ارتفاع أسعار الغذاء... ماذا يحدث؟ 

مقال رأي مقدم من إسراء أحمد، المحللة الاقتصادية بزاوية عربي

  
صورة تعبيرية لدولارات ترتدي القناعات الواقية من كورونا، رويترز، مارس 2020

صورة تعبيرية لدولارات ترتدي القناعات الواقية من كورونا، رويترز، مارس 2020

REUTERS/Dado Ruvic/Illustration

أثناء محاولات العالم المستميتة للخروج من معركته ضد كورونا بأقل الخسائر، يرصد المحللون أنماط مختلفة لمتغيرات اقتصادية عدة مرت بتغيرات عنيفة خلال العام ونصف العام الماضيين. فبين مسارات التعافي المتباينة بين العالمين المتقدم والنامي، ولملمة جراح رأس المال البشري على ناحيتي الصحة والتعليم، ومستقبل أسعار الطاقة، تظهر قضية أخرى لا تقل أهمية: هي ارتفاع أسعار الغذاء وأثره التضخمي. 

فبينما كان العالم يحاول أن يهضم صدمته الأولى من الجائحة، شهدت أسعار السلع انخفاض عالمي كبير خلال مطلع العام الماضي، وانخفضت أسعار الغذاء مع انخفاض أسعار النفط وتوقعات تباطؤ الاقتصاد العالمي. إلا أن ذلك لم يدم طويلاً. فقد شهدت لاحقاً أسعار الغذاء تحديداً ارتفاع مستمر على مدار عام كامل، منذ منتصف 2020 وحتى يومنا هذا. ففي يونيو 2021، شهد مؤشر أسعار الأغذية الخاص بمنظمة الأغذية والزراعة ارتفاع قدره 33% على أساس سنوي. 

ما هو مؤشر أسعار الأغذية؟

 بحسب تعريف منظمة الأغذية والزراعة، هو مؤشر يُستخدم لقياس التغيّر الشهري في الأسعار الدولية لسلّة من السلع الغذائية الأساسية، ويتكون من متوسط مرجح لمؤشرات أسعار  مجموعة من السلع الأساسية.

المستهلك والمنتج

وفقاً لموضوع نشر في مدونة صندوق النقد الدولي، لم تكن أسعار الغذاء تتحرك في نفس الاتجاه للمستهلك وللمنتج. ففي أول الأزمة، أدى انخفاض الأسعار العالمي كما ذكرنا لانخفاض مؤشرات تضخم أسعار الغذاء بالنسبة للمنتجين والموردين، بينما أدى اختلاف عادات الغذاء للمستهلكين والتخلي عن الطلب من المطاعم إلى تزايد الطلب على منتجات الغذاء في المتاجر العادية والبقالة مما أدى لارتفاع مؤشر تضخم أسعار الغذاء للمستهلك النهائي.

أما مؤخراً، وبعد تجاوز أزمة كورونا مرحلتها الأولى، ارتفعت أسعار الغذاء عالمياً وتزايدت مؤشرات تضخم الأسعار للمنتجين والموردين، مع ارتفاع أسعار النفط، واضطراب سلاسل الإمداد، وأثر الجائحة على حركة النقل والتخزين، وارتفاع تكلفة الشحن عموماً، كل ذلك أدى لارتفاع أسعار الغذاء عالميا بشكل كبير، منذ أبريل 2020 وحتى الآن (يوليو 2021)، الأمر الذي بدأ يجد طريقه إلى جيب المستهلك النهائي، بعد أن أصبح صعب على الموزعين والمستوردين امتصاص تكاليف الشراء والتوزيع دون تمريرها إلى زبائنهم. 

ماذا يعني ذلك للدول النامية؟ 

برغم تضررها بشكل أقل من الدول منخفضة الدخل، إلا أنه بشكل عام، تعتبر معدلات التضخم في الدول النامية والمتوسطة الدخل هشة نسبياً لارتفاع أسعار الغذاء، لضخامة هذا المكون في المؤشر العام (على سبيل المثال، في مصر، يمثل بند الأغذية والمشروبات 35.9% من إجمالي مؤشر أسعار المستهلكين لإجمالي الجمهورية). كذلك تزيد تلك الحساسية كلما زاد الاعتماد على الواردات من الغذاء. ولنا في أزمة الغذاء التي حدثت في 2007 – 2008 عبرة، فعندما ارتفع مؤشر أسعار الغذاء الخاص بمنظمة الأغذية والزراعة من مستوى 53 نقطة في 2000 إلى 117.8 في 2008، ارتفع معه مستوى متوسط التضخم لدول الشرق الأوسط ووسط آسيا من 3.6% إلى 12% في نفس الفترة. 

وطبعاً، يزداد الخوف من تضخم أسعار الغذاء في الدول النامية إذا صاحب ذلك أي انخفاض في قيم العملات المحلية لتلك الدول أمام الدولار الأمريكي، خاصة بعد أن عانت تلك الدول من تدهور تدفقات السياحة والصادرات خلال الجائحة. 

وفيما حذرت مؤسسات دولية من تآكل المكاسب التي حققها العالم على مدار سنوات في مجال مكافحة الفقر بسبب تداعيات الجائحة، يأتي التضخم وارتفاع أسعار الغذاء ليجعل المشهد أكثر تعقيداً، خاصة مع عدم إمكانية زيادة إنفاق الدعم للأغذية والذي يثقل كاهل الموازنات المرهقة بالفعل جراء الإنفاق الصحي وزيادة الإنفاق الاجتماعي أثناء ذروة جائحة كورونا. الأمر الذي يشكل تهديد بتعميق المشاكل التي يواجهها رأس المال البشري والتنمية في مجال الصحة. 

وقد دفعت كل تلك المخاوف حكومات الدول النامية للبحث عن سبل تخفيف حدة تلك المشكلة على اقتصاداتها، وعلى النواحي الاجتماعية والإنسانية لديها، سواء بإطلاق مبادرات للتنسيق بينها، أو حتى بإجراءات تأخذ طابع الحمائية التجارية. وسنناقش في موضوع قادم تفاصيل استجابة الدول المختلفة للارتفاع أسعار الغذاء، وإن كنا تعلمنا ما يكفي من دروس من أزمة الغذاء السابقة.  

(إعداد: إسراء أحمد، المحللة الاقتصادية بشركة فاروس القابضة للاستثمارات المالية بمصر والمحللة الاقتصادية بزاوية عربي، وعملت إسراء سابقا كمحللة اقتصادية أولى بشركة شعاع لتداول الأوراق المالية - مصر، وكذلك شركة مباشر لتداول الأوراق المالية، بالإضافة لعملها كباحثة اقتصادية في عدة وزارات مصرية)

(للتواصل: yasmine.saleh@refinitiv.com)

© Opinion 2021

المقال يعبر فقط عن أراء الكاتب الشخصية
إخلاء المسؤوليّة حول المحتوى المشترك ومحتوى الطرف الثالث:
يتم توفير المقالات لأغراض إعلامية حصراً؛ ولا يقدم المحتوى أي استشارات بخصوص جوانب قانونية أو استثمارية أو ضريبية أو أي نصائح أو أراء بشأن ملاءمة أو قيمة أو ربحية استراتيجية استثمارية معيّنة.

المزيد من الآراء