أدت خطوات عدة اتخذها الرئيس التونسي قيس سعيد بداية من يوليو العام الماضي، على رأسها قيامه بعزل الحكومة وتجميد البرلمان وأجزاء كبيرة من الدستور، إلى انفراده بالسلطتين التنفيذية والتشريعية، ما أطاح بحزب النهضة الحاكم ذو التوجه الإسلامي، وهو الحزب الأكبر في تونس. 

ويرى مراقبون أن حذف الإسلام كدين الدولة من مسودة لدستور جديد يتم الإعداد له، وفقا لتصريحات الأسبوع الماضي للرئيس المنسق للهيئة المكلفة بصياغة الدستور التونسي الجديد، الصادق بلعيد، بأنه ضربة جديدة للإسلام السياسي، الذي سيطر على البلاد عقب الإطاحة بالرئيس التونسي الأسبق زين العابدين بن علي في يناير 2011.

لا مرجعية للإسلام في الدستور

"أعتقد أن المراد من تلك الحركة هو تهميش حزب النهضة أكثر بعدما أصبح العدو الأساسي للرئيس سعيد،" بحسب سارة يركيس، وهي زميلة في برنامج كارنيغي للشرق الأوسط، ومقره بيروت، لزاوية عربي.

وأضافت: "تلك الخطوة متوافقة تماما مع أفعال سعيد للتقليل من شأن حزب النهضة وشيطنته،" بالرغم من دعم الحزب له سابقا.

وقد أعلن حزب النهضة في 2019 دعمه لسعيد، وهو أستاذ قانون، في جولة الإعادة لانتخابات الرئاسة التونسية والذي كان يتنافس فيها سعيد كمرشح مستقل مع نبيل القروي زعيم حزب قلب تونس - ثاني أكبر حزب في البرلمان بعد حزب النهضة.

ومن المتوقع أن يلغي الدستور الجديد الباب الأول من الدستور الحالي الذي ينص على أن الإسلام هو الدين الرسمي للدولة، بحسب تصريحات لبلعيد لوكالة الصحافة الفرنسية.

"80 بالمائة من التونسيين ضد التشدد واستخدام الدين لأهداف سياسية.. وهذا ما نريد أن نفعله، ببساطة عن طريق إلغاء الباب الأول بشكله الحالي،" بحسب بلعيد والذي أكد أنه لن يكون هناك مرجعية للإسلام في مسودة الدستور التي ستقدم لسعيد.

وكان سعيد قد قام بما سماه استشارة إلكترونية على الدستور قبل أن يعد له لجنة برئاسة بلعيد قاطعتها معظم الأحزاب الكبيرة في البلاد، وعلى رأسها الاتحاد العام التونسي للشغل وهو من أكبر المنظمات النقابية في تونس.

وحذر حزب النهضة خلال الأسبوع الجاري من المساس بالهوية الإسلامية في الدستور الجديد.

لم يتم الإعلان بعد عن كامل مسودة الدستور التونسي الجديد، التي سيصدق عليها الرئيس سعيد قبل طرحها لاستفتاء شعبي في 25 يوليو القادم وسيكون على الناخب الإجابة بنعم أو لا فقط.

إرهاب وحقوق المرأة المهدرة

بدأ حزب النهضة مسيرته في سبعينات القرن الماضي كحركة سرية، وكان راشد الغنوشي، زعيم الحزب الحالي، من أبرز مؤسسيها.

وتحولت الحركة لحزب سياسي رسمي بعد ثورة 2011 التي مهدت الطريق لتأسيس أحزاب ذات مرجعية دينية، وهو ما كان غير مسموح به خلال فترة حكم بن علي. وسيطر حزب النهضة على مقاليد الحكم في العقد الماضي، وكان يملك 52 مقعد من أصل 217 مقعد في البرلمان التونسي قبل حله.

من جانب آخر، تم تشكيل ائتلاف الكرامة في فبراير 2019 بعدد من الشخصيات السياسية والأحزاب ذات التوجه الإسلامي، وكان لديه 21 نائب في البرلمان، وهو يعد أكثر يمينية من النهضة.

وقبل حل البرلمان بفترة وجيزة، قام نائب ائتلاف الكرامة الصحبي صمارة بالاعتداء بالضرب على عبير موسي، رئيسة كتلة الحزب الدستوري الحر المعارض خلال جلسة برلمانية، وهو ما اعتبره البعض بأنه حادث مدبر لتشتيت الانتباه عن توجيه اتهامات آنذاك لحزب النهضة بتورطه في قضايا إرهاب واغتيالات سياسية.

كذلك جدد حادث الاعتداء على عبير المخاوف تجاه التأسيس للعنف ضد المرأة تحت مظلة حكم إسلامي على غرار ما يحدث في أفغانستان، ما أثار موجة من الانتقادات في أوساط المدافعين عن حقوق المرأة.

رئيس علماني؟

 كذلك كان يواجه حزب النهضة غضب شعبي متصاعد وسط تدهور الاقتصاد التونسي بجانب توتر علاقاته مع القوى السياسية الغير إسلامية، ما مهد الطريق لسعيد ليتخذ ضده الإجراءات التي قام بها الصيف الماضي.

 لكن هل يعني ذلك أن سعيد يدعم العلمانية؟ خاصة بعد التعديل الدستوري المرتقب بإزالة الاسلام كدين رسمي للدولة؟

"لا أوصف الرئيس سعيد بأنه علماني. هو محافظ بدرجة كبيرة ويشارك الكثير من القيم مع الإسلاميين،" قالت يركيس.

وكان قيس سعيد قد تم انتخابه رئيسا في 2019، وكان من المعارضين البارزين لنظام بن علي في الماضي.

وواجه سعيد انتقادات موسعة محليا ودوليا بسبب إجراءاته التي يصفها معارضيه بأنها غير ديمقراطية وتأسس لسيطرته على مقاليد الحكم، وهي نفس الانتقادات التي واجهتها النهضة خلال السنوات الماضية.

وكانت من موجات الانتقادات التي واجهها سعيد في الآونة الأخيرة بسبب عزله 57 قاضي في مطلع شهر يونيو الجاري بعد أن اتهمهم بالتستر على متهمين في قضايا إرهاب. ومن بين القضاة المعزولين رئيس المجلس الأعلى للقضاء، الذي قام سعيد بحله في فبراير الماضي. 

 كيف ستكون علاقة الدين بالدولة؟

يمثل المسلمون أكثر من 98% من الشعب التونسي البالغ عدده حوالي 12 مليون نسمة، حيث تعتبر تونس من أكثر الدول العربية ذات النسيج الاجتماعي الموحد.

 في الوقت ذاته، يعتبر البلد الشمال إفريقي من أكثر البلاد العربية علمانية على مدار التاريخ. فعلي سبيل المثال، تمنع تونس تعدد الزوجات وتعاقب عليه بالحبس، على عكس الكثير من الدول ذات المرجعية الإسلامية التي تسمح به.

"سيكون بالتأكيد هناك بعض المقاومة (الشعبية) المحلية" لحذف الديانة الرسمية من الدستور "بينما سيصفق آخرون،" قالت يركيس. 

 من جانب آخر، أضافت المحللة أنه "من غير الواضح تحديدا ما هو أثر هذه الحركة (إزالة الاسلام كدين رسمي لتونس) على علاقة الدين بالدولة."

"هناك العديد من الدول الغربية العلمانية على الورق، مثل الولايات المتحدة، لكن في واقع الأمر يمثل الدين، المسيحية (في حالة الولايات المتحدة)، أساس العديد من القوانين والسياسات والممارسات." 

(إعداد: شريف طارق، تحرير: ياسمين صالح، للتواصل yasmine.saleh@lseg.com)

#تحليلمطول

للاشتراك في تقريرنا اليومي الذي يتضمن تطورات الأخبار الاقتصادية والسياسية، سجل هنا