20 05 2013

تشهد الحركة السكانية في لبنان حاليا تغيرات جذرية ذات تأثيرات اقتصادية واجتماعية كبيرة لا تسمح بتجاهلها في وضع السياسات التنموية، وان ما يميز التحول السكاني الحاصل في لبنان، بحسب تقرير نشرته صحيفة النهار اللبنانية هو:

1 ـ الانخفاض التاريخي في الخصوبة: فمعدل عدد الأطفال لكل امرأة انخفض من نحو 5 أطفال في أوائل السبعينيات الى نحو 1.7 طفل في الوقت الحاضر، وبما أن هذا المستوى من الخصوبة هو دون الإحلال (أي أن تنجب المرأة طفلين ليحلا مكانها ومكان زوجها ويعيشان لينجبا بدورهما أطفالا يحلون مكانهما بما ينتج عنه بعد مدة توقف للنمو الطبيعي للسكان) فمن المنتظر أن يصبح نمو السكان الطبيعي (أي الولادات ناقص الوفيات) سلبيا في المستقبل القريب.

2 ـ الانخفاض في عدد السكان اللبنانيين المقيمين: بدأ بالفعل بسبب الهجرة المكثفة الى الخارج، فعدد الولادات في لبنان حاليا، وفق إحصاءات الأمم المتحدة، يقدر بنحو 80.000 ولادة حية سنويا، وتقدر الوفيات بنحو 34000 وفاة سنويا، ما يجعل النمو الطبيعي للسكان في الوقت الحاضر نحو 27.000 نسمة.

غير أن كل التقديرات المتعلقة بالهجرة من لبنان تدل على أن الرقم الأكثر منطقية للهجرة الصافية من لبنان يتراوح بين 35000 و55000 شخص سنويا، ما يعني أن عدد السكان المقيمين ينخفض حاليا بين 8000 و28000 شخص سنويا، وهذا العدد سيكون الى ازدياد حتى لو بقيت مستويات الهجرة على حالها، أو انخفضت قليلا، لأن مستوى الخصوبة هو دون الإحلال.

وتشير إسقاطات الأمم المتحدة الى أن عدد سكان لبنان سيظل يتزايد حتى العام 2040، وتقدر الأمم المتحدة الهجرة السنوية من لبنان حاليا بـ 2600 نسمة سنويا لترفعها بعد العام 2015 الى 4000 نسمة سنويا، بينما تقديرات الدراسات العلمية تضع الرقم بين 35000 و55000 نسمة سنويا.

وعند تعديل إسقاطات الأمم المتحدة لسكان لبنان، مع الأخذ بعين الاعتبار التقدير الأقل للهجرة، أي 35000 نسمة سنويا، سيتراجع عدد المقيمين اللبنانيين الى ما دون 4 ملايين في نهاية هذا العقد بدلا من 4.5 ملايين كما في إسقاطات الأمم المتحدة، وإلى 3.5 ملايين السنة 2040 بدلا من 4.8 ملايين حسب الأمم المتحدة.

هذا الخطأ لا يؤثر كثيرا في نسب توزيع السكان وفق العمر، أو في متوسط عمر اللبنانيين المقيمين، خاصة أن نمط الهجرة لم يتغير كثيرا لمدة غير وجيزة.

3 ـ من نتائج انخفاض الخصوبة: هو ما يسميه الديموغرافيون عملية التعمير أو التعمر، أي ارتفاع نسبة كبار السن من مجموع السكان وانخفاض نسبة الأطفال ومن ثم الشباب في التركيبة العمرية للسكان.

عملية التعمير هذه بدأت طبعا منذ بدأت الخصوبة بالانخفاض في سبعينيات القرن الفائت، ولكنها أصبحت اليوم تحصل بوتيرة متسارعة.

فمعدل عمر اللبناني المقيم مثلا ارتفع من أقل من 19 عاما العام 1970 الى أكثر من 30 عاما اليوم، ومن المنتظر أن يصل الى 45 عاما في 2040، أي بعد أقل من 3 عقود.

في السياق عينه، أصبح عدد كبار السن (65 سنة وما فوق) الذي كان يشكل العام 1970 أقل من 12% من عدد الأطفال (أقل من 15 عاما) أصبح اليوم يشكل 35% وسيتجاوز عدد المسنين عدد الأطفال بعد أقل من 3 عقود من الزمن، إذ تكون نسبة كبار السن من مجموع السكان قد ارتفعت من أقل من 8% اليوم الى أكثر من 16% عام 2040، بينما انخفضت نسبة صغار السن من 43% اليوم الى أقل من 16% خلال المدة عينها.

ولعل أهم من النسب لتفهم تداعيات ظاهرة التعمر هي الأرقام المطلقة، فخلال العقد الحالي، من المنتظر أن ينخفض عدد الأطفال (دون 15 عاما) المقيمين في لبنان من أكثر من مليون طفل العام 2010 الى حوالى 840000 عام 2020 ومن ثم الى 560000 عام 2040، أي الى 48% من حجمهم سنة 2010.

في المقابل، سيرتفع عدد كبار السن من 30800 العام 2010 الى 337000 العام 2020 ومن ثم الى 564000 العام 2040، أي بازدياد يعادل 83% خلال أقل من 3عقود.

ان عملية التعمر هذه قد حصلت في كل الدول الصناعية، وفي بعض الدول النامية أيضا، وهي مازالت في بدايتها في لبنان مقارنة بتلك الدول، ولو أنها متقدمة بالنسبة للأغلبية الكبرى من الدول العربية.

فمعدل العمر الذي يبلغ في لبنان نحو 30 عاما يبلغ في فرنسا 40 عاما وفي اليابان الأكثر تعمرا في العالم 45 عاما. أما نسبة كبار السن من مجموع السكان التي تقارب 8% في لبنان اليوم، فإنها تصل الى أكثر من 17% في فرنسا و23% في اليابان.

بالمقابل فإن معدل العمر في الأردن مثلا لا يتجاوز 22 عاما وفي العراق 19 عاما، بينما نسبة كبار السن في هذين البلدين تبلغ 3 و4% على التوالي.

4 ـ ابتداء من 2005 ـ 2010، وكانت قد وصلت نسبة الالتحاق بالدراسة الابتدائية والثانوية الى أقصاها تقريبا في هذين المستويين، بالنسبة للذكور كما بالنسبة للإناث، فإن الانخفاض الذي بدأ في أعداد الأولاد في الفئة العمرية من 5 الى 14 عاما، التي تشكل الخزان الرئيسي لتلامذة هذه المرحلة الدراسية، بدأ ينعكس على الطلب بالنسبة للمدارس الابتدائية والثانوية، الخاصة والعامة بشكل تدريجي.

فمن المنتظر أن ينخفض حجم هذه الفئة العمرية 21% بين 2010 و2020، ونحو 40% بحلول العام 2040 بسبب انخفاض الخصوبة من جهة وتراجع حجم السكان من جهة أخرى.

بالنسبة للتعليم الجامعي، فتأثير التراجع السكاني لن يؤثر في الشكل عينه خلال هذه المدة رغم أن حجم الفئة العمرية 15 ـ 19 عاما (وحتى 20 ـ 24) سينخفض بالنسبة إياها تقريبا، لأنه من المنتظر أن تكمل نسب الالتحاق بالمستوى الجامعي ارتفاعها ما يعوض الى حد ما الانخفاض في عدد الشباب في عمر الدراسة الجامعية، ولكن من المنتظر رغم ذلك أن يكون هناك انخفاض ملحوظ في الطلب، خاصة في الأمدين المتوسط والبعيد أقله بالنسبة للمواطنين اللبنانيين.

5 ـ الإعالة، كما يحددها الديموغرافيون تتمثل بالعلاقة بين عدد الذين هم في سن العمل، أي 15 الى 64 عاما (المعيلون) الى الذين هم خارج سن العمل، أي الأولاد دون الـ 15 عاما وكبار السن البالغين من العمر 65 عاما وما فوق (المعالون).

عبء الإعالة انخفض منذ مرحلة ما قبل انخفاض الخصوبة في شكل كبير، ففي العام 1970 كان هناك لكل 100 شخص في سن العمل نحو 90 شخصا من المعالين، بينما انخفض هذا العدد اليوم الى 49 شخصا، ومن المفترض أن يصل الى أدناه العام 2020 عندما يبلغ 43 شخصا، ليعود ويرتفع تدريجيا بعد ذلك.

ما تغير جذريا في هذا المجال، وسيتغير في العقود المقبلة، هو التركيبة العمرية لهذه الإعالة، فبينما كان 90% من المعالين من الأطفال مقابل 10% من المسنين العام 1970، فإن هذه النسب اصبحت اليوم 76% من الأطفال مقابل 24% من المسنين، ومن المنتظر أن تنخفض نسبة الأطفال من مجموع المعالين لتصبح موازية لنسبة المسنين بحلول العام 2040، ومن ثم ترتفع الإعالة تدريجيا لصالح كبار السن.

بمعنى آخر، بينما كان الجيل الماضي يعيل أطفالا اكثر وكهلة أقل، فإن الجيل الحالي يعيل العدد إياه من الأطفال ومن كبار السن، والجيل المقبل سيعيل أطفالا أقل ومسنين أكثر.

6 ـ إن النمو في أعداد كبار السن خلال العقود المقبلة ستتزايد وتيرته ابتداء من آخر العقد الحالي، هذا الازدياد يترافق مع هجرة مكثفة خاصة بالنسبة للشباب (ذكور وإناث) حتى سن الأربعين، ما يعني أن عددا متعاظما من كبار السن سيفتقد العناية الأسرية التقليدية (عناية الأولاد بآبائهم وأمهاتهم) ما سيزيد الطلب على دور المسنين ودور العجزة.

واقع الأمر في هذا المجال أن دور المسنين والعجزة الموجودة اليوم هي تحت ضغط كبير من الطلب على خدماتها، من جهة أخرى فإن أي عمل على وضع نظام لضمان الشيخوخة يجب أن يأخذ في الاعتبار طبعا النمو المتسارع المنتظر في إعداد المسنين.

7 ـ نظرا الى أن النساء يعمرن أكثر من الرجال بشكل عام، فإن إطالة العمر ينتج عنها عدم توازن بين أعداد الرجال والنساء من كبار السن.

فبينما كان عدد النساء المسنات اللواتي تبلغ أعمارهن 65 سنة وما فوق لا تفوق أعداد قرائنهن من الرجال سوى ب 3 % العام 2000، فمن المنتظر أن يبلغ هذا الفارق أكثر من 30% لصالح النساء في نهاية هذا العقد وأن يتجاوز الـ 44% بحلول العام 2040، هذا يعني بالطبع أن أعداد النساء الأرامل المسنات سيزداد بشكل كبير خلال العقود المقبلة ما يشكل تداعيات اقتصادية واجتماعية عديدة.

ان الانخفاض المنتظر في عدد السكان، وخصوصا التغير في التركيبة السكانية تجاه متوسطي العمر وكبار السن على حساب الشباب وصغار السن، لن يؤثر فقط في نوعية الطلب على خدمات القطاع العام وقطاعات التعليم وخدمات المسنين، بل أيضا على مروحة واسعة من سياسات الدولة، بما في ذلك السياسات المالية والاقتصادية، إضافة الى تداعيات على القطاع الخاص أقله لجهة الطلب على السلع والخدمات، وحتى على القطاعات الثقافية والترفيهية وغيرها.

غير أن معظم هذه الدول استبقت الى حد كبير هذا التغير وتداعياته، واتخذت إجراءات وسياسات وقائية، فجرت الأمور بسلاسة نسبية، بينما في لبنان يتم التعامل مع هذه التداعيات بعد حصولها كردة فعل للمشكلات التي تنتج عنها.


© Al Anba 2013