بعد توقف لم يدم طويلًا، عاد الرئيس التركي لهوايته في إطلاق التصريحات الداعمة للحركات الإسلامية في المنطقة و المنتقدة للأنظمة العربية، ليذكر مسانديه داخل تركيا وخارجها أنه مازال يحمل لواء "الخلافة" في القرن الحادي والعشرين، حتى ولو رمزيًا.

فقد انتقد رجب طيب أردوغان الأسبوع قرار حل البرلمان التونسي الذي تهيمن عليه حركة النهضة الإسلامية، واصفًا إياه بـ"تشويه للديمقراطية،" وبأنه "مدعاة للقلق على مستقبل تونس وضربة لإرادة شعبها." الأمر الذي دفع الرئيس التونسي قيس سعيد ليرد قائلًا أن تونس ليست "ولاية عثمانية تنتظر فرمانا" من أنقرة. 

ومن غير المتوقع أن يؤدي أي ضغط تركي لتغيير سياسات الرئيس التونسي الذي استولى على جميع السلطات في بلاده شهر يوليو الماضي، وهذا أيضًا ليس هدف أردوغان من تصريحاته، بحسب محللين تحدثت معهم زاوية عربي.

"السياسة الخارجية لتركيا تتبع احتياجات إردوغان و(عملية) إعادة انتخابه... (و) ليس هناك منطق آخر وراءها،"بحسب ما قاله جنكيز أكتار المحلل والكاتب السياسي التركي، وهو أستاذ في العلوم السياسية في جامعة أثينا في اليونان.

ويواجه أردوغان انتقادات داخلية مع تأزم الوضع الاقتصادي في تركيا مع انهيار الليرة وارتفاع معدلات التضخم فوق 60% في مارس. 

وكانت تلك الصعوبات الاقتصادية الكبرى وبحثها عن الاستثمارات هي ما دفع تركيا إلى تحسين علاقاتها مع الإمارات والسعودية مؤخرًا، واتخاذ سياسة خارجية أكثر اعتدالًا، بعد أن كانت انقطعت لسنوات بسبب دعم أنقرة لجماعة الإخوان، وكذلك التقارب مع الدوحة بعد المقاطعة التي فرضتها السعودية ودول أخرى بينها الإمارات على قطر، إضافة إلى دعم  أطراف مختلفة في الصراع القائم في ليبيا.

وتسعى تركيا منذ العام الماضي لاستعادة علاقتها مع مصر، والتي انقطعت بفعل تصريحات وهجوم إردوغان اللاذع على النظام السياسي في مصر بعد الإطاحة بجماعة الإخوان من الحكم عام 2013.

حليف قريب

يعتبر الرئيس التركي حليفا مقربا من حركة النهضة التونسية منذ عقود، وفي عام 2020 زار الغنوشي رئيس الحركة تركيا وعقد جلسة مغلقة مع أردوغان، وهي زيارة أثارت جدلا في تونس.

 تركيا "تخشى أن القوى الإسلامية (في تونس) ستُنحى جانبا في النظام الجديد" في البلاد، بحسب ريكاردو فابياني المحلل المتخصص في منطقة شمال أفريقيا لدى "مجموعة الأزمات الدولية.

ولذلك لا يريد أردوغان أن يواجه الإسلاميون في تونس نفس المصير الذي واجهه نظراؤهم في مصر من  ملاحقة أمنية وإقصاء كامل عن الحياة العامة. ولكن الاعتبارات الاقتصادية قد تغير من ذلك.

"كقائد فعلي للإخوان، قد يواصل (إردوغان) خطابه القاسي ضد تونس طالما أنه لا يتوقع أي شيء من تونس على عكس الإمارات،" بحسب أكتار الذي أضاف أن الرئيس التركي "إذا رأى يوما ما مصلحة في تونس على سبيل المثال فيما يتعلق بليبيا، فقد يتخلى عن موقفه" الحالي المنتقد للنظام الحاكم في تونس.

للمزيد: صخرة الاقتصاد تحطم أحلام "الخليفة" أردوغان

ومع عودة العلاقات بين البلدين، أعلنت الإمارات في نوفمبر الماضي تأسيس صندوق بقيمة 10 مليارات دولار لدعم الاستثمارات في تركيا. وزار إردوغان الإمارات في فبراير الماضي وكانت تلك الزيارة الأولى منذ عام 2013.

استبعاد الإسلاميين

لاقت انتقادات إردوغان لقرار سعيد حل البرلمان ردا صارما من الجانب التونسي، إذ استدعت وزارة الخارجية التونسية السفير التركي للإعراب عن رفضهم لتلك التصريحات بوصفها تدخل غير مقبول في الشأن الداخلي، وأصدرت الخارجية بيانا أعربت فيه عن استغرابها لتصريحات إردوغان.

ويرى فابياني أن رد الفعل الصارم من تونس "مرتبط كثيرا" بالنهج الحالي في البلاد لاستبعاد الإسلاميين -الذين تدعمهم تركيا- من المشهد السياسي. 

ويشير إلى أنه منذ الصيف الماضي  "تشهد تونس استقطابا شديدا، وفاقمت الخطوة الأخيرة التي اتخذها الرئيس هذا الاتجاه"، مضيفا أن "تعليقات تركيا ورد الرئيس (التونسي) تعكس ما يحدث داخل تونس، وهو الاستقطاب بين سعيد والنهضة".

وفي 25 يوليو الماضي، اتخذ الرئيس التونسي مجموعة قرارات أحكمت قبضته على السلطة وأثارت جدلا كبير، وشملت تلك القرارات تعليق أعمال البرلمان وتولي سعيد كامل السلطة التنفيذية والتشريعية.

وواصل سعيد طوال الأشهر الثمانية الماضية إصدار قرارات على نفس الشاكلة، وكان آخرها يوم الأربعاء 30 مارس بحل البرلمان، بعدما عقد أكثر نصف نواب البرلمان اجتماع بقيادة الغنوشي رئيس حركة النهضة عبر تقنية الفيديو، وصوتوا على مشروع قانون يلغي التدابير الاستثنائية التي اتخذها الرئيس التونسي.

وفي إعلان حل البرلمان، قال سعيد إن وزيرة العدل فتحت تحقيقا في الواقعة التي وصفها "بمحاولة فاشلة للانقلاب"، وإنه "سيتم ملاحقة هؤلاء جزائيا".

ويرى فابياني أن تطور الأزمة الحالية بين تونس وتركيا "سيعتمد كثيرا على ما إذا كان الجانبان سيحاولان استخدام هذه الأزمة الدبلوماسية لتسجيل نقاط في المناظرات السياسية الداخلية لكل منهما".

ولا يستبعد المحلل تطور الأزمة التونسية التركية دبلوماسيا بين البلدين، مشيرا إلى أن "هناك القليل من الانسجام بين الرئيس سعيد والرئيس التركي أردوغان".

وقال: "من الممكن أن تتصاعد الأزمة إلى نقطة تعليق أو تجميد العلاقات الدبلوماسية الثنائية".

 

(إعداد: مريم عبد الغني، تحرير: أحمد فتيحة، للتواصل:ahmed.feteha@refinitiv.com)

#أخبارسياسية
للاشتراك في تقريرنا اليومي الذي يتضمن تطورات الأخبار الاقتصادية والسياسية، سجل هنا