (EAE) الاسبانية، ان حوالي 71% من الاسبان  قلقون على مستقبل وظائفهم، و 89% سيدخلون تعديلات أساسية على طريقة انفاقهم.  

وجدت التجارب السابقة أن صدمة الوباء تعني ارتفاع المدخرات مع بناء الأسر لاحتياطاتها الاحترازية.  بعد أن نجا الناس من تفشي المرض، أصبحوا أكثر وعياً بضعف وظائفهم ودخلهم أمام اعتلال الصحة، مما يتسبب في ادخار المزيد في الأوقات العصيبة.  وهذا يعني ضعف نمو الإنفاق الاستهلاكي، وهو الدعامة الأساسية للطلب والنشاط الاقتصادي. 

 3- الأوبئة والشركات 

من جانب الشركات ، تظهر الدراسات أن الاستثمار التجاري يضعف أيضًا.  في معظم الحالات، يعكس هذا الانخفاض في عرض العمالة نتيجة المرض، مما يؤدي إلى زيادة الأجور في الاقتصاد.  ثم يؤدي انخفاض الربحية إلى إضعاف استثمار رأس المال.

اليوم ، يجب أن يكون التأثير على السكان العاملين أقل بكثير بسبب التدابير الوقائية وحقيقة أن كبار السن هم المتأثرون بشكل أساسي.  لذلك لا نتوقع أن نرى ارتفاع الأجور نتيجة كورونا.  

 ومع ذلك ، فبالنسبة للعديد من الشركات ، فإن الإغلاقات المتكررة أدت الى انخفاض الأعمال بشكل كبير في حين اقتربت الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم من الموت حيث جفت التدفقات النقدية ببساطة، وسينعكس ذلك تأثير طويل المدى على استعدادها لتحمل المخاطر والاستثمار.  كما هو الحال مع الأسر، أدى الإغلاق وانخفاض النشاط إلى زيادة الوعي بالمخاطر التي تتعرض لها الأعمال.   

  لا يزال الاقتصاد العالمي في خضم "التوقف الكامل" على حد تعبير دانييل ديفو قبل حوالي 300 عام، في الوقت الذي  تعمل فيه السياسة المالية والنقدية على تخفيف الآثار السلبية. الدراسات والتجارب السابقة تؤشر إلى ان هذه الندوب من الأزمة ستثقل كاهل المخاطرة في المستقبل والاستعداد للاستثمار، كما ان المحفزات النقدية للبنوك المركزية والحزم المالية التي أعدتها الحكومات العالمية لتخطي الأزمة ستترك اضطرابات طويلة المدى في الاقتصاد.   

  ولذلك ، يتطلع المستثمرون إلى ما بعد الانكماش الفوري في محاولة لتوقع شكل اقتصاد ما بعد كورونا.

 لقراءة مقالات أخرى لنفس الكاتب:

القطاع المصرفي وامتحان فبراير: (الجزء الثاني) 

لبنان.. الطريق الى جهنم 

مئوية لبنان الكبير: لحظة الانبعاث او الزوال  

هل يطلق كورونا عصر العملات المشفرة؟

لبنان في زمن التسويات الكبرى أوالحروب الكبرى

سلطنة عمان : أحلام كبيرة تصطدم بالواقع الصعب؟ 

لبنان : المصائب لا تأتي فرادى  

كورونا والكويت، كيف يبدو الوضع؟   

قرار الطرح العام أو الاستمرار كشركة خاصة.. هل هو اختيار بين جنة ونار؟ 

العراق الجريح: بلد الفرص الضائعة

لبنان إلى  أين ؟  

السودان: الصفقة والفرصة التي لا تفوت  

الكويت: الوضع الصعب

(إعداد:  محمد طربيه، المحلل الاقتصادي بزاوية عربي و أستاذ محاضر ورئيس قسم العلوم المالية والاقتصادية في جامعة رفيق الحريري بلبنان)

(للتواصل: yasmine.saleh@refinitiv.com)

 

  © Opinion 2021

المقال يعبر فقط  عن أراء الكاتب الشخصية
إخلاء المسؤوليّة حول المحتوى المشترك ومحتوى الطرف الثالث:
يتم توفير المقالات لأغراض إعلامية حصراً؛ ولا يقدم المحتوى أي استشارات بخصوص جوانب قانونية أو استثمارية أو ضريبية أو أي نصائح أو أراء بشأن ملاءمة أو قيمة أو ربحية استراتيجية استثمارية معيّنة.

المزيد من تجاري