16 05 2013

(ملف الخميس)

تعد الانتخابات الرئاسية الإيرانية التي ستجرى في 14 يونيو المقبل أهم انتخابات في إيران منذ ثورة الخوميني في عام 1979، فيما أعرب خبراء إيرانيون لـ«المدينة» عن مخاوفهم من تكرار المشهد الاحتجاجي الذي حصل في إيران بعد إعلان نتائج الانتخابات الرئاسية في 12 يونيو 2009.
 
حين انطلقت شرارة الاحتجاجات في طهران لتعم جميع المدن الإيرانية، وهو ما اعترف به أمس قائد الشرطة الإيرانية اللواء أحمدي مقدم، الذي أكد أن عدد المشاركين في احتجاجات طهران عام 2009 تجاوز المليون إصلاحي الذين تظاهروا بشكل سلمي احتجاجا على انتخاب الرئيس نجاد لفترة رئاسية ثانية.

ويتوقع الخبراء الإيرانيون أن تشهد إيران احتجاجات أشد أثناء الانتخابات الرئاسية المقبلة، وذلك بسبب رفض الأصوليين المقربين من خامنئي فوز الرئيس الأسبق هاشمي رفسنجاني أو رحيم مشائي مستشار الرئيس نجاد الذي يحتفظ بجمهور واسع من الشباب القوميين والليبراليين، فيما يحذر الجنرال اللواء حسن فيروزابادي رئيس هيئة الأركان الحربية من احتجاجات كبرى ستشهدها إيران وان الحرس والبسيج والشرطة قد استعدوا لها).

خارطة الانتخابات الرئاسية في إيران

بعد قرار هاشمي رفسنجاني رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام في اللحظات الأخيرة يوم السبت الماضي بالنزول إلى الساحة الانتخابية، تكون المعالم الرئيسية للمشهد الانتخابي قد اتضحت بشكل كامل امام المتابعين للشأن الإيراني؛ هكذا قال الخبير الإيراني امير محبيان لـ«المدينة» موضحا ان الخارطة السياسية في إيران انقسمت إلى ثلاثة اقطاب رئيسية، هي:

* الرئيس هاشمي رفسنجاني الذي يمثل التيار الإصلاحي وتيار الأصوليين المعتدلين.

* سعيد جليلي الذي يمثل التيار الأصولي المقرب من المرشد خامنئي.

* رحيم مشائي الذي يمثل تيار الرئيس أحمدي نجاد (تيار رائحة الخدمة الزكية).

ويتوقع محبيان في حديث لـ«المدينة» أن يلحق الأصوليون التقليديون والإصلاحيون بركب رفسنجاني بسبب تجربته الميدانية الكبيرة وقربة من قائد الثورة الامام الخميني.
 
مشيرا إلى أن هناك فرعين في التيار الأصولي احدهما معتدل ويقوده هاشمي رفسنجاني، الذي يحظى بدعم الرئيس السابق محمد خاتمي.

واخر متشدد تقوده جهات دينية متطرفة.
 
ويقول محبيان: إن الرئيس نجاد انتقل في بداية الأمر من احضان الأصولية إلى مقعد الرئاسة، لكن تمرده على هذا التيار المتشدد لاحقا صب عليه لعنات الأصوليين.

وتوقع محبيان فوز مشائي (مرشح الرئيس نجاد) وفشل سعيد جليلي الذي لا يمتلك نظرية مستقلة عن نظرية التيار الأصولي التي سار عليها الرئيس أحمدي نجاد في السابق).

أما الخبير الإيراني حسين كشاورزي فيرى أن رفسنجاني يمثل تحديا كبيرا في الانتخابات الرئاسية الإيرانية المقبلة، مشيرا في تصريحاته لـ«المدينة» إلى أن المرشد خامنئي سيقبل على مضض بعودة هاشمي رفسنجاني إلى سدة الحكم بسبب مواقفه من احتجاجات عام 2009 حيث اصطف إلى جانب اعداء خامنئي وهم مير حسين موسوي ومهدي كروبي.

ويرى كشاورز وهو أكاديمي وأستاذ جامعي أن رفسنجاني دخل في صراع مرير مع المرشد خامنئي خلال فترة رئاسته الممتدة من 1989 و1997 بسبب نهج رفسنجاني الذي يهدف إلى إصلاح العلاقات مع دول المنطقة والعالم وتحرير الاقتصاد الإيراني.

فيما يرى اسد الله بادامجيان نائب رئيس حزب المؤتلفة الأصولي (أكبر جبهة أصولية في إيران) أن الشارع الإيراني يحتاج اليوم إلى شخصية هاشمي رفسنجاني لإنقاذ الأوضاع الاقتصادية والسياسية، ويؤكد بادامجيان أن رفسنجاني يمتاز على الآخرين بأنه يمتلك تجربة كبيرة في الميدان، وينتقد بادامجيان نوابا بالبرلمان وأصوليين مقربين من خامنئي طالبوا مجلس صيانة الدستور برفض ترشح رفسنجاني للرئاسة بدعوى كبر سنه (76 عامًا) مشيرًا إلى أن قائد الثورة الامام الخميني فجر الثورة وعمره 80عامًا.

مجلس صيانة الدستور هل يطيح برفسنجاني ومشائي؟!

يتطلع المرشد علي خامنئي إلى وجود مرشح يكتسح كلا من الشيخ مهدي رفسنجاني، ورحيم مشائي، ويكون من المرشحين الذائبين بولاية الفقيه وممن يسلمون بسلطة المرشد علي خامنئي، وقد امر خامنئي سعيد جليلي ليكون مرشحه الأوحد بعد أن نال رضاه في المباحثات النووية مع مجموعة 5+1.
 
والحقيقة ان هناك الكثير من الأصوليين الذين يرفعون لافتات ولاية الفقيه لكن هؤلاء بمجرد فوزهم في مقعد الرئاسة يقومون بالتمرد على المرشد كما حصل مع الرئيس نجاد الذي تمرد على خامنئي عام 2011، ورفض أوامره بإعادة وزير الأمن حيدر مصلحي واليوم يواصل التمرد بإصراره على دعم رجل منبوذ من قبل خامنئي هو رحيم مشائي.

والى جانب سعيد جليلي تحتضن مجموعة المرشد خامنئي شخصيات أخرى وهي: غلام علي حداد عادل، رئيس البرلمان الإيراني السابق والقريب فكريا وعائليا من المرشد خامنئي.

والشخصية الثانية محمد باقر قاليباف أمين العاصمة طهران وصاحب المشروعات الكبرى لحل اختناقات العاصمة الإيرانية والذي خاض سابقًا انتخابات الرئاسة العام 2005، ويعده كثيرون مقربًا من المرشد ويضعونه في مرتبة واحدة مع رئيس البرلمان الحالي علي لاريجاني سواء من حيث سيرته الذاتية وخدمته للثورة، أو لكونه ينتمي إلى الجيل الثاني من كوادر الثورة الإيرانية الكبار. الشخصية الثالثة هو علي أكبر ولايتي وزير الخارجية الأسبق ومستشار قائد الثورة الإسلامية للشؤون الدولية، ويعتبره كثيرون من الحلقة الضيقة لصنع قرار السياسة الخارجية الإيرانية).
 
وبحسب أوامر المرشد خامنئي فإن حداد عادل أعلن أن الأصوليين في الأسبوع المقبل سيعقدون جلسة للإجماع حول ترشيح سعيد جليلي ليقف مقابل رفسنجاني.

ويتابع المراقبون في إيران قرار مجلس صيانة الدستور الأسبوع المقبل ازاء المرشحين الذين ثبتوا اسماءهم في سجل الترشيحات الرئاسية والذين تجاوز عددهم أكثر من 600 مرشح أغلبهم من التيار الأصولي المقرب من خامنئي؛ ويقول الخبير الإصلاحي صادق زيبا كلام لـ(المدينة) أن مجلس صيانة الدستور سيقبل ترشيح رحيم مشائي مستشار الرئيس نجاد بسبب تهديدات الأخير، مشيرا إلى أنه في حال وافق مجلس صيانة الدستور على ترشح كل من مشائي ورفسنجاني فإن المنافسة الانتخابية القادمة ستكون بينهما.
 
ويضيف زيبا كلام ان لمشائي جمهور كبير لا يمكن الاستهانة به ذلك لأن معظم الفقراء في مختلف المحافظات الايراينة يدعمون الرئيس نجاد الذي سعى لزيارتهم برفقة رحيم مشائي.

ويقول عباس علي كد خدائي المتحدث باسم مجلس صيانة الدستور إن تأييد الصلاحية للترشح يرتبط ببرنامج المرشح، مشيرًا إلى أن مجلس صيانة الدستور ابتكر في دورته الحالية فقرة جديدة تتعلق ببرنامج المرشح الرئاسي في حال فوزه بكرسي الرئاسة. فبعد عبوره من محطة السلامة الاخلاقية والسياسية، هناك محطة تنتظره وهي دراسة برنامجه السياسي وهو المعيار الأهم للمرشح.

وكان أصوليون متشددون قد دعوا مجلس صيانة الدستور (وهو الجهة المسؤولة عن تقييم صلاحيات المرشحين للرئاسة الإيرانية)، إلى ضرورة رد صلاحية الرئيس الأسبق هاشمي رفسنجاني لتقدمه في العمر (76عامًا) وقال محمد دهقان عضو الهيئة الرئاسية للبرلمان: إن عمل رئيس الجمهورية يتطلب الكثير من الأنشطة الميدانية والفكرية، وأن هذا الأمر يستلزم أن يكون المتقدم للرئاسة الإيرانية من صفوف الشباب وأضاف: على مجلس الصيانة أن يرفض ترشيح رفسنجاني فـ (إيران بحاجة إلى رئيس شاب) على حد قول دهقان.

في هذا السياق صدرت ردود أفعال قوية من جانب الحرس والبسيج والبرلمان ضد ترشيح هاشمي رفسنجاني إضافة إلى مستشار الرئيس نجاد، رحيم مشائي وتجاوز الرئيس نجاد للدستور بتقديمه الدعم لمشائي في وقت ما زال يحتل منصب الرئاسة الإيرانية، ودعا اللواء محمد رضا نقدي قائد قوات التعبئة الإيرانية أعضاء مجلس الصيانة إلى رفض أي مرشح له دور في الاحتجاجات التي تعرضت لها إيران في 12 يونيو 2009 (في إشارة إلى هاشمي رفسنجاني) وأضاف: إن المرشحين الذين تحدثوا عن علاقات مع أميركا ليس لهم مكان لدى الشعب وان الانتخابات المقبلة ستكون استفتاء ضد العلاقات مع أميركا).

وكان 7456 من الحقوقيين والقضاة في إيران قد بعثوا برسالة إلى أحمد جنتي بضرورة رفض اي مرشح كانت له اسهامات في الفتنة والانحراف في إيران.

الشارع الإيراني سيصوت لرفسنجاني

مسؤول إيراني في الإذاعة والتلفزيون الإيراني -طلب عدم كشف هويته- قال لـ«المدينة»: إن هذه المؤسسة (الإذاعة والتلفزيون) قامت باستطلاعات رأي سرية، تبين من خلالها أن هاشمي رفسنجاني يحتل الصدارة في جميع الاستطلاعات التي اجرتها الإذاعة والتلفزيون ومؤسسات امنية اخرى وجامعات في البلاد.
 
وتقول الطالبة الجامعية مريم محمديان (كلية العلوم بطهران) لـ«المدينة»: إن معظم الاتحادات الطلابية الإصلاحية أعلنت عن فرحتها لمشاركة رفسنجاني واضافت: الشارع الإيراني بكل طبقاته سيمنح صوته لرفسنجاني حتى إذا رفض خامنئي وأكدت أن رفسنجاني يمثل البديل الحقيقي لجميع الشخصيات السياسية المرشحة.

ويري الأكاديمي محمد اللهي أن الصفات التالية تعد معايير لفوز المرشح وهي: أولا: ان يحوز المرشح ثقة واطمئنان القيادة ممثلة بالمرشد خامنئي وثانيا: ان يحوز الاطمئنان والثقة من مؤسسات النظام المهمة مثل الحرس الثوري والبسيج ومؤسسات الثورة ورجال الدين والمراجع في قم، وثالثا: ان يمتاز بالحنكة السياسية الخارجية والداخلية وان يستقطب شرائح المجتمع ويمتلك خطابًا هادئًا إلى الخارج).
 
وفي قراءة تلك الصفات وتطابقها نرى ان البعض من المرشحين قد يفوز ببعضها لكنه يخسر الشارع)، فالمرشحون البارزون وهم رفسنجاني ومشائي وسعيد جليلي ومحمد باقر قاليباف ومنوشهر متكي وزير الخارجية ومهمانبرست المتحدث باسم الخارجية وسعيد جليلي رئيس الملف النووي وعلي فلاحيان وزير الأمن الأسبق وحسن روحاني وهم من أبرز الوجوه المرشحة تعتقد الأوساط السياسية أن رفسنجاني يأتي في مقدمة هؤلاء ويحتل جليلي المرتبة الثانية ومن بعده مشائي ويؤكد كاظم جلالي نائب في البرلمان أن التيار الأصولي سيجمع على مرشح واحد وهو سعيد جليلي.

ملفات إيران الساخنة

تسببت ملفات إيران الساخنة (الملف النووي وملف العلاقات الدولية والإقليمية) في عزل إيران إقليميا ودوليا، فيما تسببت العقوبات الاقتصادية في انهيار قيمة صرف الريال الإيراني بصورة غير مسبوقة (الدولار يساوي 3600 ريال) ما ترك تداعيات على الأسعار.
 
فيما لم تكبح مشروعات الرئيس نجاد الاقتصادية الانفلات الاقتصادي والاجتماعي، وبسبب تهور الاقتصاد وانعكاساته الاجتماعية المخيفة، يبدي الإيرانيون ميلًا متزايدًا إلى اختيار رئيس معتدل، بعدما تسببت سياسات أحمدي نجاد في نشر الفقر على حد قول بعضهم.

لكن الشعور السائد لدى أغلبهم يستبعد إمكانية فوز مرشح إصلاحي

وبنظر مراقبين إيرانيين فإن غالبية الـ(600) مرشح هم على غرار أحمدي نجاد، لا يمتلكون خيارات اخرى سوى قطع العلاقات مع أميركا وادامة برامج إيران النووية التي ستزيد من معاناة إيران -على حد قولهم- ويقول أحدهم: «الإصلاحيون لا حظ لهم في الفوز لأن الشعب يعلم ان مؤسسات النظام لن تتحمل رئيسا بمقاس محمد خاتمي وذلك بسبب برنامجه الذي يدعو إلى الإصلاحات وإعادة العلاقات مع أميركا والغرب.

في المقابل يرى حسن روحاني رئيس الملف النووي في عهد الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي في لقاء مع طلبة جامعيين أمس الأول أن حظوظ رفسنجاني في الفوز كبيرة لامتلاكه آليات تسوية الملف النووي والعلاقات مع أميركا من خلال دبلوماسية (السجاد الإيراني) وهي دبلوماسية تعكس الأناة والصبر وتدعو إلى تقديم بعض التنازلات في مقابل الحصول على الحقوق الوطنية، ويشير خبراء إيرانيون إلى أن رفسنجاني سيختار لحكومته حال فوزه بالرئاسة، وزراء من الجيل الجديد الذين يتسمون بالاعتدال.

والى جانب الملفات النووية والسياسية والاقتصادية فإن ثمة ملفًا أمنيًا كبيرًا يتعلق بزعماء المعارضة الإصلاحية مير حسين موسوي ومهدي كروبي وبحسب حسن روحاني فإن بقاء زعماء الإصلاحات في السجن سيزيد الأمور تعقيدًا وأن الرئيس القادم سيطرح حلولا امام القضاء الإيراني لتسوية القضية التي يواصل الطلبة الإصلاحيون في الجامعات الإيرانية طرحها على مرشحي الرئاسة الذين يزورونهم طلبا للدعم، مطالبين كل مرشح بتحديد موقفه من ملف قضية موسوي وكروبي.

© Al Madina 2013