22 05 2013
ننسى وبسرعة كل حدث لايترك أثراً فينا ومن العسير أن نحتفظ بكل الأحداث التي مرت بنا ما لم تكن تستحق فالذاكرة أضعفتها سرعة إيقاع الحياة والأعباء الحياتية المسيطرة على الجزء الكبير والمهم من ذاكرتنا والمتبقي لا يسمح إلا بالقليل ندخره لما سيأتي، والتاريخ بكل أشكاله وأنماطه احتفظ لنا بصانعيه في كل ضروب الحياة وما أحدثوه من أثر واضح في حياتهم وحياة الغير وأهمل غيرهم.شغلت السياسة والاهتمام بها ومتابعتها حيز كبير من أذهان الشعب السوداني بكل أطيافه، حيث تجده يتفاعل مع مستجداتها وما تحمله من متغيرات وما أكثر مفاجآت السياسة السودانية، يذكر ويحفظ للساسة كل إنجاز وينسى وبسرعة من لم يُنجز وكَتَبَ لبعضهم خلُود أسمائهم والبعض الآخر أسقطته الذاكرة قبل أن تزول قدماه عن كراسي الحُكم، في عهد الرئيس نميري أنشأت كوريا والصين مباني شامخة وحديثة قُدمت هدية باسم الصداقة لحكومة السودان، قاعة الصداقة، قصر الصداقة، مصنع الصداقة وكذا دولة الكويت ( العمارة الكويتية ) البرج الذي لا تُخطِئُه العين وهو على ضفاف النيل الأزرق يأخذ حيزاً متميزاً وفي شارع متميز (شارع النيل ) ظل هذا البرج حاضراً رغم الفتور الذي شاب العلاقة بين السودان والكويت بعد الغزو العراقي والشعب لسانه مازال رطباً شكراً وعرفاناً لهذه الدول رغم تقادُم السنين وما أحدثته من خراب ودمار للذاكرة مازال فيها متسع لحفظ الجميل وأهله.
أنشئت الدولة على النيل الأزرق جسراً لربط الخرطوم بمدينة الخرطوم بحري ( المك نمر ) ،جسر في غاية الجمال والتصميم كان له كبير الأثر في فك اختناقات المرور وأحيى مناطق في مدخله كانت الحركة ضعيفة فيها، يتمتع العابر لهذا الجسر بجمال النيل الأزرق الساحر الأخاذ والخُضرة المنتشِرة على ضفافه ومعالم جزيرة توتي التي تتوسط النيل الأزرق بادية للعيان، مع هذه المناظر الطبيعية الخلابة كنا نلاحظ حركة هدم للمساكن الحكومية التي كان يقطنها عمال وموظفو النقل النهري وبعض الإدارات الأخرى وأصبحت أرضا عراء مسورة بألواح من الحديد والكل يتساءل لماذا هدموها ؟ كثرت الشائعات لكن أجمع الناس على أنها ستصبح منطقة سياحية جاذبة ومتنفس لمواطن الخرطوم وأُسرته لتزامن هدمها مع إنشاء الجسر لاسيما وأن ما يجاورها ( فندق قصر الصداقة ) فندق سياحي جاذب وهو أحد المشاريع المشتركة بين السودان وكوريا وما أجمله من معلم استثماري.
الديار القطرية لافتة كُتبت على مدخل الجسر أجابت على تساؤلات المواطن الذي يمر يومياً صباح مساء وأرضت فضوله، ظل الجميع يتابع التطورات المدهشة والتي تُرى بوضوح من أعلى الجسر وبمثلما كان الهدم سريعاً كان البناء أسرع، وبحكم ارتباطي بهذا الطريق كنت مندهشاً كغيري بجمال وتصميم المباني والتي تنمو وبسرعة كبيرة في تناسق يتناسب و جمال المنطقة وبدافع الفضول أُتابع وبشكل شبه يومي التطورات ولست وحدي، نزل هذا المشروع برداً وسلاماً على أهل الخرطوم بحري وهو يقابل بالضفة الأخرى مبنى وزارة الخارجية الجميل، رأينا اكتمال بعض الوحدات والأخبار تتواتر عنه وبعد زيارة ولي العهد سمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني وزيارته للمشروع زادت درجة الفضول وبحثنا وامتلكنا الكثير من المعلومات عنه عبر الموقع والوسائط الأخرى، ولم تتح لنا الفرصة لزيارته بالداخل لكن تغمرنا السعادة بهذا الجمال المتجسد وبوضوح في هذا المكان السياحي، مشيرب قلب الخرطوم مشروع نتمنى أن ينتقل بهذه النجاحات إلى مواقع أخرى جاذبة والسودان مليء بمثل هذا الجمال والذي ينتظر من ينفض عنه غبار الدهر وهنيئاً لمن يسعده الحظ في الإقامة والتملك فيها وهي بهذه الروعة.
نحن شعب رغم ما نعاني ظروف مصنوعة حبانا ربنا الخالق بالكثير وبداخلنا يسكن الجمال و نفرح به أين ما وُجد ونتحلى بفضيلة الشكر لمن ساعدنا في الوصول إلى الجمال، مازال النيل عندنا بكراً في أطرافه يدعونا للاهتمام به وإقامة مشروعات سياحية عليه وما لدينا من الجمال في مدننا الأخرى يدعوكم كذلك، هذه دعوة مني وأنا مواطن سوداني يستفزني الجمال في بلدي ويدفعني للكتابة عنه وأسعد بوجوده كثيراً، أدعو القائمين على أمر مشيرب وغيرها في المزيد من الاستثمار في بلدي وكلنا ترحيب بوجودكم بيننا، ونأمل أن تتمدد مشيرب لتحتل مكاناً في ( قلب ) كل المدن السودانية، رغم علمنا التام بصعوبة الاستثمار وما يعانيه المستثمر ولكن صبركم علينا نحتاج لنجني ثمار ماغرستم في بلدنا من بذور الجمال وسنجنيها والتاريخ سيشهد والذاكرة ستسعفنا حينها للحفظ.
© Al Sharq 2013






