أصدر البنك المركزي المصري قرار من شأنه تصعيب عملية استيراد السلع من الخارج، ثم خففه بعد مواجهة انتقادات حادة من مجتمع الأعمال.

وكان البنك المركزي قرر، أول هذا الأسبوع، منع الاستيراد باستخدام "مستندات التحصيل"، بدعوى حوكمة منظومة الاستيراد، وضمان استيراد منتجات بجودة عالية. فيما رأى البعض أن الهدف من القرار تخفيف الطلب على الدولار في ظل تخوفات خروج العملة الصعبة من الأسواق الناشئة بعد الاتجاه لرفع الفائدة في الولايات المتحدة.

سريعا، ما هو قرار البنك المركزي؟

ألغى قرار البنك المركزي العمل بمستندات التحصيل، على أن تستخدم الاعتمادات المستندية فقط في عمليات الاستيراد.

وفي نظام الاعتمادات المستندية، تكون العلاقة بين بنك المستورد، وبنك المصدر، ويكون المستورد ملزم بتغطية قيمة الشحنة المستوردة مقدما، كما أن البنك في هذه الحالة يكون مسؤول عن سداد قيمة الشحنة للمورد الخارجي، وتكون تكلفته أعلى، ويستغرق وقت أطول.

أما مستندات التحصيل، فيكون التعامل بين المستورد والمصدر بشكل مباشر، والبنك مجرد وسيط، ولا تتطلب سداد قيمة الشحنة مقدما، كما أن تكلفته أقل بكثير.

وفيما بدا محاولة لتهدئة أصحاب الأعمال، أعلن اتحاد بنوك مصر الأربعاء، والذي يضم في عضويته البنوك العاملة في مصر، أنه تلقى تعليمات من البنك المركزي بخصوص تطبيق قواعد الاستيراد الجديدة، والتي استثنت من القرار كل الشحنات الواردة بالبريد السريع، والشحنات حتى مبلغ 5 آلاف دولار أو ما يعادلها بالعملات الأخرى، بالإضافة إلى الأدوية والأمصال والكيماويات الخاصة بها، و12 سلعة غذائية هي: الشاي، اللحوم، الدواجن، الأسماك، القمح، الزيت، لبن البودرة، لبن الأطفال، الفول، العدس، الزبدة، الذرة.

كما تضمنت التعليمات تخفيض عمولات الاعتمادات المستندية في جميع البنوك، لتكون مثل عمولات مستندات التحصيل، وزيادة الحدود الائتمانية القائمة للعملاء، وفتح حدود جديدة للعملاء الجدد بما يتناسب مع حجم استيراد كل عميل، وفتح جميع الاعتمادات المستندية المطلوبة من كل العملاء فور طلبهم.

للقرار أسباب عدة

قال محلل اقتصادي في أحد بنوك الاستثمار المصرية فضل عدم ذكر اسمه، إن "القرار بالطبع له مرجعية تتعلق بالمنظومة الجمركية الجديدة، لكن أكيد أيضا هو محاولة لتحجيم الاستيراد خاصة السلع منخفضة الجودة".

وبدأت مصر في الشهور الماضية تطبيق نظام التسجيل المسبق للواردات بشكل إلزامي، لمنع الواردات غير المطابقة للمواصفات قبل وصولها إلى الموانئ المصرية، وهو القرار الذي أشار له البنك المركزي في تعليماته الخاصة بإلغاء مستندات التحصيل.

وتسعى مصر لاحتواء فاتورة استيراد متزايدة وعجز في ميزان المعاملات الجارية ارتفع إلى 18.4 مليار دولار في العام المالي 2020-2021، من 11.4 مليار دولار في العام السابق، بحسب تقرير سابق من وكالة رويترز.

وتنامى القلق في الشهور الأخيرة في مختلف الاقتصادات الناشئة من خروج الاستثمارات الأجنبية بعدما قال البنك المركزي الأمريكي (الاحتياطي الفيدرالي) إنه يتوقع رفع سعر الفائدة في مارس المقبل لمجابهة التضخم الذي وصل لأعلى مستوى له في 40 عام. وعادة ما تجذب الفائدة المرتفعة في الاقتصادات المتقدمة الأموال من الاقتصادات الناشئة لانخفاض المخاطر لدى الأولى.

وتعد استثمارات الأجانب في أدوات الدين المحلية من أهم مصادر العملة الصعبة في مصر، والتي بلغت قيمتها نحو 21 مليار دولار في شهر نوفمبر. ومازالت الاحتياطيات الأجنبية لدى البنك المركزي عند مستوى 41 مليار دولار، أو ما يغطي 6.9 شهور من الواردات السلعية.

وكانت وكالة فيتش للتصنيف الائتماني حذرت في يناير الماضي من استمرار تراجع الأصول الأجنبية في البنوك المصرية، بالتزامن مع تراجع استثمارات الأجانب في أدوات الدين الحكومية، والتي تعتبر أحد مصادر الدولار المهمة في السوق.

للمزيد: تحليل سريع: الأموال الساخنة في مصر تزداد حرارة

"قرار سيئ للغاية"

قال أحد كبار المصدرين المصريين، والذي يستورد أيضا قطع غيار ومعدات، وفضل عدم ذكر اسمه، إن "القرار سيئ للغاية، وسيؤدي لرفع أسعار السلع في السوق مباشرة، لأن تكلفة الاستيراد ستزيد".

وبحسب عدة مستوردين تحدثت معهم زاوية عربي، فإن مستندات التحصيل تسمح للشركات بسداد قيمة وارداتها على عدة أقساط، بالتزامن مع مراحل الاستيراد والتصنيع والبيع، على عكس الاعتمادات المستندية.

ويرى المصدر الذي تحدث مع زاوية عربي أن "الاعتمادات المستندية، تتطلب توفر رأس مال كاش كبير، من أجل تغطيتها، وهو أمر لا يتوفر لكل الشركات، وخاصة المنشآت الصغيرة".

وأضاف: "هذا القرار سيعطل الاستيراد، ليس فقط السلع مكتملة الصنع، ولكن أيضا مكونات الإنتاج والخامات اللازمة للصناعات المصرية، هذا يعني تأثير سلبي على التصدير، وأيضا توفير المنتجات وقطع الغيار ومعدات الإنتاج في السوق".

وأضاف: "على الأغلب الهدف من القرار هو تهدئة الطلب على الدولار، لكن ما كان يجب أن يكون بهذه الطريقة دون دراسة الآثار الجانبية".

وأرسل عدد من منظمات الأعمال التي تمثل التجار والمنتجين في مصرشكوى لرئيس الوزراء ضد القرار وطالبوا بإلغائه، كما اطلعت زاوية عربي على خطاب أرسلته مجموعة من مجالس التصدير التي تمثل الشركات المصدرة لوزيرة التجارة والصناعة، قالت فيه إن القواعد الجديدة ستؤخر وصول الخامات وقطع الغيار اللازمة للإنتاج، نتيجة الانتظار لفتح اعتمادات مستندية بدل من التعامل بالأمر المباشر مع المورد.

وذكر الخطاب أن القواعد الجديدة ستنعكس بالسلب على قدرات المصانع وتؤخر الوفاء بطلبات التصدير، وتؤدي إلى تراجع كبير في الصادرات المصرية، إضافة إلا أنها لا تتناسب مع بعض الصناعات مثل الأثاث التي لا يتعامل موردوها في الخارج بأسلوب الاعتمادات المستندية.

وقال مصدر في أحد مجالس التصدير لزاوية عربي، إن التعديلات التي أصدرها المركزي في القرار غير كافية لحل الأزمة، "الفكرة من الأساس غير مقبولة، لماذا تلزمني بتجميد أموالي في الاعتمادات المستندية، في حين أن علاقتي بالمورد الخارجي تسمح بالسداد على دفعات، هذا الأمر سيؤدي لانكماش أعمالنا واستثماراتنا، كما أنه لم يعد مستخدم في أغلب الدول التي نتعامل معها ويثير مخاوف الشركات الأجنبية".

"أكثر موثوقية"

وقالت سهر الدماطي، الخبيرة المصرفية، في اتصال هاتفي مع زاوية عربي إن "الاعتمادات المستندية أكثر موثوقية، وتضمن التعامل مع البنوك المعتمدة في الخارج، وليس أي جهة قد تقدم معلومات أو بيانات غير دقيقة عن الشحنات المستوردة، لكن تكلفته أعلى".

وفي تصريحات لوكالة أنباء الشرق الأوسط المصرية، قال يحيى أبوالفتوح نائب رئيس البنك الأهلي، الأربعاء، إن البنوك المصرية مستعدة لتوفير الاعتمادات المستندية بسهولة ويسر للمستوردين، وإن القواعد الجديدة تستهدف " تحقيق جودة أعلى للمواطن بالبضائع الواردة لمصر".

(إعداد عبدالقادر رمضان ويعمل عبدالقادر في موقع مصراوي المصري كما انه عمل سابقا في عدة مؤسسات منها، موقع أصوات مصرية التابع لمؤسسة تومسون رويترز وجريدة البورصة المصرية، وقناة سي بي سي الفضائية المصرية)

للاشتراك في تقريرنا اليومي الذي يتضمن تطورات الأخبار الاقتصادية والسياسية، سجل هنا

#تحليلمطول